من الآية 34 الى الآية 40
الآيــات
{ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الذي فِيهِ يَمْتُرُونَ* مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ* وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صراط مُّسْتَقِيمٌ* فَاخْتَلَفَ الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ* أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَـكِنِ الظالمون الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ* وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمر وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ* إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} (34ـ40).
* * *
معاني المفردات
{يَمْتُرُونَ}: يشكّون، أو يتنازعون.
{الأحزاب}: المراد بها: طوائف أهل الكتاب.
{فَوْيْلٌ}: الويل: كلمة تهديد تفيد العذاب والخزي والهوان.
{يَوْمَ الْحَسْرَةِ}: يوم القيامة.
* * *
اختلاف الأحزاب في عيسى(ع)
{ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} في قصة ولادته، وفي طبيعته البشرية، وفي رسالته، من موقع الإيضاح الذي يمنع الشك والريب، ويدفع إلى الإيمان من أقرب طريق، {قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} أي أقول قول الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بالرغم مما يتنازعون فيه من الكلمات غير المسؤولة، ومن الآراء التي لا ترتكز على حجة، ولا تستند إلى علم، بل هو التكلُّف، والتأويل، والبعد عن الحق، وذلك في ما ابتدعوه من فكرة نسبة الولد إلى الله، بقولهم عن عيسى إنه ابن الله.. ولكن ذلك لا يرجع إلى أساس، ولا يركن إلى حقيقة، {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} لأن إنجاب الولد ينطلق من موقع الحاجة، وهو أمر لا يتناسب مع غنى الله المطلق عن كل شيء، فأيّة حاجة به إلى الولد، وهو الذي لا يختلف مراده عن إرادته، {إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} ما يجعل لبنّوته لله فرضية لا معنى لها في حساب الفكر، ولا موقع لها في حركة الواقع.
وقد واجه عيسى هذه الفكرة مواجهةً كاملةً واضحةً، وذلك بدعوة الناس إلى عبادة الله وحده، باعتبار أنه ربه وربهم، ما يؤكد معنى العبودية لله في شخصه بالذات، وفي الناس الآخرين، ما يلغي أيّ نقاش حول ربوبيته، أو وجود بعض أسرار الألوهية في شخصيته، بل هو عبد الله، كما أن الآخرين عبيد له.
{وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} واخضعوا له، ونفذوا أوامره، وابتعدوا عن نواهيه، في كل جوانب الحياة، من أجل الحق والعدل والسلام؛ {هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} لأنه يصل النهاية بالبداية في خط مستقيم، في ما يوحد العلاقة بإله واحد، ويحدد للإنسان الحرية أمام الكون كله، وأمام الناس كلهم، ويشرع له ما يصلح أمره، ويبعده عما يفسد حياته، ويدفعه إلى التوازن في كل الأمور، فلا التواء ولا انحراف في أيّ تصورٍ أو سلوكٍ، أو علاقةٍ، أو منهجٍ للحركة وللحياة..
ولا تحتاج المسألة في ذلك كله إلا إلى الوعي العميق لسر الألوهية المتصلة بالوحدانية. وإلى دراسة الإنسان في عناصر ضعفه، وعناصر قوته، لما يكفل عدم إخراج أي إنسان عن حدود الإنسانية المحتاجة في كل شيء إلى مصدر القوة والحياة، هذه القوة التي تمثل الغنى المطلق مقابل فقر الإنسان المطلق في ما تعنيه علاقة المخلوق بخالقه. ولهذا فإن من الضروري أن تكون الدراسة للوجود، في القوى الإنسانية والكونية، خاضعة للموازين الدقيقة التي ترى القوة الإنسانية في حجمها الطبيعي، فلا تغلفها الأسرار الغامضة التي يفرضها التصور المنحرف، ويوحي بها الخيال الواسع. فإن كثيراً من حالات الغلوّ في نظر الناس إلى الشخص العظيم، تتأتى عن الأوهام الذاتية، والتصورات الخيالية التي يضيفها الناس إلى الشخص، فينفخون شخصيته دون الاستناد إلى حقيقته في الواقع.
{فَاخْتَلَفَ الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ} في أمر عيسى، هل هو إله متجسد، أو هو ابن الله، أو هو ابن نبي مرسل، أو هو شخص مزيف؟ فلكل واحد مقال يختلف فيه عن الآخر. وهكذا كان منهم المحق، والمبطل، والمؤمن والكافر، {فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وهو يوم القيامة الذي يقف فيه الكافرون موقفاً صعباً أمام الله لأنهم لا يملكون أية حجة في ذلك، بل استسلموا للشبهات والأهواء، وامتنعوا عن التفكير العميق والحوار الرصين.
{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} فقد كانوا في الحياة الدنيا لا يسمعون ولا يبصرون، لأنهم أغلقوا منافذ سمعهم وبصرهم عن العلم النافع الذي يقودهم إلى الحق والهدى، ولكنهم الآن يسمعون كأفضل ما يكون السمع، ويبصرون كأفضل ما يكون البصر، {يَوْمَ يَأْتُونَنَا} فيشاهدون الحقيقة الناصعة دون أن يستطيعوا الهرب منها أو مواجهتها، لأنها تفرض نفسها عليهم من كل جانب، بعيداً عن النوازع الذاتية، أو عن التصورات الخيالية التي تقودهم إلى الانحراف. لقد انتهت فرصة التراجع عن الضلال، لأن الدنيا عمل ولا حساب، والآخرة حساب ولا عمل، فلا شيء ينفع بعد الآن، ولا مجال للانطلاق من جديد إلى الخط المستقيم، ولا للتخلُّص من مسؤولية الضلال ومن نتائجه العملية، وساحاته الجهنمية التي تحتوي الضالين جميعاً في عذاب شديد. {لَـكِنِ الظالمون الْيَوْمَ في ضَلالٍ مُّبِينٍ} وربما أُريد من الضلال العذاب تعبيراً عن الشيء بنتائجه، والله العالم.
* * *
الله المالك للأرض
{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} وعرفهم أهوال يوم القيامة وأوضاعه وطبيعته، وكيف يمكنهم أن يتفادوا نتائجه المذلة المرعبة، بتصحيح مواقفهم، وتحسين أعمالهم في الدنيا، لأنهم إذا لم يأخذوا بالتوبة، وينطلقوا في الاتجاه الصحيح، فسيواجهون الحسرة كل الحسرة والندامة، كل الندامة {إِذْ قُضِيَ الأمر} وانتهى وقت العمل، وأبرم الحكم، {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} عن الالتفات إلى طبيعة المصير الذي ينتظرهم بسبب الضلال، {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بالله الواحد المنزّه عن الشريك وعن الولد. وهكذا، سوف يقفون في موقف الحسرة لأنهم لم يأخذوا بأسباب الهدى والإيمان. وماذا بعد ذلك؟ ومن الذي يأملون أن ينقذهم من عذاب يوم القيامة؟ ومن هو الذي سيبقى لهم من كل هؤلاء الذين يشركونهم بعبادة الله فيطيعونهم ويعصون الله؟ سيموت الجميع، ولن يبقى إلا وجهه، فهو ولي الأمر كله، وهو ولي الحساب كله.
{إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض} فلا مالك لها إلا الله، {وَمَنْ عَلَيْهَا} فهم المملوكون لله في البداية وفي النهاية، {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} فيحاسبكم على ما قدمتم من خير أو شر؛ فاستعدوا لذلك، واحسبوا حسابه، لتعرفوا كيف تواجهون المسألة، وكيف تؤكدون الموقف على أرضٍ صلبةٍ قويةٍ وقاعدةٍ ثابتةٍ.
تفسير القرآن