تفسير القرآن
المؤمنون / من الآية 23 إلى الآية 30

 الآيات 23-30
 

الآيــات

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يا َقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ* فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هَـذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاء اللَّهُ لاََنزَلَ ملائكة مَّا سَمِعْنَا بِهَـذَا في آبَآئِنَا الأولين* إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّى حِينٍ* قَالَ رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ * فأوحينا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تخاطبني في الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ * فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للَّهِ الذي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظالمين * وَقُل رَّبِّ أنزلني مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * إِنَّ في ذَلِكَ لآيات وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} (23ـ30).

* * *

معاني المفردات

{الْمَلأ}: رؤوس القوم وأشرافهم.

{يَتَفَضَّلَ}: أي: يتشرّف ويترأس عليكم، بأن يصير متبوعاً وأنتم له تبع، فيكون له الفضل عليكم[1].

{جِنَّةٌ}: جنون.

{فَتَرَبَّصُواْ}: فانتظروا.

{بِأَعْيُنِنَا}: تحت نظرنا.

{فَاسْلُكْ}: ادخل.

{اسْتَوَيْتَ}: استقرّيت.

* * *

نوح(ع) مع قومه

ولم تقتصر نعم الله على العباد في ما سخره لهم من قوى كونية، أو في ما خلقه من حيوان ينتفعون به، بل تعدّت ذلك إلى النعم الرسالية التي تضمّنت توجيههم إلى ما يصلح أمورهم في الدنيا والآخرة بالإيمان والعمل الصالح، من خلال رسل الله ورسالاته التي بلّغوها للناس، ليهتدوا بها في ظلمات الحياة..

وهذه جولة جديدة في تاريخ الرسل، وفي النتائج السلبية التي واجهوها في إبلاغهم لرسالاتهم من قِبَل قومهم.

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِه} ليهديهم سواء السبيل، وليبلغهم رسالة الله، {فَقَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ} وحده ولا تشركوا به شيئاً، {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ}، لأن الآلهة التي تصنعونها بأيديكم، أو التي ترفعونها إلى مقام الألوهية بإرادتكم، أو التي تفرض نفسها عليكم من مواقع القوّة أو السلطة أو المال، لا تحمل أيّ سرّ من أسرار الألوهية، ولا تملك أيّ موقع من مواقعها لجهة ما تمثّله من قوّة مطلقة لا تقف عند حدّ، ومعرفة غير محدودة، بحيث لا يغيب عنها شيء، وغنى مطلق لا تحتاج معه إلى أحد أو إلى شيء، فارجعوا إلى عقولكم لتفكروا فتهتدوا بها، وتحرّكوا مع فطرتكم التي تؤكد لكم بأن هذا السلوك الذي تسلكونه لا يحقق لكم أيّ مقدار من الأمن من الخوف الذي تعيشون، {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} الله الذي خلقكم ورزقكم من الطيبات ومن كل شيء، وهداكم سواء السبيل، لتقودكم التقوى إلى الإيمان بوحدانيته في خط العقيدة والعبادة.

ولكن هؤلاء ليسوا طلاب فكرٍ، وليسوا روّاد حقيقة، بل هم أتباع شهوةٍ، وطلاّب منفعة، ولهذا ابتعدوا عن التفكير في مضمون ما قدّمه إليهم، وفضّلوا المبادرة إلى الرفض من أقرب الطرق التي لا تكلفهم عناء البحث والحوار وصولاً إلى الحقيقة، لأنهم لا يرغبون في معرفة الحقيقة والاطلاع على مواردها ومصادرها..

* * *

اتهام نوح بالجنون

{فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} فكيف يمكن أن يكون نبياً مرسلاً؟ وهل يمكن للبشر أن يصلوا إلى هذه الدرجة؟! إننا لا نؤمن بذلك، فهو ككثير من الطامحين الذين يودون الوصول إلى مواقع اجتماعية متقدّمة في مجتمعهم من خلال الإيحاء للآخرين بأن لهم صفات خاصة أودعها الله بهم ليسيطروا على الناس من خلالها، فهو {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} ليكون له الميزة والفضل عليكم، فيرأس الناس من موقع النبوّة، {وَلَوْ شاء اللَّهُ لاََنزَلَ ملائكة} فالملائكة أقرب إلى الله، وبذلك يكونون أقرب إلى هذا المركز الخطير، فهل يمكن أن يستبدلهم بمثل هذا الإنسان الذي لا يتميز عن الناس بأية صفةٍ من الصفات، {مَّا سَمِعْنَا بِهَـذَا في آبَآئِنَا الأولين}، وهم بالنسبة لنا المصدر الأوثق للمعلومات الدينية، التي نلتزمها كعقيدةٍ وسلوكٍ، فلم يرد منهم أيّ شيءٍ من هذا القبيل.

{إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} لأن الذي يدّعي هذا الادّعاء، ويدعو إلى التوحيد ورفض عبادة الأصنام، لا بد من أن يكون به مسٌّ من جنونٍ، لأنه يتحدى الناس كلهم في عقيدتهم وسلوكهم، ويزعم لنفسه الاتصال بالله بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ} أي أمهلوه واصبروا عليه حتى ينكشف أمره، {حَتَّى حِينٍ} كي يرجع عن ذلك الجنون وإلا قتلتموه.

إنه موقف مرتبك متخبط يدفعهم إلى البحث عن كلمةٍ ـ أية كلمةٍ ـ لمواجهة دعوة الرسول، وهم بنتيجته يرفضون الرسالة لبشر، ويرضون الألوهية للحجر، وينكرون المبدأ في هويّة صاحب الرسالة، ثم يحكمون عليه بالجنون دون أيّ دليل على ذلك، فهم لم يروا في شخصيته أيّ خلل في رأيٍ أو سلوك، ولكنه المأزق الذي يعيشه أصحاب الكفر والضلال، فيبحثون عما يؤكدون به ضلالهم حتى بالباطل.. وتلك هي قصة الناس في كل زمان ومكان، في تنكّرهم للحق، وإصرارهم على العناد، دون إعمال الفكر والوجدان.

* * *

طلب نوح النصرة من الله

{قَالَ رَبِّ انصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ} فقد كان وحده، ولكنه كان يشعر أن الله معه، وكان يستمدّ القوّة من هذا الشعور، كلّما أرادوا أن يضعفوا موقفه، أو يهزموا روحه. كان يوصل الليل بالنهار، ويستنفد كل التجارب والأساليب بغية الدخول إلى عقولهم وقلوبهم وحياتهم، ولكنهم كانوا يزدادون عناداً كلما ازداد إصراراً على دعوتهم إلى الإيمان، حتى لم يبق له ما يقوله لهم، فقد قال كل شيءٍ، واستنفد كل الوسائل والأساليب، لكنه بقي وحده، مع قليلٍ من المؤمنين، فدعا ربّه يسأله النصرة عليهم جرّاء تكذيبهم له..

{فأوحينا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} أي بنظرنا، وهو تعبير عن الحفظ والرعاية الإلهية، كأن معه من الله حفّاظاً يكلأونه بعيونهم، لئلا يتعرض له أحد في ما يقوم به من عملٍ، {وَوَحْيِنَا} بالطوفان الذي يغرق كل شيء حوله {وَفَارَ التَّنُّورُ} بالماء الذي ينبع منه، كما لو كان في حالة غليان وفوران، {فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلِّ} مما حولك من الحيوان {زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} من ذكر وأنثى، {وَأَهْلَكَ } من عيالك {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ} ممن حقّت عليه كلمة العذاب بكفره وضلاله من زوجك وولدك، {وَلاَ تخاطبني في الَّذِينَ ظَلَمُواْ} أنفسهم بالكفر والضلال، لأن الموقف ليس موقف عاطفة تتحرك فيه شخصية الأب تجاه ولده، أو الزوج تجاه زوجته، بل هو موقف حقّ ورسالةٍ تنطلق فيها العاطفة لتؤكد رفضها للكفر كله حتى من أقرب الناس إليه.. {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } فيمن يغرق من الكافرين.

* * *

قل الحمد لله

{فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ} من المؤمنين {عَلَى الْفُلْكِ} وتطلّعت إلى قومك الكافرين وهم يغرقون ويهلكون وينتهي أمرهم بعقاب الله، فاذكر نعمة الله عليك وعلى هؤلاء الذين معك لما هداكم إلى دينه واختصكم برحمته ونصركم بنصره {فَقُلِ الْحَمْدُ للَّهِ الذي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظالمين} الذين ظلموا أنفسهم بالكفر وظلموا المؤمنين بالبغي والعدوان.. {وَقُل رَّبِّ أنزلني مُنزَلاً مُّبَارَكاً} تزيد لي فيه النعمة وتمنحني فيه الاستقرار {وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ}، لأنك الربّ الرحيم الذي يشمل عباده برحمته ويزيدهم من نعمته، {إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ} لمن يتذكر ويعتبر أمام ما يشاهده من إنزال العذاب بالكافرين المتمردين على الرسل، {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} في ما نبتلي به العباد لنختبر مواقفهم في طريق الحق والباطل.

ــــــــــــــ

(1) مجمع البيان، ج:7، ص:165.