تفسير القرآن
المؤمنون / من الآية 93 إلى الآية 98

 من الآية 93 الى الآية 98
 

الآيــات

{قُل رَّبِّ إِمَّا تريني مَا يُوعَدُونَ* رَبِّ فَلاَ تجعلني في الْقَوْمِ الظالمين* وإنّا عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ* ادْفَعْ بالتي هي أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ* وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين* وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} (93ـ98).

* * *

دعاء وابتهال نبويّ

{قُل رَّبِّ إِمَّا تريني مَا يُوعَدُونَ}. إنه التوجيه الإلهي الذي يريد أن يعمّق في وعي النبي، وفي وعي كل الناس الذين يؤمنون به ويتبعونه، الإحساس بخطورة نتائج كفر الكافرين وشركهم وانحرافهم عن خط الله، عبر أسلوب الدعاء الذي يبتهل فيه النبي إلى الله ويقول: إذا شاءت إرادتك أن تريني العذاب الذي يحلّ بالكافرين فلا تحشرني معهم {رَبِّ فَلاَ تجعلني في الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك، وأبعدني في الدنيا عن السير في هذا الاتجاه؛ لتأكيد انفصاله عن مجتمعهم وعن أوضاعهم، من أجل الانفصال عن مصيرهم الأسود الذي ينتظرهم في الآخرة.

{وَإِنَّا عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ} وهنا يوحي الله إليه بأنه قادر على أن يريه بعض الذي وعدهم به من عذاب في الدنيا أو في الآخرة، ولن يصله شيء منه، لأنه سيكون منفصلاً عن المشهد كتجربة، بل كل ما هناك أنه يواجه التجربة من موقع المشاهدة..

* * *

دفع السيّئات بالتي هي أحسن

إنه الرسول، والداعية، والشاهد، ولذلك فإن عليه أن لا يتعقّد من كل ما يقومون به من أعمال غير مسؤولة، ومن أوضاع متشنّجة، بل يواجه المسألة من المواقع الرسالية التي تحاول الانفتاح على الآخرين بالأسلوب الأفضل الذي يفتح القلوب على الرسالة من ناحية الكلمة والجوّ والحركة والبسمة وإشراقة الروح، لئلا يكون للناس حجّة على الله وعلى الرسل.

{ادْفَعْ بالتي هي أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} فتلك هي مهمتك، وذلك هو دورك ومسؤوليتك، فليست القصة قصة صراعٍ يتسابق فيه المتصارعون ليغلب أحدهم الآخر أو يهزمه أو يسقطه أو يحطّمه، بل هي قصة هداية ينطلق فيها الرساليون، ليفتح أحدهم قلب الآخر وعقله وروحه وضميره وحياته على الحق النازل من الله، ولذلك لا بد من أن لا يخضع الموقف لرد الفعل الذي يقابل السيئة بالسيئة، لتكون التهمة في مواجهة التهمة، والشتيمة في مقابل الشتيمة وما إلى ذلك، لأن ذلك سوف يزيد الموقف تعقيداً، ويؤدي إلى ابتعاد المواقع عن بعضها البعض، وانغلاق القلوب عن وحي الرسالة، ولذا كان لا بد من مقابلة السيئة بالحسنة، لتكون الكلمة الحلوة في مواجهة الكلمة المرّة، وليكون الأسلوب الطيب في مواجهة الأسلوب الخبيث، والقلب المفتوح في مواجهة القلب المغلق، والبسمة في مقابل العبوس.. وهكذا.. حتى يمتص هذا الجو كله المليء بالسلبيات والتعقيدات والمشاكل الصعبة. ثم ماذا بعد ذلك؟ فليهتد من يهتدي، أو فليضلّ من يضلّ، لأن ذلك ليس مشكلتك، بل هي مشكلتهم. فإذا أدّيت واجبك وقمت بمسؤوليتك، انتهى دورك {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} ونحن نتكفّل بهم وبحسابهم في كل ما قابلوك به من الإساءة، وفي كل ما تمرّدوا به على الله، {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين} وهي أساليبهم وخطواتهم وتسويلاتهم التي يتّخذونها وسيلةً لدفع الناس إلى الكفر أو الضلال، فإن الله يعيذ عباده المؤمنين من ذلك كلّه، إذا اهتدوا إلى الطريق المستقيم، وأصرّوا على السير فيه بقوّةٍ وإرادةٍ، ويبعد عنهم كلّ كيد الشياطين، {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} في كل مواقع الفكر والحركة والشعور والحياة.