تفسير القرآن
العنكبوت / من الآية 47 إلى الآية 52

 من الآية 47 الى الآية 52
 

الآيــات

{وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِايَاتِنَآ إِلاَّ الْكَافِرونَ* وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ* بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بَايَاتِنَآ إِلاَّ الظَّالِمُونَ* وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الاَْيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ* أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالاَْرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (47ـ52).

* * *

كتاب الله.. آيات بيّنات ورحمة للمؤمنين

{وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتابَ} على الطريقة التي أنزلناه فيها على من قبلك من الأنبياء، على أساس توحيد الله وإسلام الفكر والقلب والوجه واليد واللسان {فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} من خلال الحقائق التي توحّد بين الكتابين وتدلّل على صدقه، كوحيٍ نازل من الله. وبذلك يكون الإيمان به طبيعياً في حياتهم، بحيث يكون التمرد من قبلهم، تمرّداً على قناعاتهم الداخلية في خط الانفعال على سبيل المكابرة للحق والتعصب للباطل. {وَمِنْ هَـؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ} ولعلها إشارة إلى المشركين الذين انفتحت قلوبهم على إشراقة الحق في آياته {وَمَا يَجْحَدُ بايَاتِنَآ إِلاَّ الْكَافِرونَ} المتمردون الجاحدون الذين أُغلقت أبصار قلوبهم، فلم يروا أمامهم ملامح الحقيقة في ما يقرأونه ويسمعونه من الكتاب، أو الذين تعقّدوا واستكبروا فأنكروا الحق عناداً واستكباراً وانغلاقاً على ذواتهم في دائرة أنانيتهم.

* * *

نفي كون القرآن، من خط النبي(ص)

{وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ} فلم يعرف أحد منك في تاريخك السابق على الرسالة، أنك كنت تقرأ الكتب الدينية أو غيرها {وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} ولم يُعرف عنك الكتابة لما تفكر به، أو تسمع به، لأنك لم تتعلم ذلك من أيّ شخص، بل كنت ـ كغيرك من أبناء قومك ـ أميّاً لا تمارس القراءة والكتابة، وقد أراد الله أن يبعثك نبيّاً أمّياً، يبدع الرسالة من وحي الله، ويبلغها للناس، ليعرفوا أنها وحيٌ من الله، وليست فكراً بشرياً، لأن النبيّ الذي جاء به لا يمكن أن يكون ناقلاً له من كتابٍ رساليٍّ سابقٍ، لأنه لا يقرأ الكتب، ولا كاتباً له من إملاء شخص آخر، لأنه لا يكتب. ولو كان الأمر على العكس من ذلك {إِذاً لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} الذين يخوضون في الباطل، ليفرضوه على الحياة، من موقع الرغبة في تأكيد الأكاذيب لمصلحتهم الذاتية، وقالوا إنه قارىءٌ كاتبٌ، فقد يكون استغلَّ جهلنا بالرسالات في ما نزلت به التوراة والإنجيل، فنقل عنهما ما أراد، وادّعى الرسالة على هذا الأساس.

ولكنهم لم يجدوا سبيلاً إلى هذا القول، لأن النبي لم يكن شخصاً منعزلاً عن قومه ليجهلوا طاقاته الثقافية، ولم يكن بعيداً عن مجتمعهم، بل كان قريباً إلى حياتهم، ولهذا كان مستودع أماناتهم، ما يجعل العلاقة بهم علاقةً مستمرة. وإذا كانت له بعض الفترات التي يغيب فيها عنهم ليفكر ويتأمل في غار حراء، فهي لم تكن بالحجم الذي ينفصل به عن مجتمعه. ولهذا فقد قرأ هذه الآية على قومه، ولم يستنكرها عليه أحد، إذ لو كانت غير حقيقية في مضمونها، لوجد فيها الكافرون فرصةً لتكذيبه والرّد عليه، باعتبار أنهم يعرفون تاريخه وملكاته من خلال معرفتهم بكل أوضاعه وخفاياه.

ولعل هذا الجانب التاريخي الذي رافق حركة هذه الآية المكيّة في مجتمع المدينة، هو الردّ على الكثيرين الذين ينكرون صدق القرآن في هذه القضية، ممن لا يؤمنون بالقرآن كرسالةٍ إلهية، فإن غياب أيّ اعتراض من جانب مجتمع النبي الذي كان يبحث عن أيّ شيء، مهما كان نوعه، يدل على أن المضمون هو الحقيقة التي لا يأتيها الباطل من أي مكان.

* * *

القرآن آيات بينات

{بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} فهم يعرفون روعته وعمقه، ويحفظونه من الضياع، وذلك في ما يفهمونه منه ويبلغونه من معانيه، وبذلك لا يقتصر حفظه على الكتابة، بل يمكن أن يحفظه هؤلاء الذي يحملونه في صدورهم، كعلمٍ يختزنونه فيبلغونه للآخرين. وقد ذكر بعض المفسرين أنه إضراب عن مقدّر يستفاد من الآية السابقة، كأنه لما نفى عنه(ص) التلاوة والخط معاً، تحصّل من ذلك أن القرآن ليس بكتاب مؤلّفٍ مخطوط، فأضرب عن هذا المقدّر بقوله: بل هو ـ أي القرآن ـ آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وربما يكون بياناً لما يمثله الكتاب في صدور أهل العلم من وضوح دلائله في مفاهيمه وإيحاءاته، في مقابل المبطلين الذين يجحدونه، لأن أخذهم بأسباب العلم يجعلهم في موقع الواعين له، المرتبطين به، فلا يهملونه ولا يجحدونه، {وَمَا يَجْحَدُ بَِايَاتِنَآ إِلاَّ الظَّالِمُونَ} الذين ظلموا أنفسهم بالكفر وبالشرك، فعاشوا في غيبوبةٍ بليدةٍ عن مواقع الوعي، فلم ينفتحوا على آيات الله، بل واجهوها صمّاً وعمياناً وجحدوها من خلال العُقدة المستحكمة في نفوسهم، لا من خلال الفكر الذي يملك برهان الرفض.

* * *

نزول الآيات من عند الله

{وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيات مِّن رَّبِّهِ} كما أنزل على سائر الأنبياء، كموسى الذي أنزل الله عليه معجزة العصا واليد البيضاء، وعيسى الذي أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله. وهكذا فإن النبي لا بد له من آية بيّنةٍ تقلب النظام المألوف للأشياء. {قُلْ إِنَّمَا الاَْياتُ عِندَ اللَّهِ} فليست من قبيل اقتراح يطرح عليه، بل هي نوع من التدبير الإِلهيّ الذي يستقل به الله في كل المواقف والذي يرى فيه الحكمة والمصلحة للعباد، كما في الحالات التي لا يملك النبي فيها أن يدخل إلى المجتمع إلا من خلال القوة غير المنظورة التي تجعله في خط المواجهة القوية للقوى النافذة في مواقع السلطة ذات التأثير الكبير على الناس. وبذلك تكون المعجزة رداً للتحدي من ناحيةٍ وقائيةٍ أو دفاعية، وتمهيداً لحركة الرسالة من موقع قوّة، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى ذلك في بدايتها، وليست أسلوباً من أساليب إثبات الرسالة التي يراد للعقل أن يقتنع بها من خلال معطياته العامة. ولذلك كان جواب الرسول محمد(ص) في ما أراده الله أن يجيب به قومه، أنه لا يملك الآيات الخارقة للعادة، وليس من مهمته أن يقدمها للناس لتكون جزءاً من رسالته، بل هي تابعةٌ للإرادة الإِلهية وللتدبير الإِلهي في ما يراه الله سبحانه من الحكمة والمصلحة. {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} لأنذركم بالنتائج الصعبة التي تنتظركم في ما تتحركون به في اتجاهها، ولأُحاول إقناعكم بالأفكار والمبادىء التي أوحى بها الله إليّ، لتكون حياتكم خاضعةً لها في مفاهيمها وحركتها في إطار العمل والمواقف والعلاقات.

* * *

الكتاب حجة بذاته

{أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فهو الدليل على حقائق الإيمان، في إعجازه الذي لم يستطع أحد أن يواجه تحديه، ولو بالإتيان بسورةٍ من مثله، وفي مناهجه التي تحترم العقل وتقود إلى التفكير، وتتحرك في ضوء المنهج العقلي والتجريبي، لتكون المعرفة هي الأساس في حركة العقيدة في داخل الشخصية، سواءٌ في ذلك معرفة الله ومعرفة الرسول ومعرفة الإنسان في فكره وحياته وتشريعاته التي تتصل بالمبادىء العامة للحياة، وبالجانب التفصيلي لكل مفرداتها الصغيرة والكبيرة، في ما يوحي بالتوازن الدقيق في ما هي مصلحة الفرد والجماعة، وحركة الروح والمادة، في الخط الواقعي الذي لا يقترب من المثال ولكنه لا يلغيه من حساباته الروحية، وفي أساليبه التي يحركها بالحكمة والجدال بالتي هي أحسن، والدفع بالتي هي أحسن، والانفتاح على روح الإنسان وعقله في حركة العلاقات في دائرة الصراع، ثم هو قبل كل شيء وبعد كل شيء، الروح الصافية العميقة المنفتحة التي ترى الله في كل شيء، وتتعامل معه على أساس أنه كل شيء في الحياة، فلا شيء إلا وهو خالقه، ولا نعمة إلا وهي منه، ولا حمد إلا وهو مستمد من حمده، ولا إله إلا هو، وهو أكبر من كل شيء، وبذلك تتوحد العقيدة في وحدانيته، وتتجه الحياة كلها إليه من موقع الوحدانية {إِنَّ فِى ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} الذين يعرفون قيمته في إصلاح نفوسهم وحياتهم في ما يفتح قلوبهم على الإيمان بربهم الذي يرحمهم في كل ما يؤدي بهم إلى الفلاح والنجاح، أمَّا غير المؤمنين، فإنهم لا يتقبلون الرحمة الإلهية، بل يرفضونها برفضهم للإيمان بالله الذي يفتح أمامهم كل أبواب الخير في الدنيا والآخرة.

* * *

كفى بالله شهيداً

{قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} فهو الذي يشهد لي بأني قد صدقت في ما بلغته عنه، وهو الذي يُظهر الحق الذي أحمله في وحيه المنزّل، بكل وسائله الخفية والظاهرة، وليست المشكلة أنكم تكذبونني، فإن ذلك سوف يسقط في المستقبل أمام قوّة الدعوة، ولن يضعفني ذلك ما دام الله معي، وهو الشاهد على الأمر كله {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ} فلا يخفى عليه شيء فيهما، وقد أحاط بكل شيء علماً {وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِالْبَاطِلِ} ولم يرتكزوا في إيمانهم على عقيدةٍ، بل انطلقوا فيه مع الشهوات والأهواء {وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ} لأنهم أغلقوا عيونهم عن دلائل وجوده وتوحيده {أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة.