تفسير القرآن
المؤمنون / من الآية 63 إلى الآية 77

 من الآية 63 الى الآية 77

الآيــات

{بَلْ قُلُوبُهُمْ في غَمْرَةٍ مِّنْ هذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عامِلُونَ* حَتَّى إذا أَخَذْنَا مترفيهم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ* لاَ تَجْأَرُواْ الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ* قَدْ كَانَتْ آياتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ* مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ* أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ أَمْ جاءهم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الاَْوَّلِينَ* أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ* أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءهم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ* وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أهواءهم لَفَسَدَتِ السَّمَـوَاتُ والأرض وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ* أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَازِقِينَ* وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صراط مُّسْتَقِيمٍ* وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة عَنِ الصراط لَنَاكِبُونَ* وَلَوْ رَحِمْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ* وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ* حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} (63ـ77).

* * *

معاني المفردات

{يَجْأَرُونَ}: الجؤار ـ بضم الجيم ـ صوت الوحش، كالظباء ونحوها، عند الفزع، كُني به عن رفعهم الصوت بالاستغاثة والتضرّع، وقيل: المراد به: ضجّتهم وجزعهم ـ كما جاء في الميزان ـ[1].

{تَنكِصُونَ}: النكوص: رجوع القهقرى، وهو المشي على الأعقاب إلى خلف، وهو أقبح مشية، مثّل بها أقبح حال، وهي الإعراض عن الداعي إلى الحق ـ كما جاء في المجمع ـ[2].

{سَامِراً}: السامر: من السمر، وهو التحدث بالليل.

{تَهْجُرُونَ}: من الهجر في الكلام، وهو الهذيان أو الفحش في المنطق.

{لَنَاكِبُونَ}: النكب والنكوب: العدول عن الطريق والميل عن الشيء.

{لَّلَجُّوا}: تمادوا.

{يَعْمَهُونَ}: يتحيدون.

{اسْتَكَانُواْ}: خضعوا وتواضعوا.

{مُبْلِسُونَ}: آيسون.

* * *

الكفّار بعيدون عن الخير

{بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا} وهم المشركون أو المنحرفون عن الخطّ الذين لا يأخذون بأسباب الخير في ما يفعلون ويتركون، بل يعيشون ـ في واقعهم ـ الغفلة المطبقة لسيطرة الجهل على عقولهم، والغفلة تلك تستغرق كل أفكارهم ومشاعرهم، فتحجب عنهم وضوح الرؤية، وتصدّهم عن اكتشاف ما هو الخطأ والصواب في الأمور، وتمنعهم من التفكير في ذلك كله..

{وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَلِكَ} فالذين لا يسارعون في الخيرات، يقومون بخلاف أعمال المؤمنين، فهم يبادرون إلى الأعمال الرديئة الخبيثة التي لا تتناسب مع إنسانية الإنسان، ومع مصلحة الحياة وطهارتها.. {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} يختارون القيام بها عن سابق قصدٍ وتصوّرٍ وتصميم، ما يوحي بأن أعمالهم تلك ترتكز على قاعدةٍ نفسيّةٍ معقّدة ضد الخير، ومنفتحةٍ على الشر.. وهم يصرّون على أعمالهم تلك دون أيّ حساب للنتائج السلبية التي تترتب عليها على مستوى المصير، كما لو كانوا يحملون الأمان بأيديهم..

* * *

المترفون يجأرون من العذاب

{حَتَّى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ} باعتبار أنهم يمثلون واجهة المجتمع الضّالّ الكافر وقيادته، كونهم يملكون مواقع القوّة فيه، ويحركونها في اتجاه إخضاع المستضعفين ـ الذين يحتاجونهم ـ لما يريدونه، وبذلك يصبح الحديث عن عذاب المترفين بالخصوص رمزاً يوحي بتبعية الآخرين لهم في المصير، على أساس تبعية الآخرين لهم في الموقف، أو تأكيداً على سيطرة الله وقدرته، باعتبار أن الله إذا أخذ المترفين الذين يملكون أسباب القوّة، فإنه قادر على أخذ الأقلّ منهم قوّة، بطريق أولى، حيث يجتمعون في ما يشبه المفاجأة لهم، بفعل الصدمة الناشئة من الغفلة، {إِذَا هُمْ يَجْأرُونَ} ويرفعون أصواتهم بالصراخ، فلم ينتظروا الآخرة لأنهم لم يهتموا بها وبمواجهتها، ولم يفكروا بالعذاب لأنهم سخروا ممن أنذرهم به، ما جعل مواجهته كحقيقة، كارثة تخرج الإنسان عن طوره في التعبير عن الانفعال.. ولكن النداء القادم من الله يوضح بأن الصراخ لا يفيد في تخفيف العذاب أو رفعه عنهم، لأن أحداً لن يسمعهم أو يقدر على إعانتهم ونصرتهم من الله، لذا، فإن الصراخ المنطلق طلباً للنصرة، أمر يشبه العبث.

{لاَ تَجْأرُواْ الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} لأن الله إذا أراد شيئاً، فلا يملك أحدٌ أن يقف أمامه، لأن القوّة لله جميعاً في كل شيء، وفي كل زمان.

{قَدْ كَانَتْ آياتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ} لتفكروا ولتحاوروا ولتفتحوا عقولكم على الحق دون أي ضغط أو إكراه، فالأنبياء كانوا يفتحون المجال أمامكم لتصلوا إلى الحقيقة من أقرب طريق، لأنها ليست من الأمور التجريديّة التي يمكن للإنسان مواجهتها بطريقة اللامبالاة، كونها مرتبطة بمصير الإنسان في الدنيا والآخرة، لكنكم لم تستجيبوا لذلك كله، {فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ}، فلا تقبلون عليها إقبال الوعي والجدّية، بل تتراجعون وتدبرون عنها، كما لو كانت شيئاً تهربون منه.

{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي مكذّبين بالقرآن تكذيباً ينطلق من الكبرياء المرضيّة التي تمنعكم من مواجهة الحقيقة التي تفرض نفسها عليكم بالإيمان، ولم تكتفوا بالتكذيب السلبي والامتناع عن الإيمان، بل اتخذتم موقفاً عدائياً، {سَامِراً تَهْجُرُونَ} وجعلتم في أجواء الليل الطويلة من الإيمان موضوعاً للسمر اللاهي، وللهذيان والفحش في القول، والكلام اللامسؤول.

* * *

إنكار المشركين للقرآن لا يستند إلى أساس

{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ} الذي جاءهم به النبي محمد (ص)، ليعرفوا كيف ينطلق من مواقع الصدق الذي لا مجال فيه للكذب، وكيف يدلّ على نفسه، أسلوباً ومضموناً، أنه كلام الله وليس من كلام البشر، وكيف يحكمون على ما لم يتدبّروا فيه، وكيف يشكّون في ما لم يتأملوا فيه؟! وإذا كانوا قد تدبروه، فماذا وجدوا فيه؟! فليتحدثوا عن الخلل الذي يتضمنه، وعن الشبهات التي يثيرها. ولكنهم لا يتحدثون بهذه الطريقة، بل يواجهون المسألة بأسلوب العناد الجامد الذي لا يفصح عن شيء، لأنهم لا يجدون ما يدافعون به عن موقفهم.

{أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ الاَْوَّلِينَ} فكان إنكارهم منطلقاً من غرابة هذا الوحي على أسماعهم لأنهم لم يسمعوا به، مع أنهم يعرفون أن المسألة لم تكن بدعاً من المسائل، فقد سبق في التاريخ الذي يتناقلونه، ذكر الأنبياء السابقين، كإبراهيم وموسى وعيسى (ع)، فما الغريب في نبوّة محمد (ع)؟ {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ} بصدقه وأمانته وعقله واستقامته، فقد عاش بينهم مدة طويلة لم يسجلوا عليه فيها أيّة نقطة ضعفٍ في قولٍ أو فعل، فهل يعقل أن يكون توقفهم عن الإيمان به لأنهم لا يعرفونه {فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} كما ينكر الإنسان أي غريب يأتيه من بلاد بعيدة ليدعوه إلى بعض الأمور دون أن يكون لديه ما يثبت الثقة به، لأنه لا يملك معطيات تكشف حقيقة أمره؟!

{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} فهل عقلوا معنى هذا القول؟ وهل درسوا عقله وفكره وكلامه وسلوكه ودعوته، فرأوا اختلالاً في توازن شخصيته، ليكون لهذا القول مبرراً في الواقع؟ طبعاً لا، فليس للقول بجنونه أي مبرر، لأنه يمثل كل القوّة والثبات والتوازن في كل عناصر شخصيته، ولكن للمسألة سبباً آخر، هو عقدتهم من مسألة الحق، والعقلية العنيدة الجامدة التي يملكونها والتي لا تواجه الرأي الآخر في مرتكزاته الفكرية، أو لا تواجه الطروحات الجديدة الداعية إلى التغيير بروحية البحث عن الحقائق الجديدة التي يفرضها تغير الواقع وتغير معطياته، لأنهم ليسوا مستعدين لتغيير عاداتهم وتقاليدهم وموروثاتهم العقيدية، تحت تأثير أيّ وضع، حتى لو كان الحق واضحاً فيه.. إنه التعصّب للباطل المتحجّر في حياتهم، الذي يجعلهم يكرهون الحقّ من موقع هذا التعقيد الشعوري، لا من موقع عدم القناعة به.

* * *

ما جاء به الرسول هو الحقّ

{بَلْ جَآءَهُمْ بِالْحَقِّ} الواضح المرتكز على الحجّة والبرهان {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} لأنهم يريدون تأسيس حياتهم على الأهواء والشهوات والأطماع التي تلتقي بالباطل من أقرب طريق، وليسوا مستعدين لترك ذلك كله، والالتزام بالخط المستقيم الذي قد يتعب أوضاعهم التي اعتادوها، ويمنع عنهم ما حصلوا عليه من امتيازات..

وقد نستوحي من الحديث عن كراهة الأكثرية منهم للحق، أن القرآن يريد نزع فكرة قداسة الأكثرية من الأذهان، باعتبارها أساساً للإيمان بالحقائق، لأن الإيمان يمثل الحركة المضادّة لتيار الشهوات الذي يوافق النفوس، ولذلك فإن من يتحملون ضربات التيار الذي يواجه خط الإيمان قليلون، بينما يرتاح للسير مع اندفاع التيار أغلبية الناس.. ولكن ليس معنى ذلك أن الأكثرية تقف دائماً ضد الحق، بل إن الحق ليس دائماً معها.

وقد نلاحظ ـ في هذا المجال ـ أن الميل إلى معارضة دعاة الحق ليس حالةً تاريخيّةً تعيش في الماضي، لنتحدث عنها كمصدر للعبرة، بل هي حالة إنسانية عامّة ممتدّة إلى الحاضر، حيث نجد أن الدعاة إلى الله، والعاملين في سبيله، يعارضون ويُضطهدون، ويواجَهون بالافتراءات والتهم المتنوعة، لإعطاء تلك المعارضة تبريراً منطقياً غير موجود في الواقع، لأن رفض أولئك للحق الذي يدعو إليه الأنبياء والدعاة متأتٍّ عن التزامهم بالباطل، لذا فإنهم يرفضون دعاته، سواء أعلنوا موقفهم ذاك بصراحة، أو حاولوا إخفاءه وراء ما يصنعونه من أقنعة لتغطية الموقف.

* * *

الخضوع للأهواء يعرّض الكون للاهتزاز

{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَـوَاتُ وَالاَْرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} لأن الخضوع للأهواء يستتبع عدم وجود ضوابط لأيّ شيء على صعيد التكوين والتشريع، لأنه لن يكون منطلقاً من دراسة العناصر الضرورية التي تضمن للوجود أو للإنسان صلاحه وثباته واستمراره، لجهة ما تحتويه من أسرار وخصائص وتوازنات في علاقة الأشياء ببعضها البعض ودورها في حركة الإنسان وحياته، هذه الخصائص التي تجعل لكل شيءٍ هدفاً ودوراً وموقعاً مميّزاً، وتخلق نوعاً من التكامل بين عناصر الوجود وطبيعة الأشياء، ولوناً من ألوان التوازن في أوضاع الناس في حياتهم العامة والخاصة، وفي علاقة الإنسان بالكون والحياة..

وإذا فَقَد الكون ضوابطه وقوانينه وركائزه فَقَد أيّ مصدر للثبات والامتداد، وإذا انعدمت في التشريع المصالح والمفاسد التي تحكم الأوامر والنواهي فَقَد التشريع فاعليته القويّة في تنظيم حياة مستقرّة للإنسان، لأن الأهواء لا تحكمها قاعدة أو قانون، ما يجعل الكون كله عرضة للاهتزاز وللفساد وللخلل، وبذلك تفسد السماوات والأرض لو أريد لها أن تتحرك أو تتغير أو تثبت أو تزول تبعاً للأهواء المتنوعة والشهوات المتباينة والأمزجة المتقلّبة، ويفسد مَنْ فيهن من إنسان وحيوان وغيرهما لو كانت الأنظمة الموضوعة لها بعيدة عن منطق العقل، وقريبة إلى منطق الهوى والشهوة والانفعال..

إن المسألة ـ في مجملها ـ هي الفرق بين القاعدة واللاقاعدة، فلا يمكن أن يصلح شيء لا قاعدة له في ساحة الوجود أو التشريع، وبذلك لا يمكن أن تكون الأهواء أساساً لذلك كله.. ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية، أن يتجاوز الناس أهواءهم ونوازعهم، لينظم الوحي حركتهم في الواقع كله، ويصدم كل مرتكزاتهم الخاطئة، ويغير كل عاداتهم المتخلفة، وينسخ كل شرائعهم الباطلة.

* * *

إعراض المشركين عن ذكر الله

{بَلْ آَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ} وهو القرآن الذي يذكّرهم بالحقائق التي تفتح عقولهم على ما غفلوا عنه من عناصر الهدى، وتذكّرهم ما نسوه من قواعد النجاة والنجاح.. وقد نسب الذكر إليهم، باعتبار أن هدف حركته في الواقع هو تذكيرهم، ليكونوا القاعدة الإيمانية للمستقبل، باعتبارهم أوّل من تحركت الدعوة إليهم بالإسلام في وقت غفلوا فيه عن الحقّ ونسوا قواعد النجاة. {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ} لأنهم يرفضون الانفتاح على كل آيات الله، ويخافون من سيطرتها الفكرية على أذهانهم، ما قد يدفعهم إلى تغيير مواقفهم، والابتعاد بالتالي عمّا ألفوه من مواقع شركهم.

{أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} ممّا عندهم من مالٍ، فيبتعدون عنك خوفاً من دفع هذه الضريبة، ولكن لماذا تطلب منهم ذلك، وأنت لا تحتاج إلى طلبه من أي شخص أو جهة كما هي الحال عادة لدى من يطلبون؟ فأنت تملك الأفضل {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} ممّا لديهم، لأن ما عندهم مستمدّ من الله، {وَهُوَ خَيْرُ الرَازِقِينَ} لأنه يرزق الإنسان من موقع الغنى المطلق، والرحمة الواسعة، بينما ينطلق الآخرون من موقع الفقر والمنّة على من يرزقونه.

{وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} لا التواء فيه ولا انحراف على مستوى الفكر والحركة والحياة، فهو خط تبدأ النقطة الأولى فيه من الله الذي أعطى الإنسان نعمة الوجود، ويستمر خط السير فيه مع الله في توحيده ورسالته ونعمه التي تحيط به من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته، لتنتهي إلى الله في اليوم الآخر الذي يقود عباده المؤمنين إلى جنات النعيم.

* * *

انحراف المكذبين بالآخرة عن الصراط

{وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة عَنِ الصِّرَاطِ لَنَـاكِبُونَ } أي لمنحرفون عن الخط المستقيم، لأنهم لم يدرسوا الاتجاه الصحيح الذي يقودهم إلى النجاة، فمشكلة عدم الإيمان بالآخرة، أنها تمنع الإنسان من الاستعداد لها في الدنيا أعمالاً وأقوالاً، فينحرف عن الطريق وهو يعتقد أنه يسير في الخط المستقيم، {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُر} لما أقبلوا على الله بالشكر، ولما تراجعوا عن غيّهم، بل لاستمرّوا فيه، {لَّلَجُّواْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}، وتمادوا في عنادهم وطغيانهم الذي يترددون فيه، فيذهبون ويجيئون دون أن يهتدوا إلى سواء السبيل.

* * *

مصير الكافرين

{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ} في الدنيا، في ما أخذناهم به من صنوف البلاء، ليتضرعوا إلى الله وليرجعوا إليه، ولكنهم ظلّوا على غيِّهم وكفرهم وغفلتهم عن الحق، {فَمَا اسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} في خوف العبد من ربه، وإخلاصه له.

{حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} وقد يكون المراد منه الموت الذي يعقبه عذاب الآخرة، ويستتبعه الموقف الأخير، حيث يفاجأون باليأس من الرحمة التي لن تنال الكافرين، وذاك هو المصير النهائي للكافرين، في ما أخذوا به من بدايات الكفر والضلال.

ـــــــــــــــــ

(1) تفسير الميزان، ج:15، ص:44.

(2) مجمع البيان، ج:7، ص:177.