تفسير القرآن
مريم / من الآية 66 إلى الآية 72

 من الآية 66 الى الآية 72

الآيــات

{وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً* أَوَلاَ يَذْكُرُ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً* فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً* ثُمَّ لَنَنـزعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَـنِ عِتِيّاً* ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً* وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً} (66ـ72).

* * *

معاني المفردات

{جِثِيّاً}: الجثي: جمع الجاثي: الذي برك على ركبتيه.

{شِيعَةٍ}: الشيعة: الجماعة المتعاونون على أمر واحد.

{عِتِيّاً}: العتيّ: مصدر على وزن فعول بمعنى: التكبر والتمرد في العصيان.

{صِلِيّاً}: صَلَى النار يصلاها صَلىً وصِلِياً: إذا قاسى حرّها.

{وَّنَذَرُ}: نترك.

* * *

الإنسان أمام فكرة البعث..

وهذا حديث حول فكرة البعث التي يستبعدها الذهن البشري، لأنها تتصل بغير المألوف في قناعاته الفكرية، {وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} وهل يتحول الجماد إلى حياة؟ نعم، إذ لو قارن الإنسان بين بداية الخلق ونهايته، وكيف وُجِدَ، {أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} فإن هذا التذكر يفتح أمامه حركة الفكر في الاتجاه السليم. فإذا كان الله يمنح الوجود للأشياء من قلب العدم، فكيف لا يستطيع أن يعيده إليها بعد الموت؟ وذلك هو الفرق بين الإنسان الذي يفكر في القضايا في ملامحها السطحية، وبين الإنسان الذي يفكر في العمق الكامن في خلفياتها الداخلية، وملامحها الإيحائية.

* * *

الكافرون يحشرون مع الشياطين

{فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياَطِينَ} لأنهم كانوا يعيشون الولاية لهم، باتباعهم لأوامرهم، والعمل بما يريدون، وجاء يوم القيامة ليواجهوا الموقف على أساس وحدة مصير التابعين والمتبوعين، {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً} في جلسة ذليلة وهم باركون على الرُّكَب. وربما يفسر الجثو بمعنى المجتمع من التراب والحجارة، ليكون ذلك كناية عن إحضارهم زمراً وجماعات متراكماً بعضهم فوق بعض، كما ورد عن ابن عباس. {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ} ممن يتعاونون على أمر واحد، أو ينطلقون في عقيدة واحدة {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَـنِ عِتِيّاً} فنأخذ الأكثر تمرداً وعصياناً لله، ليتميز الأكثر مسؤولية في عالم الكفر والضلال من الأضعف في ذلك. وربما كان ذكر الله بصفة «الرحمن» للإشارة إلى خطورة تمردهم وبشاعته، لأنهم قابلوا رحمة الله الذي أفاض عليهم من رحمتهٍ كل خير وأبعد عنهم كل شر، بالكفر والعصيان، ما يجعل الجريمة مضاعفة في مدلولاتها الإنسانية. {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً} أي مقاساة ومعاناة لحرها، لأننا نعلم خفايا أعمالهم، وطبيعة إيمانهم ما يجعل موقع كل واحد منهم في ما يستحقه من العذاب، أو في درجاته، معروفاً لدينا من دون شكٍ ولا شبهةٍ.

* * *

هل الناس جميعا سيردون النار

{وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} الظاهر من الحصر في هذه الآية، أن الناس جميعاً سَيَرِدُونَ النار، ولكن اختلف المفسرون في معنى الورود، هل هو الدخول، أو هو المرور، أو هو الحضور والإشراف عليها؟ وقد حاول كل فريق أن يؤيد كلامه ببعض الآيات القرآنية التي وردت فيها هذه الكلمة، أو ببعض الروايات التي اختلفت في مفادها. وقد اعتبر البعض أنه لا وجه لدخول الطائعين النار، ولذلك حاول أن يوجه المسألة تجاه كونها برداً وسلاماً على المؤمنين، وتطهيراً للعصاة من ذنوبهم.

ولكن من الممكن أن يكون دخول النار غير ملازم للدخول في العذاب، لأن النار لا تشمل كل مواقع العذاب، ولهذا نجد أن خزنة النار موجودون فيها، ولكنهم لا يصلون نارها، ولا يذوقون عذابها. أما السبب في دخولهم إليها أو حضورهم فيها، فقد يجلوه ما ذكره صاحب مجمع البيان، حيث قال: «وقيل أن الفائدة في ذلك ما روي في بعض الأخبار أن الله تعالى لا يُدْخِلُ أحداً الجنة حتى يطلعه على النار وما فيها من العذاب، ليعلم تمام فضل الله عليه وكمال لطفه وإحسانه إليه، فيزداد لذلك فرحاً وسروراً بالجنة ونعيمها. ولا يَدْخُلُ أحدٌ النار حتى يطلعه على الجنة وما فيها من أنواع النعيم والثواب، ليكون ذلك زيادة عقوبة له على ما فاته من الجنة ونعيمها»[1].

وربما يحتمل أن تكون هذه الآية مع الآية الأخرى بمثابة المستثنى والمستثنى منه، فيطرح الحكم في الجملة الأولى على أساس عام، ثم تأتي الجملة الثانية لتخرج المتقين من العموم، وبذلك يكون الحكم في طبيعته الواقعية مختصاً بغيرهم. ولا بأس بهذا الاحتمال، لولا بعض الإشكال في طريقة استفادته من الآية الثانية {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ}، حيث أن الظاهر منها هو إخراج المتقين من النار بعد دخولهم فيها، ويبقى الظالمون فيها {وَّنَذَرُ الظَّالمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}. ولكن من الممكن أن يكون الإنجاء من حيث عدم إدخالهم فيها، لا إخراجهم منها بعد دخولهم فيها، وهذا تعبير شائع، أن يقول قائل بأني نجيت فلاناً من الهلاك إذا أبعدته عن مواقعه ومنعته من الدخول فيها. والله العالم.

ــــــــــــــــــــ

(1) الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان، في تفسير القرآن، مؤسسة التاريخ العربي، ط:1، 1412هـ ـ 1992م، ج:6، ص:679.