سورة الأنبياء الآيات 26-29
الآيــات
{وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ* لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ* يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ* وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَـهٌ مِّن دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} (26ـ29).
* * *
الإدعاء بأن لله ولداً
ويستمر القرآن في مناقشة فكرة الشرك المتخلفة التي سادت بين الناس في الجزيرة العربية.
{وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً} حيث كانوا يتحدثون عن الملائكة، فيزعمون أنهم أولاد الله سبحانه، باعتبارهم مخلوقات غيبيةً غامضةً موجودةً في السماء التي هي المكان الطبيعي لله ـ في زعمهم ـ، وهم يحملون ملامح خارقةً تقترب من ملامح الصورة التي يحملونها عن الله، ما يؤكِّد التقارب الذاتي بينهم وبينه، تماماً كما هو التقارب بين الأب وأولاده في الملامح والصفات.
وهكذا نجد أن فكرة الولد لله، التي تمثلت في عقيدة بعض النصارى وبعض اليهود، وبعض العرب، كانت ناشئة من القدرات الخارقة التي يدّعونها لهؤلاء، إذ إنهم يرون أنه لا يمكن أن يكون إلاّ عن نسبة إلهية عضوية، نظراً إلى أن أصحاب هذه العقيدة لا يتعقلون إمكانية إعطاء الله لهؤلاء بعضاً من القدرة التي قد يصنعون بها ما يقومون به من معجزات، أو ما يعيشونه من أوضاع مميزة. وفي ضوء ذلك نعرف أن التخلُّف في فهم الأمور هو المسؤول عن انحراف العقيدة، وأن الاستغراق في تضخيم الأشخاص من خلال ما يوحيه من تصورات، ويثيره من انفعالات هو الأساس في عبادة الشخصية ولو بطريقة غير مباشرة، ما يفرض على العاملين الحذر في إثارة الحديث عن صفات العظماء في تقييم شخصيتهم، وذلك باعتماد النظرة الموضوعية الهادئة، بعيداً عن النظرة الانفعالية الحادة.
* * *
بل عباد مكرمون
{وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ} فإن عظمته في مقام ألوهيته تتنزّه عن ذلك، لأن الولد يعني الحاجة، ويعني المحدودية والجسمية، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وإن هؤلاء الذين يدّعون لهم مثل هذه الصفة، لا يوافقون على ذلك في ما يعرفونه من أنفسهم وقدراتهم التي مهما كبرت وعظمت فإنها لا تخرج عن كونها من خلق الله، كما أنهم مخلوقون له كجزء من مخلوقاته، فليسوا أولاداً له، {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} أكرمهم الله بتقريبهم إليه، فمنحهم الدرجة العليا، وأعطاهم الموقع الحسن، ومنحهم الميزة على بقية المخلوقين، انطلاقاً من حكمته التي تحدد مواقع المخلوقين في الكون، كما تخطط لحركة الأشياء فيه، وانسجاماً مع روحيتهم العميقة في خضوعهم لله وانقيادهم له، في آفاق العبودية المطلقة التي يعيشونها فكراً، ويتحسسونها شعوراً، ويتحركون فيها عملاً وطاعة، فهم {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} حيث يعبِّر السبق بالقول عن معنى كنائي عن الاستقلال في الفكر والكلمة والموقف، الناشىء عن الشعور باستقلال الذات وحرية الموقف والموقع، فهم لا يرون لأنفسهم ذلك، بل يلتزمون التبعية المطلقة التي ينتظرون فيها الكلمة الإلهية ليلتزموها ويقولوها، والخط الإلهي ليتحركوا فيه، والشريعة الهادية لينفعلوا بها، {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} فلا يتمردون في كلمة، ولا ينحرفون في خط، ولا يبتعدون عن هدف، مما يريده الله لهم ولدورهم في حركة الحياة، فهم الخاضعون له، وهو المسيطر على الأمر كله، والمحيط بسرّهم وعلانيتهم، في ما يحيطون به، وما لا يحيطون به، فهو يعلم منهم ما لا يعلمونه من أنفسهم، {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} في حاضر الواقع الذي يتحركون فيه، وفي مستقبله، فلا يغيب عن علمه شيءٌ منه، مهما كان دقيقاً وخفياً..
تلك هي مواقعهم التي تتميز بها ملامحهم الشخصية، فلا يتجاوزون حدود مواقعهم أمام الله من خلال ما يعيشونه في داخل حياتهم الخاصة، وما يتحركون به من العلاقات في حياة الآخرين، فلا يتصرفون معهم إلا بما يعلمون أن الله يرضى عنه، فلا يرون لأنفسهم الحرية في أن تتدخل العوامل الذاتية في ما يريدون أن يتقدموا به إلى الله، من الشفاعة لبعض الخاطئين أو المنحرفين، لأنهم يعرفون أن الشفاعة ليست حالةً ذاتيةً ينطلق بها المقرَّبون إلى الله، ليستفيدوا من مواقع القرب في علاقاتهم الخاصة بالأشخاص، ليقرّبوهم بعيداً عن الله، كما يفعل الناس في الدنيا، ليتقرب الناس إليهم بما يتقربون به إلى المقربين من الملوك والأمراء، ليشفعوا لهم عنده، فينفعلون بذلك في ما يتحدثون به إلى رؤسائهم، في قضايا الامتيازات والشفاعات، وما إلى ذلك..
إن المقرّبين من عباد الله المكرمين، سواء منهم الملائكة أو الأنبياء والأولياء، لا يعيشون الذاتية في مشاعرهم، بل يتمثلون في وجدانهم العنصر الروحي، فهم يعرفون مواقع رضا الله فيتحركون فيها، ومحال كرامة الله ورحمته فينطلقون إليها، ويعلمون أن الشفاعة كرامة يريد الله أن يكرم بها بعض خلقه فيشفّعهم فيمن يريد أن يغفر لهم ويرحمهم، لأنهم في الموقع الذي يمكن لهم فيه أن يقتربوا من رحمته ومغفرته، ولذلك فهم يعرفون مواقع الشفاعة فيمن يطلبون من الله أن يشفِّعهم فيهم، فلا يشفعون للكافرين والمشركين والمنحرفين الذين حاربوا الله ورسوله، لأنهم ليسوا في المواقع التي يستحقون فيها الرحمة، ولأنهم لا يشعرون بأية عاطفة تجاههم، ولا بأية مسؤولية عنهم.
{وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} من خلقه، في ما يعلمونه من مواقع رضاه، {وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} حيث يتمثلون في أنفسهم الإحساس العميق بعبوديتهم لله، فيخشون أن يخطئوا في كلمة، أو حركة، أو علاقة، أو عاطفة، أو موقف، مما يمكن لله أن يحاسبهم عليه، فهم في مواقع الحذر في مواقعهم من الله، لأنهم لا يريدون لحياتهم أن تنفصل عن مواقع رحمته ورضاه.
* * *
جزاء المحسنين.. والظالمين
{وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَـهٌ مِّن دُونِهِ} من الناس الذين يعيشون بعض ملامح الانتفاخ في الشخصية من خلال استغراقهم في ذواتهم، أو من خلال استغراق الناس في شخصياتهم، وتضخيمهم لأدوارهم وإمكاناتهم، ما يجعل الذات تتعاظم في إحساسها الداخلي، فتنسى عبوديتها لله، وتعيش مشاعر التألُّه المرضي في مواقع عقدة الضعف الكامنة في داخل الذات، إن على هؤلاء الذين يضعون أنفسهم في هذا الموقع أن يعرفوا جيداً خطورة مثل هذا القول على صعيد مصيرهم في الآخرة، فإنهم إذا كانوا يعيشون بعض الامتيازات الذاتية والاجتماعية في حياتهم الآن، فإن ذلك لن ينفعهم شيئاً، وسيزول عنهم بكل مظاهره، وسيتركهم كل هؤلاء الذين يغرونهم بأنفسهم، وسيواجهون الموقف وحدهم، بكل ما يحمل ذلك من مظاهر الضعف وعناصره؛ وسيعرفون جيداً أن الله قد قال، بمعنى الإرادة الحاسمة التي لا تنفصل عن المراد، أن الذي يدّعي الالوهية من دوني {فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} التي أعددناها للكافرين والمشركين والمعاندين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والطغيان، وكانوا الظالمين أمام الله عندما أشركوا به ما لم يأذن به، {كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ} في خط العدل الإلهي الذي يريد للظالمين أن يواجهوا الجزاء العادل لما ظلموا به ربهم وأنفسهم، وظلموا به الحياة من حولهم عندما انحرفوا بها عن الصراط المستقيم.
تفسير القرآن