من الآية 28 إلى الآية 35
الآيــات
{وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ* أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ* وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ* قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِرِينَ* وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرينَ* إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ* وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (28ـ35).
* * *
معاني المفردات
{نَادِيكُمُ}: النادي والنديّ المجلس إذا اجتمعوا فيه، وتنادى القوم: اجتمعوا في النادي.
{الْغَاِبرِينَ}: الهالكين.
* * *
لوط في خط الرسالة من البداية الى النهاية
ويعيد إلينا القرآن قصة لوط ليثير أمامنا بلاءه في قومه، وفتنة قومه، في حركة غرائزهم نحو الشذوذ الجنسي المذكَّر، وسقوطهم في الامتحان، بامتناعهم عن الانفتاح عليه في رسالته، وعن التجاوب معه في الابتعاد عن الفاحشة في مجتمعهم، ليكونوا قوماً مؤمنين أطهاراً في الحياة.
* * *
فحش قوم لوط
{وَلُوطاً} أي اذكر لوطاً، أو أرسلنا لوطاً {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحشَةَ} في ما تأتونه من اللواط {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالمِينَ}، فقد ابتدعتم هذا النوع من الشذوذ باستغراقكم في غرائزكم الحيوانية، واهتمامكم بها في محاولةٍ لتطويرها بطريقةٍ لا تخدم الحياة، ولا تنسجم مع طبيعتها الروحية والعملية، وابتعادكم عن الانطلاق مع الآفاق الواسعة للحياة التي يستكشف فيها الإنسان عظمة الله في الكون، فيزداد معرفةً به وإيماناً بعظمته، فيقترب بذلك من مواقع طاعته، كما يبتدع فيها، بإلهام من ربه وهدايةٍ منه، كل الوسائل التي تخدم الإنسان في الحياة في ما ييسره من شؤونها وأدواتها، {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} من دون النساء {وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ} أي الطريق.
* * *
تفسير قطع السبيل
وقد فسر قطع السبيل، بأن المراد به قطع طريق التناسل أو إهماله، وهو الطريق الذي جعله الله سبباً للتناسل من خلال إتيان النساء، وذلك على سبيل الكناية عن الإعراض عن النساء وترك نكاحهن، وقيل: إن المراد به قطع سبيل المارة بديارهم، وكانوا يرمون ابن السبيل بالحجارة بالخذف، فأيّهم أصابه كان أولى به، فيأخذون ماله وينكحونه ويغرمونه ثلاثة دراهم، وكان لهم قاضٍ يقضي بذلك.
ولعل الوجه الثاني أقرب لظهور اللفظ في ذلك، ولعدم تعارف التعبيرعن ترك نكاح النساء بذلك، وعدم تبادره إلى الفهم العرفي حتى على نحو الكناية، مع ملاحظة أنهم لم يكونوا تاركين لنكاح النساء بحيث تحوَّلت المسألة عندهم إلى شذوذٍ جنسيٍ معقّد رافض للوضع الطبيعي بشكل مطلق، بل كل ما هناك أنهم يشتهون الوضع المذكر ويمارسونه، مما لا يؤدي إلى قطع التناسل. ويؤيد هذا القول ما رواه العديد من أصحاب الجوامع عن أم هاني بنت أبي طالب، ولفظ الحديث: «قالت: سألت رسول الله(ص) عن قول الله: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} قال: كانوا يجلسون بالطريق فيخذفون ابن السبيل ويسخرون منهم»[1].
ولعل الحديث وارد لتفسير الفقرة الأولى «وتقطعون السبيل»، لأن لفظه يتناسب معها ولا يتناسب مع الفقرة الثانية؛ والله العالم.
* * *
إيتاء المنكر في النادي
{وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} فقد كانوا ـ على ما يبدو ـ يجتمعون في مجلسهم الذي يلتقون فيه، بصفتهم الاجتماعية، فيمارسون الفحشاء، أو يقومون ببعض مقدماتها بطريقةٍ علنيّة، وبذلك تكون الفقرة تأكيداً لما تقدّم، من جهة الحديث عن إتيانهم المنكر، وبياناً لحدوث ذلك في النادي العام.
وقيل: المراد بإتيان المنكر في النادي، أن مجالسهم كانت تشتمل على أنواع المنكرات والقبائح، مثل الشتم والسخف والقمار وخذف الأحجار على من مرّ بهم وضرب المعازف والمزامير وكشف العورات واللواط ونحو ذلك.
والظاهر أن لوطاً كان يريد إثارة الإنكار عليهم في ذلك كله، ليقودهم إلى الحوار، ليؤدي ذلك إلى تحليل الأمور بطريقةٍ عقلانيةٍ من جهة، وإلى تخويفهم من المصير الذي ينتظرهم من عذاب الله في الدنيا والآخرة من جهةٍ أخرى، على ما هي الطريقة المألوفة في خط الأنبياء، من تحريك العقل نحو التفكر، وتحريك الشعور نحو الخوف، ليتوازن في شخصية الإنسان الجانب العقلي مع الجانب الشعوري، لأن ذلك هو سبيل التكامل في حركة الإنسان.
* * *
رفض قوم لوط الدعوة
ولكن قومه كانوا مستغرقين في غرائزهم، بحيث استطاعت أن تغلق نوافذ الفكر وتثير في عقولهم دخاناً من الشهوة المحترقة التي لا يطيقون الابتعاد عن نارها. ولذلك فقد رفضوا الحوار، وسخروا من دعوته، وتحدّوه بأن يفعل ما يريد، وهم يعتقدون أنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، فضلاً عمّا يريد، لما يرونه من ضعفه، لأنه لا يملك قوّةً فيما بينهم {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّه} إذا كنت تهددنا به {إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} في دعواك الرسالة، وفي ارتباطك بالله بالمستوى الذي يستجيب فيه لطلباتك في عذابنا.
* * *
دعاء لوط بالنصر
{قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ}، وهكذا التجأ إلى الله عندما واجهوه بكلمة التحدي التي يريدون من خلالها تحطيم موقعه بإظهار ضعفه وعدم قدرته على تنفيذ ما هدّد به، وهو يعرف أنه لا يملك القدرة الذاتية على ذلك، فليس له إلا الرجوع إلى الله، والاستنصار به. وهذا هو ما ينبغي للمؤمنين العاملين في سبيل الله أن يعيشوه في مجالات الصراع العنيف بينهم وبين الكافرين والظالمين، فلا يستسلموا للضعف الذاتي، بل يعملوا على استنزال القوة والنصر من الله ـ سبحانه ـ ليكون لهم ذلك، منطلقاً للأمل، وحشداً للقوّة النفسية.
واستجاب الله دعاءه، ولكن كان من المفروض إعلام إبراهيم، لأن لوطاً ـ على ما يبدو ـ كان مرسلاً، من خلاله.
* * *
إعلام إبراهيم بإهلاك قوم لوط
{وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرَى} بأن الله سيرزقه ولداً ـ بعد وقت طويل ـ {قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} التي يسكنها لوط، وربما كانت الإشارة إليها بكلمة «هذه» التي تدل على الإشارة إلى القريب، دلالةً على قربها من مكان إبراهيم في الأرض المقدسة، {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ} وتحول ظلمهم الى خطر عليهم وعلى الناس، فاستحقوا العذاب بذلك.
{قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً} فإذا كانوا ظالمين، فإن لوطاً ليس منهم، فكيف ينزل العذاب عليها وهو فيها، فإن عذاب الله إذا نزل على أهل بلد شمل الجميع، فلا ينجو منه أحد {قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا} فقد عرفنا وجود لوط، وقد خطَّطنا لإخراجه منها مع أهله ـ ما عدا امرأته ـ قبل إنزال العذاب، فإن الله قد أنزل العذاب عليهم لاستحقاقهم ذلك ولتمّردهم على لوط واستخفافهم به، ولاستجابة دعائه بالنصرة عليهم، فكيف يناله العذاب، {لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} الهالكين الذين يضمُّهم غبار الموت لأنها كانت مؤيدةً لقومها ضد لوط.
* * *
هل كان إبراهيم يعلم أن لوطاً لن يعذب؟
وهناك لفتةٌ جيدة، ذكرها صاحب تفسير الميزان في تفسير كلام إبراهيم للملائكة {إِنَّ فِيهَا لُوطاً} قال: إن إبراهيم(ص)، لم يكن ليجهل أن الله سبحانه لا يعذب لوطاً وهو نبيٌّ مرسل، وإن شمل العذاب جميع من سواه من أهل قريته، ولا أنه يخوّفه ويذعره ويفزعه بقهره عليهم، بل كان ـ5 ـ يريد بقوله: {إِنَّ فِيهَا لُوطاً} أن يصرف العذاب عن أهل القرية كرامةً للوط لا أن يدفعه عن لوط، فأجيب بأنهم مأمورون بإنجائه وإخراجه من بين أهل القرية ومعه أهله إلا امرأته كانت من الغابرين.
والدليل على هذا الذي ذكرنا قوله تعالى في سورة هود في هذا الموضع من القصة: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا في قَوْمِ لُوطٍ* إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيب* يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود:74ـ76] [2].
وقد نلاحظ على ذلك، أن الآية لا يظهر فيها ما ذكره، ولهذا كان جواب الملائكة بياناً لمصير لوط، لا لمناقشة مصير قومه، كما ذكر في سورة هود، ولا مانع من أن يكون إبراهيم(ع) قد أثار مصير قوم لوط معهم، كما أثار مصير لوط، انطلاقاً من النظرة السريعة للموقف على أساس الإعلان المفاجىء عن تعذيبهم، تماماً كما كان رد فعله السريع على البشارة، باستغراب ذلك واستبعاده، وليس من الضروري أن يكون النبي مستحضراً في نفسه لكل الأمور المتصلة بالأحداث، بحيث يفقد عنصر المفاجأة في كل شيء، فقد تكون فكرة هلاك لوط مع قومه واردةً على أساس أن الأمور التكوينية لا تفرّق في بلاء الدنيا بين الصالحين وغيرهم، والله العالم.
وقد جاء في الكافي ما ربما يؤيد التفسير السابق الذي ناقشناه، بإسناده عن أبي زيد الحماد عن أبي عبد الله «جعفر الصادق(ع)» في حديث نزول الملائكة على إبراهيم بالبشرى قال: فقال لهم إبراهيم: لماذا جئتم؟ قالوا: في إهلاك قوم لوط فقال لهم: إن كان فيها مائة من المؤمنين أتهلكونهم؟ فقال جبرئيل لا، قال: فإن كان فيها خمسون؟ قال: لا. قال: فإن كان فيها ثلاثون؟ قال: لا، قال: فإن كان فيها عشرون؟ قال: لا. قال: فإن كان فيها عشرة؟ قال: لا. قال: فإن كان فيها خمسة؟ قال: لا. قال: فإن كان فيها واحد؟ قال: لا. قال: فإن فيها لوطاً؟ قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينّه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. قال الحسن بن علي(ع): لا أعلم هذا القول إلا وهو يستبقيهم وهو قول الله تعالى: {يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}[3].
* * *
نزول العذاب على قوم لوط
{وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} فقد كانت زيارتهم له في مستوى المشكلة الكبيرة الصعبة التي تواجهه، في موقف لا يملك فيه القوّة، لخوفه من الاعتداء عليهم من قِبَل قومه، لأنهم جاؤوا في صورة شبان حسان الوجوه، كما يقولون، وهو لا يستطيع الدفاع عنهم، ما أوجب ضيق صدره وطاقته عن الاحتمال، ومساءته في نفسه، ولم يتركوا له المجال الطويل ليعيش هواجسه الخائفة القلقة الحزينة.
{وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرينَ* إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ السَّمَآءِ} أي عذاباً من السماء {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} ليكون ذلك جزاءً لهم على فسقهم وفسادهم الذي تجاوزوا به الحدّ. وهكذا كان، وأغلق الستار على هذه الحادثة، وهؤلاء القوم، ليعودوا مجرد ذكرى تثير العبرة وتدعو إلى التفكير.
{وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ويقودهم العقل إلى الفكرة التي تحذّر الناس من بلاء الله وعذابه إذا امتدوا في طريق الكفر والفساد، لأن الله لا يريد للمفسدين أن يعيثوا في الأرض فساداً على امتداد الزمن، فقد يأتيهم العذاب من حيث لا يحتسبون ولا يشعرون.
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الميزان، ج:16، ص:132.
(2) تفسير الميزان، ج:16، ص:128.
(3) تفسير الميزان، ج:16، ص:132.
تفسير القرآن