من الآية 41 الى الآية 50
الآيــات
{وَاذْكُرْ في الْكِتَابِ إبراهيم إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً* إِذْ قَالَ لأبيه يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً* يا أَبَتِ إِنّي قَدْ جاءني مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فاتبعني أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً* يا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشيطان إِنَّ الشيطان كَانَ لِلرَّحْمَـنِ عَصِيّاً* يا أبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَـنِ فَتَكُونَ للشيطان وَلِيّاً* قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلهتي يا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً* قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً* وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيًّا* فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً* وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} (41ـ50).
* * *
معاني المفردات
{صِدِّيقاً}: الصدّيق: صيغة مبالغة من الصدق، أي: كثير التصديق بالحق.
{صِرَاطاً سَوِيّاً}: طريقاً مستقيماً معتدلاً.
{عَصِيّاً}: عاصياً.
{مَلِيّاً}: دهراً طويلاً.
{حَفِيّاً}: برّاً لطيفاً.
{شَقِيًّا}: خائباً في مسعاه.
{لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً}: أي: ثناء حسناً، وذكراً مرتفعاً.
* * *
إبراهيم (ع) .. وأسلوب الدعوة النموذجي
إننا أمام حوار مثير يديره إبراهيم مع أبيه، أو عمه الذي تبنّاه، وقد كان كافراً، كقومه، فقد رأى أن من أولى مهماته في الدعوة إلى الله، أن يبدأ بدعوة أبيه، لأن بقاءه على الكفر يترك نقطة ضعف في موقفه، وقد يخلق له مصاعب داخلية تعطل بعض خطواته، أو تجلب له مشاكل غير منتظرة.
وقد واجه الحوار صعوبة في البداية، لأنه حوار الابن مع أبيه، في مجتمع يعطي للأبّوة قيمةً كبيرةً ترقى إلى درجة التقديس الذي يلزم الأبناء الخضوع المطلق لآبائهم، ولهذا استخدم إبراهيم أسلوباً حذراً، فلم يلجأ إلى أي عنصر من عناصر الإثارة التي تتناول الذات بالتجريح والتبكيت، بل حاول، على العكس من ذلك، أن يشحن أسلوبه في الحوار، بالعاطفة إلى درجة تجعل من يقرأه يتصور أنه في حالةٍ من حالات التوسُّل إلى أبيه تماماً كما هي حالة من يخاطب إنساناً عزيزاً معَّرضاً للسقوط أو للهلاك، ففيها يتحدث الإنسان عادة بكل هلع ومحبة، لإنقاذ من يوده بأي طريق. وبذلك نجد في الحوار الذي تمثله الآيات المتقدمة، بساطة الفكرة ووضوحها، في إطار الجو الحميم الذي يسود الموقف.
فنحن نلاحظ، في أسلوب إبراهيم، أنه حاول تبرير دعوته لأبيه بأنه قد جاءه من العلم ما لم يأته، ولذا، فلا مانع هناك من وجهةٍ اجتماعيةٍ أن يدعو الابن أباه، مع حفظ مقام الأبّوة، كما عبّر عن شعوره العاطفي تجاه ضلال أبيه، وخوفه من أن يمسَّه عذاب الله.
وقد جاء ردّ أبيه، من موقع من يشعر بسلطة الأبوة التي تضغط على الابن ليسير على خطى أبيه، وتهدده بالقوة والطرد والهجران، إن خالف ذلك، فلا حوار ولا كلام بين الابن وأبيه، إنما هو الأمر والطاعة، فللأب أن يعلن رغبته قبل أمره، وللابن أن ينفذ دون تردد أو تفكير.
إنها شريعة المجتمع، آنذاك، التي تجعل من علاقة الأبناء بآبائهم علاقة تشبه علاقة العبودية التي يعيشها العبيد أمام المالكين.
ولم يتراجع إبراهيم عن إثارة الجو العاطفي في إعلان موقفه الرسالي من أبيه بعد أن رفض دعوته، وقد استطاع فيه أن يوفق بين الرسالة والعاطفة، فجعل العاطفة طريقاً إلى رسالته، وشعوراً بالمسؤولية تجاه أبيه، محولاً الموقف إلى موقف إنقاذ، فكان رد فعله أن توجه إلى أبيه بالسلام، ووعد أن يدعو له بالمغفرة، وبأن يوفقه الله تعالى لأسبابها من الهداية إلى الإيمان؛ وأعلن له ولقومه، باعتبار أن أباه يمثل فريق الكفر، بأنه سيعتزلهم وما يعبدون من دون الله، بعد أن قام بواجبه تجاههم.
وقد كان هذا الوعد من إبراهيم لأبيه بالاستغفار ناشئاً عن أمله في أن يتراجع أبوه عن موقفه ويعود إلى الله، وليس ناشئاً على الإطلاق من إحساسه بأن القرابة تمثل امتيازاً يميِّز أباه عن غيره، ولذا أعلن البراءة منه بعد أن يئس من إيمانه، وظهرت عداوته له.
وإننا في هذا المجال، نستطيع الاستفادة من هذا الأسلوب في المواقف التي نحتاج فيها إلى دعوة الأشخاص الذين تربطنا فيهم بعض الروابط العاطفية من نسب أو غيره، لنتعلم من إبراهيم(ع)، كيف نشحن الحوار بالمشاعر التي تسهل المهمة، بما تثيره لديهم من مشاعر تسهل انسجامهم مع الأجواء الحميمة للحوار دون أن يخلق ذلك انجرافاً مع العاطفة لمصلحة الكفر والضلال، لأن الأسلوب العاطفي في هذه الحال لا ينبع من حالة نفسية عفوية، بل يرتكز على تخطيط يعتبر العاطفة جزءاً من الخطة العامة تخضع لما تخضع له تلك الخطة من مرونة ووعي وثبات.
وعلى ضوء هذا، نجد أن من واجبنا إعطاء الأسلوب بعض القوة في حالات أخرى، إذا ما عمل من ندعوهم على استغلال أسلوبنا العاطفي لأغراض في غير صالح الدعوة إلى الله، تماماً كما كان عليه الأسلوب الآخر لإبراهيم، في ما أشرنا إليه، ليظل الأسلوب، في كلتا الحالتين، منسجماً مع خط الحكمة الذي يريد الله للدعوة في سبيله أن تسير عليه.
وقد نشعر، في نهاية هذا العرض، بالحاجة إلى الاستفادة من الأجواء الروحية في بعض حالات الحوار، بين أسلوبٍ يربط المتحاورين بفضل الله ونعمه، وبين أسلوب ينقل الموقف إلى ابتهال خاشعٍ يمارسه الداعية للتأثير النفسي على الآخرين عندما يشغلهم عمّا هم عليه، بروعة المناجاة، وخشوع الابتهال.
هذه بعض الأفكار العامة حول هذه الآيات، ولا بد لنا من الدخول في التفاصيل التفسيرية لمفرداتها.
* * *
إبراهيم(ع) يباشر الدعوة إلى الله
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراَهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} قد يكون من الضروري للنبي، أو للداعية بشكل عام، أن يستحضر في وعيه ملامح الشخصيات الرسالية التي تمثل النموذج الأكمل لحركة الإنسان الرسالي في الدعوة، ليدرس أساليبها، ويستلهم روحيتها، وينتفع بتجربتها.. ومن أبرز هؤلاء إبراهيم ـ النبي ـ وهو النبي الصديق الذي كانت حياته صدقاً كلها، مع نفسه ومع ربه ومع الناس من حوله، فلم يجامل أحداً في الحق، ولم يهادن قريباً أو بعيداً في مستلزمات الرسالة، ولم يترك في حياته فراغاً لغيرها، بل كانت الرسالة كل فكره وهمه، وكل حياته.. فقد كانت تجربته غنيةً بالتنوع الذي يحكم جوانبها، كما كانت روحيته، في علاقته بالله وفي إخلاصه للرسالة، في المستوى الأعلى من روحية الأنبياء والصديقين، وقد يكون من بين تجاربه الرائعة التي تعكس عمقه الروحي تجربته مع أبيه.
{إِذْ قَالَ لأبيه يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} فقد رأى أباه يعبد الأصنام التي يعبدها قومه، وهو بذلك خاضع كغيره لعادة السير على خطى الآباء والأجداد وتقليدهم في السلوك. والسبب غياب الوعي الفكري، الذي يكفل عدم صدور أي عمل عن الإنسان إلا بعد دراسة طبيعته وخلفياته ونتائجه، ومدى انسجامه مع الجانب الخير من الحياة مع موقع الحق في الفكر. وتبقى للعادة حرمتها وقداستها ويعمل الجميع على تبريرها بأن يفرضوا لها أسراراً عميقة غامضة في قدراتها الذاتية في الخير والشر.
وهكذا أراد إبراهيم أن يثير التساؤل في تفكير أبيه، وذلك بأن يطرح عليه الجانب اللامعقول في هذه العبادة بطريقةٍ بسيطةٍ لا تكلَّف الإنسان بذل أيّ جهد في التفكير من أجل اكتشاف انحرافها عقيدياً. فحاول أن يهز جمود الموقف عنده، بطريقة الصدمة وأسلوب الإثارة، فهاجم هذه المقدسات الصنمية بعنف. فكيف يمكن له وهو العاقل الواعي الكبير في سنه، أن يعبد هذه الحجارة التي لا تسمعه ـ إذا خاطبها الإنسان بحاجة أو سؤال أو خضوعٍ وابتهال ـ، ولا تبصره إذا وقف أمامها في وقفة عبادة، لأنها لا تملك أي حس يوحي بالتأثر والانفعال في ما يقوم به الآخرون تجاهها؟! فكيف يمكن أن تكون آلهة، وإحساسها غائب غياباً كلياً عن الإنسان والكون والحياة؟ ثم ما الذي تملكه من قوةٍ وقدرةٍ على التأثير بما حولها ومن حولها؟ إنها اللاشيء في عالم المعقول، أو في عالم الحركة، فكيف تستجيب لدعوات الناس الذين يعبدونها، وكيف تدفع عنهم الضرر أو تجلب لهم النفع، أو ترفع ضغط الواقع عنهم؟ وما فائدة عبادتهم لها، وما قيمتها على مستوى الوجود كي تعبد؟
إنها اللاّفائدة، واللاّمعقول، واللاّإحساس بأي شيء في الحياة.
* * *
إبراهيم(ع) يعظ أباه
{يا أبت إِنِّي قَدْ جاءني مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} فقد عشت تجربة الفكر التي أعطتني المعرفة التأملية، وقد عشت تجربة الواقع، فمنحتني الثقافة العملية، وقد ألهمني الله من وحيه الكثير من تفاصيل العقيدة والشريعة، والمنهج العملي في الحياة، واستطعت من خلال ذلك كله أن أحصل على المعرفة الواسعة التي تتيح لي هداية الناس ودعوتهم إلى الله. والمسألة هنا ليست مسألة أبٍ أو ابنٍ، بل هي مسألة جاهلٍ وعالمٍ. وليست قصة عمرٍ كبيرٍ، أو عمرٍ صغيرٍ، لأن أهمية العمر هي في ما يختزن من تجربة، لا في ما يستهلك من لحظات زمنية. فإذا كان العمر خالياً من تجربة الفكر وتجربة الواقع، فإنه لا يمثل امتداداً في قيمة الزمن في حساب العلم. وهكذا فقد جاءني من العلم ما لم يأتك {فاتبعني أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} يقودك إلى الإيمان بالله والعمل بما يرضيه، والانفتاح على الآفاق الحلوة في الحياة، والوصول إلى جنته ورضوانه..، وذلك هو سبيل السعادة في الدنيا والآخرة.
{يا أبت لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} في ما تمثله العبادة من الطاعة له بما يوسوس للإنسان من وساوس الشر، وما يزينه له من أفعال الجريمة، ومن الابتعاد عن الله وعن خطّه المستقيم، إلى غير ذلك مما يجلب لك الشقاء في الدنيا والآخرة، فابتعد عنه، واقترب من ساحة الله، في خط عبادته {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـنِ عَصِيّاً} فقد عصى الله في البداية، عندما أمره بالسجود لآدم، وما زال مقيماً على معصيته، وداعياً الآخرين إليها ليقودهم إلى عذاب السعير.
{يا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَانِ} بسبب طاعتك للشيطان وعصيانك لله، {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} يتولى أمرك لأنك تتولّى مواقفه ومواقعه، ومن كان الشيطان مولاه فإنه سائر إلى الهلاك، ومن كان الرحمن مولاه فإنه سائر إلى الخير والنجاح والفلاح.
{قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبراهيم} كيف تتجرأ على الانفصال عن خط أبيك فتتركه، وتترك مقدساته، وترغب عن آلهته؟ وما هذا اللغو الذي تتحدث به، وكيف تجرؤ على أن تتخذ لنفسك صفة الواعظ المرشد الموجّه لأبيك؟ متى كان الصغار يعلّمون الكبار، أو يناقشونهم في أقوالهم أو أفعالهم؟ هل تريد أن أناقشك في كلامك، أو أستمع إليك؟ أصحيح أنك تفكر بهذه الطريقة؟ ردّي الوحيد عليك هو أنك {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ} عن هذا السلوك، وعن هذا الكلام {لأَرْجُمَنَّكَ} وهذا يعني تهديده بالقتل رمياً بالحجارة، {وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً} وابتعد عني وقتاً طويلاً فلا أراك ولا تراني، لأني بريء منك، براءتي من عقيدتك وسلوكك.
وهكذا رأينا أن أبا إبراهيم لجأ إلى أسلوب الكافرين التقليدي نفسه الذي لا يجد الكافر فيه ما يقوله دفاعاً عن موقفه، لأن عقيدته لا تنطلق من موقع فكر وقناعة، فيلجأ عندئذ إلى التهديد والوعيد، ليغطي بذلك ضعفه أمام الكلمة الواعية المسؤولة. {قَالَ سَلامٌ عَلَيْك} فلن أستخدم الأسلوب الذي استخدمته معي، ولن أهددك كما هددتني، فإذا كنت قد أعلنت الحرب عليّ، فإني أرد عليك بالسلام الذي يعيشه المؤمن تجاه الآخرين، فيعفو عنهم ويصفح إذا أساؤوا إليه، وأجرموا في حقه، ليدفع السيئة بالحسنة، ويفسح لهم المجال للتراجع عن موقفهم السيىء، ولو بعد حين.
{سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبّي} فلعله يستجيب لي فيفتح قلبك على الإيمان، ويهديك سواء السبيل، فإن لم أستطع أن أصل إلى هدايتك بطريقتي الخاصة، فإني أطمع أن تهتدي بلطف الله وعنايته، فسأدعوه وأبتهل إليه {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} فلا بد أن يسمع دعائي، وهو الذي يعرف صلاح الأمر كله، ولا أزال أطمع في أن تكون لك فرصة للخير في حياتك.
{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} لأن دعوتي إلى الخير منطلقةٌ من الله، أما دعوتكم فهي إلى الشر القادم من الشيطان، ولن يلتقي الباحثون عن الخير بالباحثين عن الشر في نقطة من الطريق، لأن طريق كل منهما يختلف عن الآخر، كما أن مجتمع كل منهما يختلف عن مجتمع الآخر. ولذلك فإني سأبتعد عنكم، كما تريدون، وكما يفرض عليّ الموقف والموقع، {وَأَدْعُو رَبِّي} وأرجع إليه، وأرجو رحمته ورضاه، {عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيًّا} لأنه يشمل عباده برحمته، فيستجيب لهم إذا دعوه، ويلبيهم إذا نادوه، ويقبل عليهم إذا ناجوه، لأنه الرب الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه، فلا يحجب رحمته عن السائرين إليه، الراجين رضاه.
{فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} وأعطى من نفسه المثل الحي والنموذج الأكمل الذي يرفض كل مشاعر القرابة في مقابل مواقف الإيمان، لأن علاقته بالله تعلو فوق كل علاقة، كما أن رضا الله يسبق رضا كل من يتصل بهم من الناس. وهكذا ابتعد عنهم واعتزلهم، فلما أكد الإخلاص في الموقف، {وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً} وجعلنا النبوة في ذريته، وامتدت الرسالة في حياتهم، وارتفعت درجاتهم في مواقعها ومواقفها، لأنهم أخلصوا لله، {وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} في ما يعبر ذلك من الثناء الجميل والذكر الحسن، جزاء لهم على إيمانهم، وجهادهم وإخلاصهم لله؛ وهكذا يكون جزاء العاملين في سبيل الله الداعين إليه، المنفتحين على رسالته ورضاه.
تفسير القرآن