تفسير القرآن
العنكبوت / من الآية 12 إلى الآية 13

 من الآية 12 الى الآية 13

الآيتـان

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ اتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ* وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} (12ـ13).

* * *

معاني المفردات

{أَثْقَالِهِمْ}: الأثقال: جمع ثقل، والمراد بها هنا الأوزار، والثقل في الأصل: متاع البيت، يقال: ارتحل الناس بثقلهم وثقلتهم، أي بأمتعتهم.

* * *

من أساليب الكفار الخادعة في إضلال المؤمنين

وهذا أسلوبٌ خبيثٌ من أساليب الكفار في إضلال المؤمنين في محاولة خداعهم وفتنتهم عن الخط الإسلامي الأصيل، فقد كانوا يعملون على مواجهة حسّ المسؤولية الذي يعيش في مشاعر المسلمين، فيدفعهم إلى الإيمان خوفاً من عقاب الله في الآخرة، في ما يستتبعه الكفر، الذي هو من أعلى أنواع الخطيئة، من ذلك. فيقولون لهم: إذا كان هناك من مسؤوليةٍ في الآخرة فإننا نتحمّلها عنكم، فلا تحملوا همّاً من هذه الجهة، إذا سرتم معنا، وعملتم عملنا، فإن النتيجة ستتساوى بالنسبة إليكم لو كان الحق معكم أو كان معنا.

وهذا الأسلوب لا يقتصر في تحريكه على هذا الجانب، بل قد يمارسه الكثيرون ممّن يريدون أن يقودوا الناس إلى ارتكاب بعض الأعمال التي قد تكون محرّمةً، أو السير في بعض الأوضاع أو العلاقات التي قد لا يرضاها الله، فيقولون لهم: اعملوا هذا العمل على ذمتنا وتصرّفوا في هذا الوضع أو ذاك على مسؤوليتنا، وذلك من أجل مقاومتهم في الامتناع خوفاً من عقاب الله، أو من المسؤولية أمام بعض الجهات المسؤولة. فما هو موقف الإسلام من ذلك؟

هل للإنسان الاعتماد على هذا؟ وما هي طبيعة الموقف منه؟

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ اتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا} في الكفر أو الشرك واتركوا سبيل الإيمان والتوحيد {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} إذا كان هناك في الأمر خطيئةٌ، في ما تزعمونه أو تخافونه من ذلك في أنفسكم، تبعاً لتخويف الآخرين ممن يدّعون النبوّة، فلا مشكلة عندكم في ذلك، لأن الحق إذا كان لنا، فلا مسؤولية ولا من يسألون، وإذا كان الحق لكم فإننا سوف نحمل ذلك عنكم، مهما كانت الأوضاع والنتائج.

* * *

كل يحمل خطاياه لوحده

{وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ} لأنهم لا يملكون الأمر في الآخرة عندما يكون الحق في جانب المؤمنين، بل الله هو المالك لذلك كله،

فهو الذي يعذب الكافرين بناره، وهو الذي يؤمّنهم من ذلك، إذا كان للأمان موقعٌ في أمرهم. أمّا هؤلاء الكافرون، فليس لهم من الأمر شيءٌ في أنفسهم، في ما يملكونه من مواقع القدرة، ولم يأذن لهم الله في ذلك، ليعتمدوا في تحمّل مسؤولية الآخرين على إذن الله. وهذا هو الجواب نفسه لكل الأشخاص الذين يخاطبون الناس بتحمّلهم للأعمال أو الأوضاع التي يطلبونها منهم، في ذمتهم، أو مسؤوليتهم، فهم لا يملكون من الأمر شيئاً ليدخل ذلك في عهدتهم، ولم يعطهم الله الإِذن فيه.

{إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في ما يدّعونه من هذا الموقع لأنفسهم ولكلمتهم، وفي وعدهم لهؤلاء، لأنهم يعلمون من أنفسهم أن ذلك امرٌ لا حقيقة له.

* * *

حمل أثقالهم وأثقال من أضلوهم

{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ} في ما يحملهم الله من مسؤولية هذا الكلام، ومن التسبّب في إضلال هؤلاء البسطاء الذين قد يتبعونهم في ما يخدعونهم به {وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} في ما يقومون به من ذنوب وجرائم في حياتهم الخاصة والعامة، فلا يجدون أيّة قوّة لأنفسهم، ولا يجدون لغيرهم مثل ذلك {وَلَيُسْألُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} مما يتصل بعملهم في ما يكفرون ويشركون ويعصون، ومما يتصل بعمل الآخرين في ما يضللونهم بالإغراء أو بالترهيب.