من الآية 51 الى الآية 57
الآيــات
{وَاذْكُرْ في الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً* وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأيمن وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً* وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رحمتنا أَخَاهُ هارون نَبِيّاً* وَاذْكُرْ في الْكِتَابِ إسماعيل إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً* وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً* وَاذْكُرْ في الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً* وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} (51ـ57).
* * *
معاني المفردات
{وَقَرَّبْنَاهُ}: رفعناه.
{نَجِيّاً}: النجيّ: المناجي، وقد يكون بمعنى الارتفاع، على تقدير: وقربناه مكاناً رفيعاً.
* * *
رسل الله في إخلاصهم وجهادهم
ويمر القرآن في هذه الآيات على مجموعة من الأنبياء بطريقة سريعة، تعطي لمحةً خاطفةً عن صفة روحيةٍ، أو أخلاقية أو رساليّةٍ في حياتهم الخاصة والعامة، من أجل أن نتمثلهم في درجاتهم العليا، في مستوى القدوة الصالحة للبشرية الآتية من بعدهم، الباحثة عن النموذج الأفضل الذي يوحي بميلاد عصر جديد على مستوى الرسالة والحركة والإنسان.
{وَاذْكُرْ في الْكِتَابِ مُوسَى} هذا النبي العظيم الذي عاش تحدّياً كبيراً في رسالته أمام فرعون، وتعرض لأكثر من حالة اضطهاد مع المستضعفين ولم يتراجع، ولم يهن، بل بقي مثابراً على دعوته ومهمته حتى استطاع أن يهزم الطاغية في نهاية المطاف.. وبذلك يكون تذكّره حافزاً للعاملين على المزيد من الاندفاع في الدعوة، والثبات في مواقع الرسالة، {إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً} أخلصه الله لنفسه فلم يكن فيه شيء لغيره، لا في نفسه ولا في عمله، تتمثل فيه العبودية الخالصة لله في أعلى الدرجات وأرفع المستويات، {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} حمّله الله الرسالة في خط الدعوة، ورزقه النبوة في حركة الوحي.
{وَنادَيْناهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأيمن} في أول لقاء له بالوحي المنطلق من الله، في ذلك الجبل الذي كلمه الله فيه، في الجانب الأيمن منه، {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} وناجاه فيه كأسلوب من أساليب الإيحاء بالقرب المعنوي من الله.
وقد تميَّز عن الأنبياء بأن قرن الله به هارون أخاه في موقف النبوة، {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رحمتنا} التي أردنا بها أن نقوي موقعه ونشد أزره، فأرسلنا معه {أَخَاهُ هارون نَبِيّاً} بعد أن سأل ربه أن يجعله وزيراً له، وأن يشركه في أمره، ليقوي به موقفه الثابت ويبعده عن مواقع الاهتزاز أمام نقاط الضعف العملي على أكثر من صعيد.
* * *
إسماعيل الصادق الوعد
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ} وهذا نبي آخر، قد لا يرقى إلى مستوى موسى(ع)، ولكنه يتميز بإيمان قوي ثابت، وخلق عظيم؛ ومن مظاهر ذلك {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} مهما كلّفه الالتزام بالكلمة من جهد حتى في أشد المواقع صعوبة. وقد جاء في بعض الأحاديث المأثورة، أنه وعد رجلاً فانتظره حولاً تعبيراً عن الالتزام الصادق بالكلمة التي ألزم نفسه بها أمام الآخرين الذين وعدهم بالوفاء، فكانت الكلمة دستوراً يحكم حياته، لأن الإيمان موقف، والكلمة موقف..
{وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} فكان من المفروض أن يدعو الناس بعمله قبل أن يدعوهم بلسانه، لأن ذلك أعمق أساليب الدعوة، {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاة } ليربطهم بالجانب الروحي، حيث يتمثل حضور الإنسان الفكري والشعوري والعبادي أمام الله عبر الصلاة، وبالجانب المادي عبر المسؤولية المادية تجاه الآخرين من المحرومين، في النطاق الذي ينفتح فيه الإنسان على الله ليعيش عبادة العطاء، كما يعيش عبادة الصلاة. {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} من خلال إيمانه الكبير وعمله الصالح، وجهاده القوي بين يدي الله.
* * *
إدريس الصديق
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً} وهناك أكثر من قصة عن هذا النبي وعن قومه، وعن تفاصيل الحوادث التي وقعت بينه وبينهم، وعن المرحلة التاريخية التي كان فيها، ونذكر أنها كانت بين الفترة التي عاش فيها آدم والفترة التي عاش فيها نوح. ولكن ذلك كله لا يرجع إلى حجة أو يقين، ويحتمل أن تكون قد اختلطت ببعض الإسرائيليات التي استخدمت الخيال في وضع قصص تؤكد مفاهيمها، مستغلة ما أجمله القرآن من فضول حاولت أن تفصله بطريقتها الخاصة.
وإننا نرى أن ذلك كله حديث لا أساس له، ولا فائدة منه، في سياق ما يريد القرآن أن يتحدث عنه من أخبار أنبياء الله، فقد فصّل الحديث عن بعضهم لوجود أكثر من قضية مهمة في تفاصيل حياتهم يحتاج الناس لمعرفتها للدرس والعبرة والتأمل... وربما كرر الحديث عن بعض المسائل في أكثر من موقع لعلاقتها بأكثر من هدف... بينما أجمل الحديث عن بعضهم الآخر، لأن الواحد منهم يمثل من ناحية المبدأ شيئاً مميزاً في خصوصيته، بعيداً عن مسألة النبوة، كما هي الحال في حديثه عن إدريس الذي اكتفى بوصفه صدِّيقاً نبياً، فلنجمل ما أجمله القرآن من أمره، كي لا نقع في قبضة الخيال القصصي الذي تتحرك فيه الروايات الموضوعة التي لا ترتكز على أساس من علم أو حجة، ولنكتف بمعرفة أنه كان في الدرجة العليا من كرامة الله في إيمانه وعمله وإخلاصه لربه، على ما جاءت به الآية الكريمة: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} لأن الله لا يرفع أي شخص إلى المكانة الكبيرة من محبته إلا بواسطة ملكاته الذاتية، ومواقفه العملية.
تفسير القرآن