من الآية 81 الى الآية 96
الآيــات
{وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً* كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً* أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً* فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً* يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَـنِ وَفْداً* وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً* لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـنِ عَهْداً* وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَـنُ وَلَداً* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً* تَكَادُ السَّمَـوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً* أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـنِ وَلَداً* وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً* إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَـواَتِ وَالأرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَـنِ عَبْداً* لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً* وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَـنُ وُدّاً} (81ـ96).
* * *
معاني المفردات
{ضِدّاً}: أعداءً.
{تَؤُزُّهُمْ}: تزعجهم.
{وَفْداً}: جمع وافد، وهو القادم.
{وَنَسُوقُ}: السوق: الحثّ على السير.
{إِدّاً}: الإدّ: الأمر العظيم المنكر الفظيع.
{يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ}: التفطّر: الانشقاق.
{وَتَخِرُّ الْجِبَالُ}: تسقط.
{هَدّاً}: الهدّ: الهدم.
{وُدّاً}: الودّ والمودة: المحبة.
* * *
واتخذوا من دون الله آلهة.. فماذا كانت النتيجة؟
.. وتستمر آيات السورة في الحديث عن خلفيات الشرك في ذهنية هؤلاء المشركين، وعن تفكيرهم المتخلّف المنحرف في تصورهم للذات الإلهية، لتعالج ذلك كله بالطريقة القرآنية التي تفضح هذه الذهنية وتتحدث عن النتائج السلبية العملية في الدنيا والآخرة، في ذلك كله.
{وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً} تلك هي خلفية الشرك لدى هؤلاء الناس، فهم يشعرون بالضعف الذي يسيطر عليهم في كثير من جوانب الحياة، ويبحثون عن أساس للقوة والحماية، فيلجأون إلى الملائكة، والجن، والقديسين من البشر، والطغاة من الملوك والرؤساء، ويتخيلون لهم خصائص مقدسة تمنحهم إمكانات عجائبية تنقذهم من الأشباح المخيفة والأحداث المرعبة، والأمراض المهلكة، والأوضاع الصعبة ونحو ذلك... وتبدأ عملية العبادة بالأساليب المتنوعة في تقديم القرابين وأداء طقوس الطاعة التي ينفّذون بها كل أوامرهم وتبعدهم عن نواهيهم، ويتعاظم الخيال المقدس في أفكارهم ومشاعرهم، فيتصورونهم في مواقع الآلهة، ويتحولون في وعيهم إلى شركاء لله بدرجات متفاوتة.
وربما يفكر البعض من هؤلاء المتألِّهين، أنهم الأقرب إلى الله، من خلال ذلك، وهكذا هم يستطيعون التوسط إلى الله، ليقرِّبوهم إليه، لأن عظمته تمنع الناس العاديين من أن يتصلوا به في مرحلة التصور، لتتحول إلى فكرة التقديس في مرحلة العبادة.
إن القضية كل القضية، هي أن الضعفاء الذين يعيشون المذلّة، يبحثون في خيالات التخلُّف عما يعطيهم شيئاً من العزة ويمنحهم شيئاً من القوة. ولكنهم سيكتشفون خطأ هذه الأفكار عندما يواجهون هؤلاء الآلهة، في يوم القيامة، في الموقف العصيب أمام الله، إذ سيتبرأ كل هؤلاء منهم بعد أن يحمّلوهم المسؤولية عن جميع أعمالهم، لأنهم أضعف من أن يستطيعوا لهم شيئاً.
* * *
آلهة الكفر يتبرأون من أوليائهم
{كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} ويرفضونها لأنهم لا يرون في أنفسهم أي سر للألوهية ليكونوا جديرين بالعبادة من دون الله، {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} بتخلصهم من المسؤولية أمام الله. وربما احتمل بعضهم أن يكون المشركون هم الذين يكفرون بعبادتهم ويكونون ضد الآلهة، ولكن الظاهر من السياق هو الاحتمال الأول، لأن المشركين أرادوهم أن يكونوا لهم عزاً فكانت خيبة أملهم أن تحولوا إلى ضد لهم. ولعل دراسة الآيات المتنوعة التي تعرضت لعلاقة المستضعفين بالمستكبرين والحواريين بالمشركين وأوليائهم، توحي بأن الموقف المضاد هو موقف المستكبرين والشركاء للتخلُّص من تبعة المسؤولية التي يحمّلهم إياها المشركون والمستضعفون.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشَّياَطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} الأزّ هو الهز، وهو التحريك بشدة وإزعاج. والآية واردة على الأسلوب القرآني الذي ينسب الأمور كلها لله انطلاقاً من علاقة الأشياء به من خلال قانون السببية التي أودعها في حركة الحياة والإنسان. كما نلاحظه في علاقة الشياطين بالكافرين، في ما يزين لهم الشياطين من أفعال الضلال، وعلاقات الباطل، وأجواء الانحراف، فيستسلمون لهم من موقع الاختيار السيّىء، وينصاعون لمخططاتهم في الضلال والإضلال، فتحدث النتائج بشكل طبيعي في ما يرتبط به السبب والمسبب. وهكذا لا يجد هؤلاء عوناً من أوليائهم وشركائهم على ما يتعرضون له من شقاء وتعاسة.
* * *
لا تعجل عليهم
{فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} فإن لهم أجلاً لا يعدونه، وسيبلغون أجلهم الذي حدده الله لهم عندما يتساقط الزمن من حياتهم يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر.. وسنة بعد سنة.. إلى آخر العمر. وسيقفون جميعاً أمام الله ليحاسبهم على كل مواقفهم وأعمالهم، فلن يفوت الله منهم أحدٌ.. فلماذا تستعجل الأمر؟ وإنما يعجل من يخاف الفوت، فلا يضيق صدرك، بل استمر في رسالتك حتى يبلغ الله أمره.
{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَـنِ وَفْداً} حيث يستدعيهم الله للوفادة إليه ليكرمهم ويدخلهم جنته، وليسبغ عليهم من لطفه ورضوانه. وينطلقون إلى الله من حيث بدأوا السير إليه في الدنيا ليستنجزوه وعده لهم بالجنة التي وعد بها المتقين، وليطلبوا منه الرحمة والرضوان، كما يفعل الوافدون إلى أيّ شخص لحاجة، أو لغير ذلك..
* * *
مصير المجرمين
{وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً} لأنهم أجرموا في حق الله وفي حقّ عباده، كما يساق العطاشى إلى ورد الماء. أما هم فسيردون الحميم الذي يغلي في بطونهم فيحرقها. {لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـنِ عَهْداً} لأن الشفاعة لله وحده، فلا يملك أحد منها شيئاً إلا بإذن الله؛ ولن يأذن الله بها إلاّ للذين آمنوا وصدقوا بكتبه ورسله... وذلك هو عهد الله بينه وبين عباده، فإنه يغفر لهم إذا أذنبوا أو أخطأوا ويمنحهم شفاعته، أو يكرم بالشفاعة بعض عباده المتقين الصالحين من الأنبياء والأولياء.. أما الكافرون بالله، والمشركون به، فإنهم لا يتعلقون من رحمة الله بشيء، لأنهم قطعوا كل صلةٍ به، حتى صلة الاعتراف به والإخلاص له في العقيدة. فكيف يمكن أن يمنحهم شفاعته ورحمته، وقد رفضوها بتمردهم وكفرهم؟
* * *
الأبوة تنافي ربوبية الخالق
{وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَـنُ وَلَداً} قولاً لا يستند إلى قاعدة، ولا يرتكز على حجّة، بل هو التخيُّل والتأويل، بطريقةٍ معقّدة، قد لا يفهمها حتى قائلها، أو بطريقة عاميةٍ، يستهلكها العوامّ من الناس من دون وعي، بل هي الكلمات التي تبحث عن المعاني في أذهان أصحابها..
{لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} منكراً فظيعاً لا يبلغ فظاعته شيء، لأنه يتصل بالعدوان الفكري على خالق العقل والكون والحياة، {تَكَادُ السَّمَـوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} ويتشققن من شدة الهول، وخطورة الجريمة، {وَتَنشَقُّ الأرْضُ} وتتفتت، {وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً} فتسقط وتنهدم، {أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـنِ وَلَداً} لأن هذه المخلوقات الكونية لا تتحمل الإساءة إلى الله في أيّ شيء يبتعد عن مستوى عظمته.
{وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} لأن ذلك يتنافى مع ربوبيته، والله هو الغني عن كل شيء… {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَـوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَـنِ عَبْداً} لأنهم يعرفون بعمق وجودهم أنهم مخلوقون له، ومحتاجون إليه من دون فرق بين مخلوق ومخلوق، فمهما ارتفعت درجات بعضهم عن بعض، فإنها لا ترتفع عن درجة العبودية لله، لأن امتيازاتهم الذاتية تتحرك في دائرة العبودية والحاجة إليه في طبيعة الوجود والاستمرار. ولعل المراد بإتيان كل هؤلاء للرحمن، في مواقع العبودية، هو انقيادهم في وجودهم وفي إطاعتهم لله على أساس الإحساس بالعبودية والاعتراف بها بين يديه.
{لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً} فهو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم، وهو المحيط بهم، ولذلك فقد أحصى عددهم ووظائفهم وأمكنتهم، في مظهر من مظاهر قوته أمام مظهر خضوعهم وضعفهم. {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً} مجرداً من كل مظاهر القوة وعناصر السلطة ومواقع الأمن، حيث يقف وحده أمام الله، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا يجد له ناصراً من دون الله، فيواجه نتائج المسؤولية في ما أطاع وعصى.
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَـنُ وُدّاً} من المودة وهي المحبة، بحيث تفيض عليهم المحبة من بين أيديهم ومن خلفهم، وتعيش في داخلهم، وتنزل عليهم من ربهم، وذلك هو غاية ما يتمناه الإنسان في إيمانه وفي عمله.
تفسير القرآن