تفسير القرآن
مريم / من الآية 73 إلى الآية 80

 من الآية 73 الى الآية 80

الآيــات

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آياتُنَا بِيِّناتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً* وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئياً* قُلْ مَن كَانَ فِي الضّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَـنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً* وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَواْ هُدًى وَالْباِّقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً* أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً* أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـنِ عَهْداً* كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً* وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً} (73ـ80).

* * *

معاني المفردات

{نَدِيّاً}: النديّ والنادي: المجلس.

{وَرِئياً}: الرِّئي: المنظر والهيئة.

{وَالْبَاِّقِياَتُ الصَّالِحَاتُ}: الأعمال الصالحة.

{مَّرَدّاً}: المردّ: المرجع والعاقبة.

{مَدّاً}: المدّ: الإمهال.

* * *

حديث الكافرين.. وجدالهم الباطل..

وهذا منطقٌ جديدٌ للكافرين في مواجهة المؤمنين، للإيحاء لهم بأن الإيمان لا يحقق للمؤمنين أية إيجابيات على مستوى السعادة في الحياة الدنيا، بينما يعيش الكافرون الحياة الرغيدة الحلوة التي تجعل لهم المواقع المتقدمة في حركة الحياة وقيادتها، ما يعني أن المسألة لا تحتمل الجدل ما دامت التجربة الحية هي المقياس الصحيح لسلامة أيّ خط فكريّ وعمليّ في الحياة، وذلك من خلال الفكرة التي تؤكد على أن الهدف الأساس من الاتجاهات التي يتبناها الإنسان هو تحقيق السعادة في الحياة، والوصول إلى الدرجات العليا في تأكيد ذاته ووجوده المتحرك في الكون. وقد ينفعل الكثيرون بهذا المنطق، فيسقطون أمامه، ويتحركون في تحديد هوية الانتماء الفكري والعملي، ولكن للقرآن منطقاً آخر يهزم هذا المنطق بطريقة أخرى، فلنتابع المسألة مع هذه الآيات.

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بِيِّناتٍ} لتدفعهم إلى التفكير والتأمل والحوار، ولتفتح قلوبهم على آيات الله في الكون، لتقودهم إلى الإيمان بالله من موقع اليقين. ولكنهم لا يريدون أن يفتحوا عيونهم على عجائب خلق الله، أو يحركوا عقولهم في أسرار قدرته، أو يصغوا بأسماعهم إلى آياته المنزلة، أو ينطلقوا مع المؤمنين في الحوار الجاد..، بل يريدون أن يعيشوا اللهو والعبث واللامبالاة، ويستريحوا إلى رخاء الحياة من حولهم، ويدفعوا المؤمنين إلى الاستغراق في مباهجها ولذاتها...، فإذا جاءتهم آيات الله {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً} بما يمثله ذلك من سعة، وراحة، ورخاء، وجاه، ومال، وبنين، وصحة، وعافية، {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} بما يمثله ذلك من سكن، وموقع، ومجتمع يتميز بدرجاته العليا، وامتيازاته الرفيعة.

إنهم يتساءلون بهذه الطريقة ليتطلع المؤمنون إلى ما حولهم، ليقارنوا بين مجتمع المؤمنين في بؤسه، وضعفه، وجهده، ومشاكله، وضيقه، وبين مجتمع الكافرين في سعادته الفائضة بالسرور، وفي قوته، وراحته، وسعته، ورخاء العيش فيه، فيتبدى لهم أن الإيمان لا يطعم أصحابه خبزاً، ولا يحقق لهم سعادة في الحياة الدنيا، ليعرفوا أن الحق في جانب الكافرين لا في جانبهم. ولكن الله يريد للإنسان أن ينفذ إلى عمق الأمور بعيداً عن سطحها، وإلى نهاياتها من دون الاقتصار على بداياتها. وهكذا أراد له أن يلتفت إلى أن الدنيا ليست نهاية المطاف في وجوده، فهناك آخرة تحمل في ساحاتها النتائج الحاسمة لعمله في الدنيا في ما يلتزمه من خطوط الخير والشر، والحق والباطل... فهناك عالم السعادة الذي يمثل العمق في حركة السعادة في وجوده، وهناك عالم الشقاء الحقيقي الذي لا سعادة معه. وبذلك لا تكون القيمة هي في ما يحصل عليه الإنسان في الدنيا لأنها ستزول عنه، وتزول معها كل مظاهر السعادة فيها.

* * *

مصير الضالين المضلين

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} وهم الجماعات المقترنون في زمن واحد، {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً} في ما يمثله ذلك من متاع، {وَرِئياً} في ما يمثله من حسن المنظر مما أوتيه الإنسان من جمال الحياة الدنيا. فأين ذلك كله؟ وأين أولئك الذين كانوا يعيشون متاعه وجماله؟! {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ} باختياره لنفسه الطريق الفكري والعملي الذي لا يتحرك في خط الهدى، بل يعيش أجواء الضياع، {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَـنُ مَدّاً} في ما اقتضته حكمته من إعطائه الفرص الكثيرة التي تتيح له أن يأخذ بكل أسباب الراحة والرخاء في العيش والحياة، مما يمكنه من الامتداد في الضلال على أساس إرادته المنحرفة التي اختارت خط الضلالة في الوقت الذي كان باستطاعته الأخذ بأسباب الهدى المتوفرة لديه، فقد أقام عليه الحجة، وهداه إلى الاختيار الحر في أمره، {حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} مما ينتظرهم، {إِمَّا العَذَابَ} في الدنيا، {وَإِمَّا السَّاعَةَ} في يوم القيامة، {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً} في ما يقبلون عليه من مواقع العذاب في النار، {وَأَضْعَفُ جُنداً} في ما يجدونه من حولهم من جماعاتهم التي كانت على طريقتهم في الدنيا، ممن لا يستطيعون نصرهم ولا نصر أنفسهم، عندما يواجهون الساعة الحاسمة من عذاب الآخرة. ولكن، ما فائدة ذلك العلم بالنسبة إليهم، طالما أن الوقت لا يسمح لهم بالتصحيح ولا بالتراجع؟!

* * *

الباقيات الصالحات

{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَواْ هُدًى} في ما يتطلعون عليه من آيات الله ونعمه ورضوانه في الآخرة، في جنان الخلد، مما يفتح آفاقهم على عوالم جديدة لا عهد لهم بها من قبل، فيزيدهم ذلك معرفة بالله، واكتشافاً لآفاق الهدى في الفكر والانتماء، {وَالْبّاِقِياتُ الصَّالِحاتُ} من أعمالهم الخيرة التي عملوها في الدنيا، فكتب الله لهم الأجر العظيم عليها في الآخرة، {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} من كل ما حصلوا أو ما كانوا يرغبون الحصول عليه في الدنيا، {وَخَيْرٌ مَّرَدّاً } في ما يرجعون إليه من دار الخلود وهي الجنة. وهذا هو المقياس للسعادة في نتائج الأعمال في الدنيا، الذي يجب أن يأخذ به الناس في ما يأخذونه وفي ما يدعونه من أمور الانتماء والعمل في الحياة الدنيا.

* * *

منطق الكافرين

{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} وهذا هو النموذج الواقعي للإنسان الذي أخذ بهذا المنطق الكافر واستسلم له، واعتبر أن النتائج التي يترقّبها في الدنيا ستحصل لديه عاجلاً أو آجلاً، ولهذا أكّد حصوله على المال والولد في ما يستقبل من حياته.

وقد ورد في بعض التفاسير، أن هذا الرجل هو العاص بن وائل بن هشام القرشي ثم السهمي، وكان أحد المستهزئين، وكان لخباب بن الأرتّ عليه حق فأتاه يتقاضاه، فقال له العاص: «أولستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضةً وحريراً؟ قال خباب: بلى، قال: فأخرني حتى أقضيك في الجنة ـ استهزاءً ـ فوالله لئن كان ما تقول حقا، إني لأفضل فيها نصيباً منك.

ولكن الظاهر أن الآية تتحدث عن كلام الرجل الكافر، بصيغة الجزم الذي لا يتناسب مع كفره باليوم الآخر، ما يوحي بأن المسألة تتصل بحصوله على ما يريده في الدنيا، جرياً على المنطق الذي يربط بين الكفر والحصول على النتائج الإيجابية. وحديث العاص الذي نقله بعض المفسرين لا يتناسب مع مطالبة الرجل بحقه، كما لا يتناسب مع الآية التي تتحدث عن رغبة ذاتيةٍ بعيدة عن مطالب الآخرين عنده.

{أَطَّلَعَ الْغَيْبَ} في ما يأتي به المستقبل، {أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـنِ عَهْداً} في ما يمكن أن يعتمد عليه من عهد عند الله، ليطمئن إليه في الحصول على ما يريد؟ {كَلاَّ} فليس لديه علم الغيب، ولا يملك عند الله عهداً، {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} من كلامه المتضمن للكفر، ومن منطقه الذي يرتكز عليه في آماله، {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً} في ما يستحقه منه فيعطيه الله ذلك تباعاً لا انقطاع له.

{وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} فهو الذي يبقى له من دنياه، ويغني ماله وولده ويتركه خلفه، {وَيَأْتِينَا فَرْداً} ليس معه شيء مما كان يزهو به أو ينتصر به. وينهزم المنطق الكافر الذي كان يرى في الكفر خط السعادة، بينما يرى في الإيمان خط الشقاء، ليرى الآن، أن العاقبة كلها والخير كله للإيمان في الدنيا والآخرة.