تفسير القرآن
المؤمنون / من الآية 112 إلى الآية 118

 من الآية 112 الى الآية 118
 

الآيــات

{قاَلَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرض عَدَدَ سِنِينَ* قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ العادين* قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ* فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ* وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ* وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ الرَاحِمِينَ} (112ـ118).

* * *

الاستخفاف بالكافرين يوم القيامة

وتنتهي السورة بالحديث عمّن كفروا بالبعث وأنكروه، وتمردوا على الله وعلى رسله، وكانوا يرون الحياة في الدنيا فرصة لن تتكرر، ففاجأتهم القيامة بالواقع الجديد الذي يتحدى كل أفكارهم الكافرة العابثة.. وبدأ السؤال، في صيغة الاستخفاف بهم، في هذا الموقف الصعب الذي أثار فيهم مشاعر الدهشة والحيرة والمفاجأة، كما أوقع في قلوبهم الخوف والرعب، من خلال الأهوال التي يشاهدونها في يوم القيامة.

{قَلَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرض عَدَدَ سِنِينَ} لقد مرّت عليكم الحياة هناك، واستسلمتم لكل أوضاعها وعشتم مع كل لهوها وعبثها، فهل تحصون عددها؟ هل تحسّون بثقل الوقت الذي مرّ بكم، كما تحسُّون بثقل النتائج التي حصلتم عليها في ما قطعتموه من رحلة العمر في الدنيا، {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} لقد عشنا العمر حلماً سريعاً، لأننا كنّا مستغرقين في أجواء الغفلة فيه، فلم نشعر بطوله أو بقصره، إننا نتصوره تماماً كما لو كان يوماً واحداً أو بعض يوم، ولكننا مع ذلك لا نستطيع التحديد الدقيق له {فَاسْأَلِ العادين}، الذين كانوا يحصون أعمارنا.

{قال إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} في حساب الخلود الذي ينتظركم بالعذاب في الآخرة، فقد يكون تعداد سني عمركم كبيراً في الدنيا، ولكنه لا يمثل شيئاً في الآخرة، {لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُون}، ولكنّكم لم تعرفوا ذلك، لأنكم لم تشاءوا معرفته عبر ما منحه الله لكم من نوافذ المعرفة، ولو عرفتم قصر العمر في الدنيا، وسرّ الخلود في الآخرة، لعرفتم جيداً، ولوعيتم أن الدنيا هي ساحة المسؤولية في حركة الإنسان، في ما يقوم به من عملٍ، وأنّ الآخرة هي ساحة الحصول على نتائج المسؤولية، تماماً كما هو الزرع والحصاد.

* * *

الوقت.. حياة نابضة بالتطلع إلى الله

وبذلك كانت قضية الوجود لا تمثل حركةً في الفراغ ما بين عدمين، بل كانت حركةً يتحول فيها العدم إلى وجودٍ حيّ تتحرك فيه الرسالة وتعطيه مضموناً يبحث عن الله ليلتقي به، ويعبده، ويسير في الطريق الذي يوصل إلى رضوانه، بحيث يشكل فرصة الإنسان في الحصول على الخير كله في الآخرة.. وهذا ما يجب أن تفهموه، عندما تواجهون مسألة الوقت باعتباره عنوان الوجود، فهو ليس لحظات زمنية ضائعة في الفراغ، تبحث عمّن يستهلكها ويعيدها إلى العدم ضمن منطق اللاّمعنى واللاّمسؤولية، في ما يمثّله ذلك من معنى العبث، بل هو الحياة النابضة بالحركة التي تبحث عن مضمون فكري وروحي تتجسد فيه، لتحتفظ لنفسها بالخلود على أساس النتائج التي تعصر الزمن كله في حقيقةٍ إنسانية تلتقي بالله من موقع التوحيد والعبادة والطاعة في الدنيا، لتحصل على خلود الرضوان في الآخرة.

* * *

أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً؟!

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} في إنكاركم للآخرة الذي يعني إنكاركم للمسؤولية عن الدنيا كلها، ليكون الوجود مجرد حالةٍ ضائعةٍ في قبضة العدم، بعيدةٍ عن كل هدفٍ، بل هي في خيالكم تمثل اللاّهدف، واللاّمعنى، تماماً كمن يبني بيتاً ثم يهدمه، لتغيب كل ذرات حجارته في الرمال، لتعصف بها الرياح وتذروها في الفضاء. إن معنى ذلك أنكم تنسبون العبث إلى الله في خلقه عندما تجرّدون الحياة من نتائجها السلبية أو الإيجابية في الآخرة، عبر إنكاركم لليوم الآخر، كما لو كانت الحياة خلقت للعبث، {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} لنحاسبكم على أعمالكم في ما أسلفتموه منها من خير أو شر، ليكون ذلك هو سرّ الأسرار للحياة الدنيا..

{فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} الذي يحقّ الحق بكلماته ويزهق الباطل. وإذا كان الله هو الحق، فلا بد من أن يقيم الحياة على أساس الحق الذي ينطلق من خطة، ويتحرك نحو هدف، فكيف يمكن أن يكون خلق الإنسان بعيداً عن أهداف الآخرة في حسابها وثوابها وعقابها، {لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ} الواحد في ملكه وفي تدبيره {رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ}، في ما يمثله ذلك من معنى الحكمة والقوّة والعلوّ والرفعة المهيمنة على الكون كله، وعلى الإنسان كله.

* * *

لا فلاح للكافرين

{وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} وكيف يملك إنسان برهاناً على الشرك، والكون كله بجميع ظواهره وذراته دليل على التوحيد، وعلى بطلان الشرك كله؟! ولكن الغفلة قد تستولي على عقول بعض الناس فتبعدهم عن الارتباط بحقائق الألوهية، وتقودهم إلى الكفر، فمن يفعل ذلك {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} ولن يجد إلا النتائج المرعبة التي تقوده إلى الخسارة الدائمة.

{إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} الذين لا يملكون أرضاً من العلم والبرهان يقفون عليها، بل يعيشون الاهتزاز في الفراغ، فلا يصيرون إلى استقرار حتى يلاقوا النار وبئس القرار. وهكذا تنتهي السورة بالإعلان عن عدم فلاح الكافرين، مقابل ما ابتدأت به من حديث عن فلاح المؤمنين، لأن الإيمان في كل مفرداته هو سرّ الربح وسرّ النجاح، كما أن الكفر بكلّ ممارساته هو سرّ الخسارة وسرّ السقوط..

إن المسألة هي أن من التقى بالله في خط الإيمان والمعرفة والعمل فقد أدرك أسباب الفلاح، ومن لم يلتق به في حياته العامة والخاصة، في حركة الفكر والعمل، فقد أضاع فرصة النجاح في الدنيا والآخرة.

{وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ الرَاحِمِينَ} لأنك ترحم من موقع اللطف الذاتي، ولذلك فإن رحمتك تسع كل الناس، حتى الخاطئين.