من الآية 36 الى الآية 40
الآيــات
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَارْجُواْ الْيَوْمَ الآخر وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ* فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ* وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ* وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُواْ فِي الأَْرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ* فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الاَْرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (36ـ40).
* * *
معاني المفردات
{الرَّجْفَةُ}: الرّجف: الاضطراب الشديد.
{جَاثِمِينَ}: الجثم والجثوم في المكان: القعود فيه، وهنا كناية عن الموت.
{حَاصِباً}: الحاصب: الريح العاصفة التي فيها الحصباء، وهي الحصى الصغار.
* * *
وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
ويتابع الله الحديث عن الأمم التي عاشت البلاء ووقعت في الفتنة وعن بعض الشخصيات القلقة التي سقطت في الامتحان، فأنزل الله عليها العذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة.
* * *
نبي الله شعيب
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ} وحده، ولا تشركوا به شيئاً {وَارْجُواْ الْيَوْمَ الآخر} في أقوالكم وأعمالكم وأوضاعكم وعلاقاتكم، ولا تستغرقوا في الدنيا في ما ترجونه من شهواتها ولذّاتها وأرباحها، لأن رجاء الدنيا سوف ينقلب إلى يأسٍ وخيبة أمل، أمّا رجاء الآخرة، فهو الرجاء الباقي الذي تتصل نتائجه بالله القادر على كل شيء، المهيمن على الدنيا والآخرة.
{وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الاَْرْضِ مُفْسِدِينَ} في ما تقومون به من إفساد البلاد والعباد في قضاياهم العامة والخاصة، ولا سيّما في إفساد التوازن الاقتصادي في نقص المكيال والميزان. وهكذا نجد أنّ الأنبياء يركزون في دعوتهم على التوحيد والإيمان باليوم الآخر، والامتناع عن إفساد الأرض، بإخلال توازنها الاجتماعي والفكري والاقتصادي والأمني. فهم يتحدثون عن الخط العريض للمبدأ، حتى في مواقع التفاصيل الصغيرة للفساد، ليبقى المبدأ متحركاً مع التفاصيل، حتى لا يفقد روحه، ويبتعد عن هدفه.
{فَكَذَّبُوهُ} لأنهم لا يريدون للرسالة أن تغير واقعهم القائم على الامتيازات الطبقية والاستغلال الاقتصادي والانحراف الروحي عن خط الله، ولهذا فإن المسألة عندهم لا ترتكز على أساس القناعات الفكرية للرسالة من حيث قبولهم بها أو رفضهم لها، بل ترتكز على أساس المصالح الذاتية التي يخضع لها الموقف وتنطلق بها الحركة. ولذلك فقد كان تكذيبهم لشعيب تكذيباً طبقياً لا فكرياً، فكان جزاؤهم من الله العذاب في الدنيا قبل الآخرة، لأنهم لم يرتبطوا به وبرسله من قريب أو من بعيد. {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} في ما أوقعه الله بهم من الزلزال الذي لا يسمح لهم بالتقاط الأنفاس، حتى أصابهم الانهيار والاختناق من جرّاء ذلك، {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي قاعدين من دون حراك، وهو كناية عن الموت. وربما كانت الرجفة المذكورة في هذه الآية ناشئة من الصيحة التي زلزلت كيانهم فأسكنت قلوبهم عن الحركة، وذلك من خلال الآية الكريمة {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ في دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود:94] لأن الصيحة المدوّية قد تكون سبباً في الرجفة التي تؤدي إلى الموت .
{وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} كيف أوقعنا الهلاك بهم فبادوا.
{وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} في ما أثاره في عقولهم من تحسين القبيح وتقبيح الحسن، فلم يملكوا توازن النظرة إلى الأشياء، وخيّل إليهم أن القوّة تعني الحق، وأن الضعف يعني الباطل، وأن مواقع القوّة البدنية والاقتصادية تمنح الأقوياء الحق في السيطرة على الضعفاء، والاستكبار على الرسالة وأصحابها. وهكذا ابتعد بهم الشيطان في وسوسته وتثبيطه وكيده ومكره وحبائله، عن الله وعن رسله، في ما دعوا إليه، وفي ما جاهدوا من أجله، {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} المستقيم الذي ينطلق من الله في عمق الفطرة وصفاء الروح {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ} قبل ذلك، في ما كانوا يعيشونه من وحدانية الله وعبادته.
* * *
مصير المستكبرين
{وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} الذين كانوا يمثلون مراكز القوى المالية والسياسية التي أفسحت لهم المجال في السيطرة الواسعة على الناس، {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَى بِالْبَيِّناتِ} ليهديهم إلى الله وإلى صراطه المستقيم، {فَاسْتَكْبَرُواْ فِي الاَْرْضِ} ودفعهم استكبارهم إلى إنكار الحق، والتعالي على الناس، والتمرد على الرسل، وحاولوا أن يدافعوا بقوتهم، ليبطلوا الرسالة، ويهزموا الرسول، ويطفئوا نور الله، ولكنهم لم يستطيعوا ذلك، فقد أخذهم الله بعذابه {وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ} أي غالبين في ما يمثله السبق من الغلبة على سبيل الكناية.
{فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} وهي الحجارة، التي أنزلها الله على قوم لوط، أو الريح التي تقذف بالحصى، التي أرسلها الله على عاد {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ} وهم قوم ثمود وقوم شعيب {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الاَْرْضَ} وهو قارون {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} وهم قوم نوح، وفرعون وهامان وقومهما.
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} لأن الله لا يظلم أحداً، فإن الضعيف هو الذي يحتاج إلى الظلم، ليأخذ ما ليس له بحق، أو ليدفع عن نفسه ضرر الآخرين، أمّا القويّ، فإنه يستطيع أن يصل إلى ما يريد دون أن يخاف من أحد، لأن وجود الآخرين لا يضايق وجوده في قليلٍ أو في كثير. وقد حذّرهم الله وأنذرهم بعقابه، في ما أنزله على رسوله، فلم يظلمهم بعد إقامة الحجة عليهم {وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} لأنهم ابتعدوا عن الحق وأهله، فاستحقوا العقاب.
تفسير القرآن