من الآية 42 الى الآية 50
الآيــات
{ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ* مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ* ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّمَا جاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ* ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هارون بَِايَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ* إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ* فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ* فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ* وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ* وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُمَآ إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} (42ـ50).
* * *
معاني المفردات
{تَتْرَا}: من الوتر، وهو الواحد تلو الآخر، أي: بشكل متتابع.
{أَحَادِيثَ}: جمع أحدوثة، أي: يتحدث الناس بما جرى عليهم.
{وَسُلْطَانٍ}: حجّة.
{عَالِينَ }: متكبّرين.
{رَبْوَةٍ}: مرتفع من الأرض.
{وَمَعِينٍ }: الماء الجاري.
* * *
تكذيب الأمم لرسلها
{ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ } أي من بعد عادٍ {قُرُوناً آخَرِينَ} جماعات متعددة في عصور متعددة، ولكلٍّ منها أجل في ولادتها ونموّها وحركتها وموتها، تحدّدها السنن الكونية التي أودعها الله في الحياة، {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأخِرُونَ} فهم خاضعون لإرادة الله في ذلك، وهي لا تتخلّف عن إنجاز ما تريد، فإذا كان قد حدّد لأية أمة حدّاً معيناً، فإنها لا تسبقه أو تتجاوز مداه.
{ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا}، فقد كان الرسل ينطلقون في مراحل متتابعة، باعتبار ان الأمم تتلو بعضها البعض، وأن الله جعل لكل واحدةٍ منها رسولاً، {كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ}، لأنه يريد تغيير الواقع من حولهم، من خلال تغييره الفكر الذي أنتجه ذلك الواقع وحرّك خطواته وركز مواقعه.. ولم يكن ذلك ملائماً لما اعتادوه أو ألِفوه، ولم يكن منسجماً مع شهواتهم وملذّاتهم التي تمثّل القاعدة الثابتة التي يريدون إخضاع الحياة لها، ولم يكن الأمر مقتصراً على التكذيب، بل كان ينتهي تارة إلى الضرب والاضطهاد والإبعاد، وتارة إلى القتل، {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} بالعذاب والهلاك، {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} لمن بعدهم، كما تتحدث روايات التاريخ عن النتائج السلبية التي حصلت لهؤلاء نتيجة تكذيب رسلهم، ليكون ذلك عبرةً للأمم اللاحقة عند مواجهة خط الرسالات، {فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ }، لأنهم لم ينطلقوا من موقع فكرٍ، بل من موقع الأهواء والشهوات.
* * *
موسى.. وفرعون
{ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هارُونَ بِآيَاتِنَا} التي تتحرك في دائرة المعجزة، كانقلاب العصا ثعباناً، وخروج اليد بيضاء تلمع، {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} في ما يملكان من البراهين القويّة على صدق رسالتهما، وقوة موقفهما، وكانت الدعوة الأولى {إِلَى فِرْعَوْنَ وَملآه} أي: وقومه، باعتبارهم الطبقة المهيمنة على الواقع كله، والقوّة القاهرة التي تمنع المستضعفين من ممارسة حرياتهم واختيار قناعاتهم الفكرية لجهة ما يؤمنون به وما يجحدونه ويكفرون به، فجاءت دعوتهما إلى الإيمان وإلى رفع أيديهم عن المستضعفين، ليكون الدين كله لله، ولتكون الحرية للمستضعفين من عباد الله.. وربما كان ذكر فرعون لما يمثله من تسلّط واستعلاء، فكانت الدعوة موجّهة إليه أولاً، وذلك من باب أن الصدمة لا بد من أن توجّه للسلطة العليا في بادىء الأمر، إضعافاً لمركزها وزلزلة لمواقعها وإذهاباً لهيبتها وإفساحاً في المجال أمام الضعفاء بالتمرد عليها عند سقوط قناع العظمة الزائفة المخفية تحته نقاط الضعف، بحيث يسقط تأثير القوّة في القلوب، عندما تسقط مصداقيتها في الواقع.
وجاء موسى وأخوه هارون إلى هؤلاء القوم، وأعلنا لهم الدعوة إلى الإيمان بالله الواحد، والسير على النهج الرسالي في شريعته، والابتعاد عن اضطهاد المستضعفين.. وكان ذلك مفاجأةً لهم، فكيف يجرؤ هذان اللذان لا يملكان أيّة قوّة على الوقوف موقف التحدي للعظمة الفرعونية التي تقف في مصافّ الالهة؟! {فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ} يعيشون الكبرياء والإحساس بالعلوّ على الناس، لما يملكونه من امتيازات طبيعية وما يحتلّونه من مراكز متقدمة، وكانت الربوبيّة التي كان يتربع عليها فرعون ويريد للناس أن يصدّقوه قمّة هذا العلوّ وهذه الكبرياء.
وشكّلت الكبرياء أساساً لرفض كلّ موقف رسالي في شكله ومضمونه.. وكان المنطق الذي يستخدمونه في الرفض منطق الطبقة العليا التي تحتقر الطبقة السفلى، وتحتقر كل طروحاتها، لأن من يملك شرعية مخاطبة الطبقة العليا هم الذين يقفون في المستوى نفسه من السلّم الاجتماعي.
{فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} في الشكل؟! والبشرية ـ في نظرهم ـ لا تلتقي مع النبوّة، {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} ما يجعلهما في موقع العبيد لنا، فهل يجرؤ العبد أن يدعو سيّده إلى طاعته، وإلى السير خلفه؟!
{فَكَذَّبُوهُمَا} بعد كل ما أبرزاه لهم من تحديات القوّة التي تستطيع أن تهزمهم في كل المواقف، {فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ} حيث أغرقهم الله في البحر، وجعلهم عبرةً لأمثالهم ممن لا يعرف حدّه ليقف عنده.
* * *
بين موسى وعيسى (ع)
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} وهو التوراة {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} ولكنهم لم يهتدوا به، بل تركوه وراء ظهورهم، وربما كان المراد بالضمير بني إسرائيل الذين جاء موسى(ع) من أجل تحريرهم من عبوديتهم لفرعون، وجعل العبودية خالصةً لله وحده، فأبوا إلا عبادة الشيطان، {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} إذ إن الله خلق عيسى(ع) من دون أب، فولدته أمه(ع) من دون ذكر {وآويناهُمَآ إِلَى رَبْوَةٍ} في فلسطين التي ولد فيها السيد المسيح(ع)، {ذَاتِ قَرَارٍ} يستقرّ فيه الإنسان ويطمئن ويهدأ، {وَمَعِينٍ} أي وماء جارٍ يرتوى منه.
تفسير القرآن