من الآية 49 الى الآية 55
الآيــات
{قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْواءهمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ* وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُواْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ* أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرأونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنفِقُونَ* وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سلامٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} (49ـ55).
* * *
معاني المفردات
{وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ}: بيّناه آية بعد آية.
{مُسْلِمِينَ}: منقادين.
{وَيَدْرأونَ}: يدفعون.
{اللَّغْوَ}: ما لا فائدة فيه.
{لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ}: لا نخالطهم.
* * *
اتباع الهوى
لقد كانوا يتكلمون ويعارضون من موقع اللاّحجة، ولهذا كان الأسلوب الأمثل في مواجهتهم هو أن يُطلَق التحدي في وجوههم ليقفوا في موقف الحيرة التي تمثل حالةً من الضعف الذي يجعلهم حائرين مذهولين، {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ} إن الذي يكفر بكلا الكتابين، لا بد من أن يكون منطلقاً من وجهة نظر في معرفة عناصر الهدى في الفكر والمنهج والعمل، من خلال موازين الحق والباطل، فإذا كان رفضكم لكلّ منهما على أساس أن أيّاً منهما لا يمثّل الحق، فلا بد من أن يكون الحق في غيرهما، لأن الله لا يمكن أن يترك الساحة فراغاً من الحق. وهنا يفرض السؤال نفسه: أين الكتاب الآخر النازل من عند الله، في ما ينزل على عباده من الحق حتى نتبعه إذا ثبت لديكم أنه الأفضل والأهدى؟! {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في دعواكم، وفي منطقكم المثير، {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ} لأنهم لا يملكون الحجة على ما أنكروه، ولا يملكون المنطق في الاستجابة لما تطرحه عليهم، {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ} لأن الذي يتبع العقل لا بد من أن يتحرك في منطقه من موازينه الدقيقة، أمّا الذي يتبع الهدى، فهو الذي يتحرك من انفعالاته الذاتية الشهوانية، وهذا الذي يضعهم في مواضع الضلال.
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} لأنه لا يجد قاعدة يقف عليها، ولا ملجأ يلجأ إليه، ولا نهايةً ينتهي إليها في نهاية الطريق، بل يبقى في حالة ارتباك واضطراب، لأن هدى الله وحده هو الذي يثبِّت الأقدام وهو الذي يركِّز الخط الصحيح في الاتجاه السليم، وبدونه يقع الإنسان في قبضة الضلال الذي يظلم به نفسه، كما يظلم به غيره، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} لأنهم أغلقوا على عقولهم أبواب الهداية، ورفضوا الوحي القادم من الله الذي يهديهم إلى سواء السبيل؛ وبذلك كانوا رافضين للهدى النازل عليهم من الله.
{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} أي أنزلنا عليهم القرآن ـ وهو القول الإِلهي ـ موصولاً بعضه ببعض، متتابعاً لا انقطاع فيه، في تواصلٍ زمنيٍّ فكريٍّ بين الآية والآية، وبين السورة والسورة، في مضمون فكريٍّ روحيٍّ ينفذ إلى عمق العقل والحسّ والحياة، ويخاطب كل اهتماماتهم الفردية والاجتماعية، في ما يحبونه ويكرهونه ويحذرونه من مستوى حاضرهم ومستقبلهم، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} فلا يندفعون في عملٍ لا يعرفون صلاحه، ولا ينطقون بكلمةٍ لا يعرفون صدقها، أو ينطلقون في علاقةٍ لا يعرفون شرعيَّتها على أساسٍ من غفلتهم عن ذلك كله. فإن مشكلة الانحراف الإنساني في كثيرٍ من مظاهره، هي مشكلة الغفلة التي تحجب وضوح الرؤية في كثير من الأشياء، ما يؤدّي إلى الاستغراق في الشهوات والنوازع الذاتية، من دون التفاتٍ إلى النتائج السلبية المترتبة عليها على صعيد قضايا الدنيا والآخرة.
ولذلك كان الاهتمام القرآني باللمسات الروحية والفكرية التي تلامس العقل والروح والشعور، لتفتحها على الله من أوسع الآفاق. ولكن بعض الناس لا يواجهون القرآن بالاهتمام الجدّي، بل يواجهونه باللامبالاة في قراءته، وفي تدبّر معانيه، وفي استلهام وحيه في قضايا الحياة كلها، فيكفرون به، وبحقائق العقيدة والشريعة فيه، بينما نجد بعض الناس يؤمنون به من موقع الوعي المنفتح على كل كلمات الحقيقة فيه ـ وكلُّ كلماته حقيقةٌ ـ، كما نجد ذلك في بعض مؤمني أهل الكتاب الذين لم يرتبطوا بالكتاب من موقع الانتماء القائم على العصبية، بل من موقع الإيمان القائم على الاقتناع بالمضمون الروحي بالوحي النازل من الله، وعلى الالتزام العملي به في حياتهم الخاصة والعامة، ما يجعلهم ينطلقون بشخصيةٍ أخلاقيةٍ متينةٍ لا تهتز للانفعالات الطارئة، بل تثبت للحقائق الثابتة، فإذا رأوا داعيةً للحق ونذيراً بالوحي، أقبلوا عليه، ليستمعوا إليه بكل قلوبهم، ليعرفوا طبيعة الصدق لديه، ليتبعوه، وليؤمنوا به. وهذا ما يريده الله للناس كلهم في مسألة الإيمان بالرسالات وبالرسل. وهذا ما أشار إليه كنموذج حيٍّ في هذه الآية {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} لأنهم يعرفون صدقة من مقارنته بما يعرفونه من الكتاب، فيؤمنون به عن معرفةٍ عميقةٍ به. وقد يكون المقصود به بعض نماذجهم، وقد يكون المقصود به كل أهل الكتاب الذين يملكون علمه، كما ذكره بعض المفسرين، ولكن الأقرب هو الاحتمال الأول، لأن الواقع خلاف ذلك، باعتبار أن الكثيرين منهم قد كفروا به، وعاندوا الرسول.
{وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُواْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ} من خلال وضوحه في عقولهم، في ما فكَّروا به وناقشوه مع العالمين به. ويتابعون قولهم: {إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} لأننا نعرف حقائق الدعوة فيه، في ما نعرفه من تعاليم الأنبياء في الكتب المنزلة من قبله، وما تتضمنه من ملامح النبي القادم في آخر الزمان، ما يجعلنا نتطلع إلى ملامحه في الواقع، في ما عرفناه منها في الكتاب.
{أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ} لأنهم آمنوا، قبل أن ينزل عليهم وحي القرآن، بما أنزله الله من الكتاب على موسى(ع) وعيسى(ع)، ثم آمنوا بما أنزله على محمد(ص)، فصبروا على مشاكل التحدي أوّلاً، وثانياً.
{وَيَدْرَأونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} فيدفعون الكلمة الخبيثة بالكلمة الطيبة، والأسلوب القاسي بالأسلوب اللّين، ويواجهون الخلق السيّىء المتحرك في دائرة الجهل، بالخلق الحسن المتحرك في دائرة العلم، لأنهم ينطلقون من منطق الواقع الذي يوحي بأن الدخول في المشاحنات الكلامية، وفي ردود الفعل العملية، على أساس العصبية والانفعال، لا يؤدي ـ غالباً ـ إلى النتائج الإيجابية في إيمان الكافرين وفي إقناع المتمردين وفي انفتاح المتعصبين، بل يزيد الكافر كفراً، والمتمرد تمرداً، والمتعصب تعصباً، ويثير المشاعر في أجواء العداوة والبغضاء، مما يمكن أن يدفعه الإنسان بكلمةٍ حلوةٍ، وابتسامةٍ مشرقةٍ، وبأسلوبٍ متوازنٍ محبَّب {وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنفِقُونَ} فهم ينفقون مما أنعم الله عليهم، لأنَّ ما يملكونه هو لله تعالى {وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ} لأنه لا يحقِّق شيئاً للكمال الإنساني في فكره وعمله، بل يندفع بالكلام الباطل الذي لا جدوى منه ولا نفع فيه، مما تعارف عليه الناس في أوقات فراغهم من لغو القول، أو في ما يثيرونه في خلافاتهم من سقط الكلام من الهذر والسب والفحش وخشونة القول، مما يدخل معه الإنسان في متاهات روحيةٍ واجتماعيةٍ. ولذا يبادر هؤلاء المؤمنون إلى مجابهة اللاّغين الذين يريدون أن يجروهم إلى معركةٍ كلاميةٍ أو إلى مشادّةٍ ذاتية، بإغلاق الملف كله، بالإعراض عن كل ما سمعوه من اللغو الباطل..
{وَقَالُواْ لَنا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} فليتحمل كل واحدٍ منا مسؤولية عمله، وليرض بنتائجه الإيجابية والسلبية، فلن يحاسب أحدٌ منا على عمل الآخر، إلا إذا قصّر في هدايته، مع تمكنه من ذلك، ولنترك الحديث الدائر بيننا إذا كان يؤدي إلى مشاجرةٍ ومباغضةٍ، من دون فائدةٍ أو حاجةٍ إليه.
* * *
الافتراق على سلام
{سَلامٌ عَلَيْكُمْ} وتلك هي التحية المفتوحة على العلاقة الإنسانية، التي يبسط فيها الإنسان الأمن من جانبه للإنسان الآخر، فيُصدقه القول، بأنه سيمارس معه علاقة السلام، فلا يعتدي عليه في أيّ شيءٍ مما يحترمه الناس في حياتهم الخاصة من نفس أو مالٍ أو عرضٍ..، وهذا هو أبلغ الأساليب في إنهاء العلاقة، بالافتراق على كلمة السلام التي تجعل كل واحد آمناً على حياته عندما ينفصل عن اللقاء بالآخر، فلا يحمل همّاً لعدوانٍ مقبل، ولا يفكر بنوازع البغضاء. ولذلك جعلها الإسلام التحية التي تبدأ العلاقة بروح السلام، وتنهي الموقف المعقَّد بروحيته أيضاً، {لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} ولا نريد أن نعقد بينهم علاقة صداقة، أو باب معاشرةٍ، بل نريد أن نبتعد عنهم حتى لا نستغرق في جهلهم، فنكون مثلهم، وذلك هو الخلق العظيم.
تفسير القرآن