من الآية 31 الى الآية 41
الآيــات
{ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ* فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ* وَقَالَ الْمَلاَُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بلقاء الآخرة وَأَتْرَفْنَاهُمْ في الْحَياةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ* وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخاسِرُونَ* أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ* هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ* إِنْ هي إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ* إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ* قَالَ رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ* قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نادمين* فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غثاء فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين} (31ـ41).
* * *
معاني المفردات
{قَرْناً}: القرن: أهل العصر الواحد.
{وَأَتْرَفْنَاهُمْ}: نعّمناهم، من الترف وهي النعمة.
{هَيْهَاتَ}: اسم فعل بمعنى بَعُدَ.
{غُثَآءً}: الغثاء: ما يحمله السيل مما يمرّ به من الأشياء الحقيرة البالية.
* * *
قوم هود.. والصيحة
{ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} وهم عاد قوم هود (ع) ـ كما قيل ـ بقرينة قوله تعالى: {وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف:69].. وكان هؤلاء الجيل الجديد الذي أعقب الجيل الذي هلك بالطوفان، {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} حسب السنّة المتّبعة التي تقضي بأن يكون النبيّ المرسل فرداً من القوم الذين يعيش بينهم، وكانت رسالته في مجملها هي رسالة نوح (ع)، {أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلهٍ غَيْرُهُ} من خلال التوحيد لله في العقيدة والعبادة والطاعة على خط المنهج والشريعة، فهذا الأصل الذي تتفرّع عنه كل فروع الحركة والسلوك في الحياة التي تدعو الناس كلهم من خلاله إلى التقوى والانضباط على الخط المستقيم، {أَفَلاَ تَتَّقُون} وتراقبون الله في السرّ والعلانية، ذلك هو الصراط المستقيم.
{وَقَالَ الْمَلاَُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخرةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَياةِ الدنيا}، وتحوّل الترف عندهم إلى طبقيّة تتجلى في النظرة الفوقية إلى من هم دونهم في المستوى الاقتصادي، وإلى قيمةٍ اجتماعية ذات امتيازات خاصة تغريهم بالمحافظة على عاداتهم وتقاليدهم، وتمنعهم من الاقتناع بأيّة دعوةٍ إصلاحيّةٍ، خطها التوحيد والاعتراف بحرية الإنسان وحقه في احترام إنسانيته، دون أن يكون للجاه والمال والنسب أية علاقة في ذلك، ولذلك كانوا يواجهون أيّة دعوةٍ رساليّةٍ بالكفر والجحود، وكانوا يرفضون التوحيد لله الذي قد يفقدون معه الكثير من امتيازاتهم الطبقية، لأن أمثال هؤلاء الغارقين بأجواء الترف واللهو والعبث لا ينطلقون في مواقفهم من مواقع فكرية، بل من مواقع طبقيّة..
وهذا ما جعلهم يكذّبون الرسول ويعلنون الكفر ويعملون على إثارة عواطف الناس الذاتية ضده بأنه مثلهم في الشكل والعادات، فكيف يقبلون أن يتقدم عليهم دون أن تكون له أيّة ميزة خاصة؟! وفي ذلك محاولة استثارة الزهو الذاتي وانتفاخ الشخصية لاستيلاد العداء الشخصي ضد الرسول بعيداً عن أيّة إثارةٍ فكرية.. وذلك من خلال المقولة التالية المماثلة لما كان يثيره قوم نوح: {مَا هذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُون }، وربما تضمنت الإشارة إلى مسألة المساواة في الأكل والشرب بعض الإيحاء بأن المساواة في القضايا الحسّية تفرض مساواة في القضايا المعنوية، باعتبار أن ذلك الجانب المادي من الحياة هو مقياس التقييم لدى الناس..
ويتابع هؤلاء عملية الإثارة السلبية ـ في ما ينقله القرآن لنا من كلامهم ـ {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُون} لأن فقدان الامتياز المادّي في شخصية الرسول يعني أنه لا يحمل معه أيَّ شيءٍ يمكن أن يكون ربحاً في الموقف الذي يدعوهم إليه، أو تعويضاً عن الخسارة التي قد تلحقهم في ما يمكن أن يحوّلهم عنه..
* * *
قوم هود ينكرون البعث
ثم يتابعون الحديث عن طروحاته، فيواجهونها بالمنطق الانفعالي الذي يستبعد اليوم الآخر استبعاداً، ولا يناقش إمكانية حدوثه عقلياً: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُون } إنه الوعد الذي لم نألف له مثيلاً في ما عرفناه وشاهدناه، وهل ينقلب التراب إلى حياةٍ، وهل تتحوّل العظام إلى إنسان؟ {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} إنه وعد بعيد عن الواقع والحقيقة، {إِنْ هي إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} وتلك هي الحقيقة المادية التي تجسّدها الحياة، والموت الذي يعقبها ويمتد، فلا تتجدد الحياة منه أبداً، كما يتحدث هذا الذي يدّعي الرسالة من الله، فليس هناك أيّ عينٍ أو أثرٍ للحياة في أي شيء مات وانتهى..
* * *
بُعداً للقوم الظالمين
{إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً}، إنهم يحاولون التحدث بطريقةٍ إيحائيّةٍ تمنع الناس من التفكير الموضوعي الهادئ، ولهذا فإنهم يصلون إلى النتيجة التي يريدون الوصول بالناس إليها مباشرة، {وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} فكيف تؤمنون به أنتم، في الوقت الذي تعرفون فيه أننا مصادر القرار؟!
{قَالَ رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ} بعد أن استنفد جهده الفكري والروحي والعملي، ولم يبق لديه أيّ أملٍ في إيصالهم إلى الإيمان.. واستجاب الله له دعاءه: {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} على هذا الموقف المتمرد المعاند الذي لا يرجع إلى حجّة ولا يقف أمام حقيقة، {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ} فأهلكهم الله بالصيحة التي هزّتهم من الأعماق وصرعتهم، بما يستحقّونه من ذلك، {فَجَعَلْنَاهُمْ غثاء} كالأشياء الحقيرة التي يحملها السيل، {فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين}، الذين بعدوا عن الله ورسله، وظلموا أنفسهم كما ظلموا الرسول والناس والحياة كلها، فأبعدهم الله عن ساحة رحمته.
تفسير القرآن