تفسير القرآن
مريم / من الآية 64 إلى الآية 65

 من الآية 64 الى الآية 65

الآيتـان

{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً* رَّبُّ السَّمَـوَاتِ والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} (64ـ65).

* * *

معاني المفردات

{نَسِيّاً}: النّسي: فعول من النسيان.

{سَمِيّاً}: السّميّ: الشبيه، والمثيل.

* * *

الوجود والقدرة من الله

... وينطلق الوحي في حياة الأنبياء الذين حملوا الرسالة، وفي حياة الناس الذين اهتدوا بها والتزموا بمفاهيمها وأحكامها. ويندمج الناس مع أجواء الوحي في أفكاره ومناهجه، ومع خطوات النبيين في دعوتهم وجهادهم. وربما تأخر الوحي عن النبي(ص) أحياناً فيشقّ ذلك عليه فيستبطئه، ولكنه يأتيه ويخبره بأن الملائكة لا تتنزل إلا تنفيذاً لأمر ربها، فإذا أمرهم بالنزول نزلوا، وإذا لم يأمرهم به وقفوا وانتظروا خاشعين، {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء:27].

{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} فنحن رسل الله إليك، لتكون رسول الله إلى الناس، فلا تشعر بالإحباط والقلق إذا تأخرنا عنك، ولا تحملنا مسؤولية ذلك لأننا نتنـزل بأمر الله في الوقت الذي يعيّنه، وفي المكان الذي يحدّده، فهو يملك ما لا نملكه من أنفسنا، ويحيط بكل وجودنا من جميع جهاته، {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} مما نقدمه من أعمال، أو مما يحيط بنا من أوضاع، {وَمَا خَلْفَنَا} مما يتصل بسر الوجود وحركته في الماضي، {وَمَا بَيْنَ ذلِكَ} فليس هناك فراغ في حياتنا في المكان أو في الزمان أو في الأفعال، أو في خصائص الوجود، ليملأه غيره، لأنه يملك كل شيء ويحيط بكل شيء ويهيمن على الوجود كله، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} فلا يغفل عن تدبير شيء من خلقه، ولا يُهمل شيئاً من أمورهم، ما يفرض على مخلوقاته التسليم المطلق له، والخضوع الشامل لإرادته، لأنه يعلم من دقائق حياتهم وأسرار وجودهم، ما لا يعلمونه من أنفسهم، فليتركوا الأمر إليه، وليعتمدوا عليه في ذلك كله.

{رَّبُّ السَّمَـواَتِ وَالأرْضِ} الذي خلقها وخلق كل شيء فيها، فهو المهيمن عليها بعلمه وقدرته، {وَمَا بَيْنَهُمَا} من المخلوقات التي تتحرك بإرادته، لا شريك له في ذلك، وهو المستحق للعبادة، لأن كل من عداه فهو مخلوق له، فكيف يكون معبوداً من دونه، {فَاعْبُدْه} في كل ما أمرك به ونهاك عنه، واخشع له في نبضات قلبك، وهمسات روحك، واهتزازات مشاعرك، وابتهالات شفتيك، وانقياد أعضائك، وانسحاق إرادتك أمام إرادته، {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِه} في ما يفرضه عليك الإخلاص لها والاستمرار عليها من معاناة للحرمان، وتحمّلٍ للجهد، ومجابهةٍ للتحديات، فإن توحيد الله في العبادة يضع الإنسان في قلب المواجهة مع قوى الشرك في ما تمارسه عليه من ضغوط نفسية وجسدية، وحصار مادي معنوي، ما يجعل للصبر معنى يتصل بالثبات والاتزان والاستقامة على الخط أمام عوامل الاهتزاز والانحراف... وهذا ما يحقق للإنسان وجوده الروحي أمام الله رب السماوات والأرض الذي لا رب غيره، فابحث في كل زاوية من زوايا السماوات والأرض وفيما بينهن، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} في ما يعنيه الاسم المعبَّر عن القدرة المطلقة التي يرجع إليها الخلق، والأمر كله، فإنك مهما بحثت، فلن تجد إلا قدرةً محدودةً مستمدةً من قدرته، أو وجوداً مستمداً من وجوده، فكيف يعادله شيءٌ من خلقه..

إن السؤال لا يطرح المسألة من موقع الحاجة إلى المعرفة في حركة علامات الاستفهام، بل يطرحه من موقع الإنكار الحازم للفكرة في نطاق النفي المطلق لكل مواقعها.