تفسير القرآن
المؤمنون / من الآية 51 إلى الآية 56

 من الآية 51 الى الآية 56
 

الآيــات

{ياأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ* وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ* فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ* فَذَرْهُمْ في غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ* أَيَحْسَبُونَ أنتا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ* نُسَارِعُ لَهُمْ في الْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} (51ـ56).

* * *

معاني المفردات

{فَتَقَطَّعُوا}: تفرقوا.

{زُبُراً}: جمع زبور، وهو الكتاب.

{غَمْرَتِهِمْ}: الغمرة: معظم الماء الساترة لمقرها، وجعلت مثلاً للجهالة التي تغمر صاحبها.

* * *

التأكيد على بشرية الرسل

{ياأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} فأنتم بشر ممّن خلقت، ولكم الحق بأن تتمتعوا بطيبات الحياة الدنيا، كما يتمتع غيركم، لأن الله لم يحرّمها بحدودها المحلّلة على أحدٍ من خلقه، فكيف يحرّمها على رسله، {وَاعْمَلُواْ صَالِحاً} في كل ما أمركم به من التزام بخط الرسالة في أنفسكم، والدعوة إليه في حركة المسؤولية، والجهاد في سبيله بأموالكم وأنفسكم، فذلك هو التجسيد العملي للإيمان بالرسالة، والرمز المعبر عن شكر النعمة، {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، هذه هي الحقيقة التي لا بد للمؤمن من أن يعيشها في وجدانه، بحيث يشعر بعمقٍ بالرقابة الإلهية المهيمنة عليه في كل أعماله الخفية والمعلنة، ليتأكد لديه خط الالتزام وحسّ المسؤولية.

* * *

وحدة الرسالات

{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} في وحدة الرسالة المتحركة في خط التوحيد والشريعة المنطلقة باتجاه هدف واحد هو إقامة الحياة على كلمة الله، وتحصيل رضاه بذلك.. وهذا ما يجمع الدعاة إلى الله والأدلاّء عليه، بعيداً عن العلاقات الشخصية والمنافع الذاتية، وهو ما يضمّ المؤمنين في دائرة الوحدة، بعيداً عن الأوضاع العائلية والعرقية والإقليمية ونحو ذلك مما يختلف فيه الناس ويتوحّدون. فلا بد من إقامة الوحدة على هذا الأساس، بحيث يشكل القاعدة والمنطلق مع مراعاة الوحدات الإنسانية الصغيرة أو الكبيرة في ذات المؤمن، والجانب العاطفي الذي يربطه فيها، فالإسلام لا يريد إلغاء العنصر الإنساني الذاتي من أحاسيس الإنسان ومشاعره، بل كل ما يريده هو أن لا يؤثر على حركة المسؤولية الرسالية في حياته، {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} فالقضية التي يجب أن تحكم علاقة الإنسان بربه في خطواته العملية هي قضية التقوى في كل أفعاله وأقواله وعلاقاته، لأنها هي التجسيد الحقيقي للإحساس بالعبودية المطلقة لله، فلا معنى لعبد لا يراقب سيّده الذي هو ربّه وخالقه.

* * *

كل حزب بما لديهم فرحون

{فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً} ، فلم يمتثلوا للأمر الإلهي الموجّه إليهم بالتوحّد من خلال رسالته، بما يمثله ذلك من وحدة رسله، ولم يدرسوا ما أنزله الله على هؤلاء الرسل من مفاهيم واحدة قد تختلف لجهة بعض تفاصيل التطبيق، وقد تتنوّع التشريعات التي تعبّر عنها تبعاً لاختلاف الزمن، وما يفرضه من تطور وتبدل في حاجات الانسان، ما يستدعي أن يجعل تحليل ما حرّمه سابقاً أمراً واقعياً منطقياً، لأن للتحريم أمداً معيناً لا يتجاوزه، وهذا يفسح في المجال لبروز حكمٍ جديدٍ يخالف الحكم السابق. وهكذا فإن اختلاف الرسل والكتب التي حملوها لا يعني التعارض في المواقف، أو التباين في الانتماء، بل يعني مرحلية الرسالات التي تستدعي أن يكون لكل رسالة نهاية محدودة ينتهي دورها عندها، ليأتي دور رسالة لاحقة تكمّل الطريق الذي بدأته الرسالة السابقة.

ولكن المشكلة أنَّ هؤلاء انطلقوا من الدوافع الذاتية التي تغرقهم في المطامع والمنافع والامتيازات الخاصة، وتجعلهم يرسمون حدوداً أمام النبوّات، باعتبارها امتيازاً خاصاً بفريق دون آخر، ويصبح النبي بالتالي رمزاً لهذا الحزب أو ذاك، بعيداً عما هي الرسالة، وعما هي تقوى الله، وتتحوّل المسألة من حالة إيمان إلى حالة تحزّبٍ .. وبذلك يتقطع أمرهم؛ فلكل منهم كتاب، ولكل منهم معبد، ولكل جهةٍ رسول، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} وهو فرح ذاتي أناني يحلم بالانتصارات الفئوية العدوانية، وليس فرحاً روحياً ينطلق من المواقف الرسالية التي تنفتح لأعدائها، لتفتح قلوبهم على الحقّ، وتلاحق أصدقاءها بالنقد إذا انحرفوا عنه.. إنه معنى الرسالة في الحزب الذي يحطّم الحواجز بينه وبين الناس، لتكون الرسالة هي خطابه لهم، لا شخصيته الذاتية، على مستوى الفئة أو الطائفة أو ما يشبه ذلك.

* * *

الإسلام منفتح على كل الرسالات

وهذا الخط الإيجابي المنفتح هو خط الإسلام، الذي جاء به رسول الله محمد (ص)، فقد جعل من صُلب عقيدة الإيمان به، الإيمان بكلّ الرسل والرسالات السابقة، ولم يفرّق بين رسول ورسول، لجهة الإيمان والكفر، كما يفعل اليهود والنصارى، كما صدّق كل الكتب التي بين يديه، لأنه يؤمن بالكتاب كله، لذا تحدث عن الإنجيل ومفاهيمه، وعن التوراة وشرائعها، كما دعا الجميع إلى الوقوف عند ما يتفقون عليه معه، وإلى الحوار في ما يختلفون فيه معه، ولم يتعقد من خلاف، ولم ينغلق على أحد.

{فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} ولا تتوقف عن السير في طريقك الذي أراد الله لك أن تسير فيه، بل تابع رسالتك لتفتح أبواب المعرفة للناس، وتطل بهم على آفاق الله من نافذة الوعي والفكر والتأمل، وليبقَ هؤلاء في غمرتهم في أجواء الجهل والضلال، وليمتدوا في ذلك، حتى يأتي الوقت الذي يلاقون فيه النتائج المرعبة لأعمالهم، فإن لكل بداية نهاية يحددها ما تحتويه طبيعتها الذاتية.

* * *

إنعام الله على الإنسان لاختباره

{أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} في ما يتقلبون فيه من متاع يزهو به الإنسان من مال وولد من زينة الحياة، {نُسَارِعُ لَهُمْ في الْخَيْرَاتِ} ليغترّوا بها ويشعروا بالكبرياء لأنهم كانوا، جرّاء ما نالهم من نعم الله، موضعاً لكرامته بالرغم من امتدادهم بالغيّ.. ولكنهم لا يلتفتون إلى أن الله لا يعطي الناس من موقع كرامتهم عنده فقط، بل من موقع الامتحان والفتنة أحياناً لإظهار كل ما تخفيه شخصيتهم من خير أو شر، ولهذا، فإن عليهم أن يفكروا أن ذلك لا يمثل الخير في ما يقبلون عليه، لأن ذلك لن يدوم لهم، فسيفارقونه إن عاجلاً أو آجلاً، وسيواجهون عذاب الله، {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ}، لأنّ الغفلة التي بدأت في حياتهم من خلال استسلامهم لأسبابها، امتدّت معهم إلى نهاية الحياة..