تفسير القرآن
المؤمنون / من الآية 57 إلى الآية 62

 من الآية 57 الى الآية 62
 

الآيــات

{إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُون* وَالَّذِينَ هُم بِآياتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ* وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ* أُوْلَـئِكَ يُسَارِعُونَ في الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ* وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (57ـ62).

* * *

معاني المفردات

{وُسْعَهَا}: الوسع: القدرة والطاقة.

{كِتَابٌ}: أي: صحائف الأعمال.

* * *

المسارعون في الخيرات

من هم الذين يسارعون في الخيرات على مستوى أعمالهم في الدنيا في ما تمثله من مبادىء الخير، وعلى مستوى مصيرهم في الآخرة، في ما يمثله من النتائج السعيدة الخيّرة في أجواء النعيم الخالد؟

{إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} هؤلاء الذين عاشوا عظمة الله في عقولهم ووجدانهم، واستشعروا محبته في قلوبهم، وأشفقوا على أنفسهم من خشيته، لأن للعظمة بُعداً للحب يدفع للطاعة، وبعداً آخر يدعو للخوف من المعصية.. وهكذا كان هذا الإشفاق المتحرك من موقع الخوف من الله، لا يتمثل في الجانب الشعوري من حياتهم فقط، ليكون مجرد حالةٍ انفعاليةٍ طارئة، بل يتمثل في الجانب العملي من سلوكهم أيضاً، بحيث يصبح برنامجاً عملياً للحياة في خطّ القرب من طاعة الله، والبعد عن معصيته. {وَالَّذِينَ هُم بِآياتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ}، لأنهم تطلّعوا إلى كل مظاهر الحياة، في الكون وفي الإنسان، في أجهزة جسمه، وانطلاقة عقله وروحه، وفكروا في تلك الآيات تفكير الباحث عن الحقيقة، وتعمّقوا في أسرارها ليعرفوا دقّة الصنع، وإعجاز الوجود، وقارنوا فيما بينها، ووقفوا على سرّ الوحدة فيها، فعرفوا أن الله وحده هو خالق ذلك كله، ومبدعه ومدبّره، وبذلك كان الإيمان بالآيات مقدمة للإيمان بالله.. وهنا تحدّد قيمة المعرفة الكونية في حساب الإيمان، فهي ليست حركة عقلية مجردة للاستغراق داخل الفكرة، بل انطلاقةٌ فكريةٌ وروحية، ينفتح الإنسان بها على عالم آخر يلتقي من خلاله بالله.. فالإيمان لا يرتبط بالحقيقة بطريقة ساذجة، بل يلتقي بها من خلال إعمال الفكر، وتحصيل العلم، لتشكيل قاعدة علمية وعقلية متينة يستند عليها.

{وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} وكيف يشركون به وهم يرون في آياته المنتشرة في الكون، أنّ كل ما في الكون مخلوق له، خاضع لإرادته، بوجوده المحدود الذي ينطق بالحاجة إليه، فكيف يكون شريكاً له في الألوهية، وكيف يمكن للناس أن يجعلوه شريكاً له في العبادة، وهو لا يملك أيّة خصوصيةٍ يستحقّ بها ذلك، بل على العكس، يملك ما يبعده عن ذلك.

{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} هؤلاء الذين يعيشون حسّ الطاعة بشكل مرهف، فيدققون في دوافع كل عمل يأتون به كي لا يدخله الشرك الخفيّ، ويفحصون جزئياته كي لا يقعوا في الخطأ أو يتجاوزوا بعض الحدود من خلاله.. فإذا أتوا بعملهم ذاك إنفاقاً كان أو قولاً أو غير ذلك، نجدهم خائفين مشفقين، أن لا يقبل الله منهم عملهم ذلك، وأن يحاسبهم عليه إذا رجعوا إليه ووقفوا أمامه ساعة الحساب، حذراً من غفلتهم عن بعض دقائقه وخفاياه.

{أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ في الْخَيْرَاتِ} لأنهم ارتكزوا في حياتهم على القاعدة الصلبة التي ينطلق منها كل خير، وهي الإيمان بالله وبتوحيده، والخوف منه، والمحبة له، والوجل من المصير يوم الحساب، ولذلك فإنهم ينتهزون كل فرصةٍ لعمل الخير، لئلا تفوتهم، فتفوتهم سعادة الطاعة ونتائجها السعيدة، فيسارعون فيها.. {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} لأن من يسارع إلى الهدف الذي يحبه، فلا بد من أن يسبق الناس إليه.. وتلك هي الجنة التي يتنافس فيها المتنافسون، وينطلق إليها المتسابقون، {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}، فلكلٍّ طاقته على عمل الخير، وعليه القيام بما يستطيعه منه، فلن يطلب الله منه أكثر من ذلك، لأن الله لا يكلّف عباده بما لا يطيقون، لأنه ظلم لا يصدر منه ـ سبحانه ـ وسيجزيه الله جزاء ذلك، {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ} يسجّل لعامل الخير كل دقائقه وخفاياه، {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} شيئاً من ذلك، بل يأخذونه وافياً كاملاً غير منقوص.