من الآية 12 الى الآية 17
الآيــات
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مِّن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخالقين* ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ* وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طرائق وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافلين} (12ـ17).
* * *
معاني المفردات
{سلالة}: قال في المجمع: "السلالة اسم لما يُسلُّ من الشيء، كالكساحة اسم لما يكسح، وتسمّى النطفة سلالة، والولد سلالة وسليلة، والجمع: سلالات وسلائل. فالسلالة: صفوة الشيء التي يخرج منها كالسلافة"[1].
{نُطْفَةً}: النطفة: القليل من الماء.
{قَرَارٍ}: مقر، والمراد به الرحم التي تستقر فيها النطفة.
{مَّكِينٍ}: متمكن، «وصفت به الرحم لتمكنها في حفظ النطفة من الضيعة والفساد، أو لكون النطفة مستقرة متمكنة فيها»[2].
{طَرَآئِقَ}: جمع الطريقة، وهي السبيل المطروقة.
* * *
خلق الإنسان
جرى الأسلوب القرآني على إخراج الإنسان من جوّ الألفة الذي اعتاد أن يشاهده أو يعيشه في نفسه أو في غيره من الموجودات، ليبقى الإنسان على اتصال بأسرار الوجود التي تشعره دائماً بعظمة الله من خلال عظمة خلقه، وليظل على اتصال بالله في ما يستوحيه منه دائماً من انطلاق الوجود كله، بجميع خصائصه وآثاره، بحيث لا يرى شيئاً إلا ويرى الله معه، ليكون ذلك أساساً ثابتاً لالتزام الإنسان بالنظام الذي وضعه الله لحياته، ليتكامل التزامه مع النظام الكوني الذي أوجده الله بقدرته، لأن الإنسان كلما أحسّ بحضور الله أكثر، كلما شعر بمسؤوليته أمامه بطريقة أقوى وأفضل.
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مِّن طِينٍ} فقد استخرج الله الإنسان من الطين بشكل مباشر عند خلق آدم (ع)، وبشكل غير مباشر عند خلق أولاده الذين كوّنتهم الأغذية التي تتوالد من الأرض والماء، {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَّكِينٍ} فتحول الطين إلى نطفة استقرت في أصلاب الآباء، ثم انتقلت إلى أرحام الأمهات، {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} وقد ورد الحديث عن ذلك في أوّل سورة الحج، {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً} بالطريقة الدقيقة التي ركب الله فيها أعضاء الإنسان ونوّعها وجعل لكل منها دوراً وخصائص، {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} متكاملاً في شكله وصورته وفي اتصال أعضائه وتناسقها، {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } فمهما صنع الناس من الأشياء البديعة المتقنة، فإنهم لا يبلغون إبداع الله وإتقانه في الخلق، ودقّة التكوين، وعظمة القدرة، وسرّ الحيوية في الشكل والروح والحركة.. وإذا كان هناك قيمة لما يصنعه الناس، فإن قيمته إنما هي في محاكاتهم خلق الله في ما يشاهدونه منه، أو يستوحونه من أوضاعه أو يلهمهم الله الاستفادة منه.. وقد نستفيد من ذلك عدم اختصاص كلمة الخلق بالله، لأن الخلق ـ كما يقال ـ هو التقدير وقياس الشيء من الشيء، وهو لا يختص به تعالى، وقد ورد في كلامه سبحانه نسبة الخلق إلى غيره، وذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} [المائدة: 110]، وقوله: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} [العنكبوت: 17].
* * *
موت الإنسان وبعثه
{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ}، لأن طبيعة الجسم الإنساني تنتهي إلى الانحلال والفناء، فقد قدّر الله للإنسان أجلاً معيناً لا يتعداه ضمن نظام وضعه للإنسان وللحياة في وجوده وموته، ولكن ذلك لن يكون موتاً نهائياً تنعدم الحياة فيه فلا تعود، بل إن هناك مرحلةً جديدةً لحياةٍ جديدةٍ يقدم الإنسان فيها حساب أعماله في الحياة الماضية أمام الله، من أجل حياة قادمة..
{ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} ليتحقق ـ بذلك ـ الهدف النهائي لحركة الإنسان من الحياة إلى الموت، ثم إلى يوم البعث.
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طرائق} المقصود بالطرائق السبع: السموات السبع، لأنها ممرّ الأمر النازل من عنده تعالى إلى الأرض، كما يقال، ولكن قد يكون المراد بها معنًى آخر، وهو أن بعضها فوق بعض، لأنه يقال: طارق بين الثوبين إذا لبس أحدهما الآخر..
* * *
ما الله بغافل عن خلقه
{وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَـافِلِينَ } لأن الله الذي خلق الإنسان وصوّره بأحسن صورة، وسخّر له الكون ليستفيد منه في استمرار حياته، لن يترك عبده ويغفل عن رعايته في كل ما يحتاج إليه، كما أنه تعالى لن يتركه يتخبط في وعورة الطريق دون أن ينزل عليه رحمته، ويدفع عنه أسباب البلاء برحمته وقدرته، وهو لن تأخذه سنة في مراقبته في كل ما يؤديه من أعمال، وما ينطق به من أقوال، وهكذا، يعيش هذا الإنسان الشعور بأن الله يحيط به من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله، فلا يقوم إلاّ بما يمليه عليه هذا الشعور... وبذلك يظهر اتصال هذه الفقرة بما قبلها، في سياق التأكيد على أن الله وراء كل شيء، وهو المدبّر لكل شيء، كي لا يغفل الإنسان عن ربّه عندما يفكر بما حوله، أو بما فوقه أو تحته أو بنفسه.
ــــــــــــــــ
(1) مجمع البيان، ج:7، ص:160.
(2) تفسير الميزان، ج:15، ص:20.
تفسير القرآن