تفسير القرآن
العنكبوت / من الآية 56 إلى الآية 60

 من الآية 56 الى الآية 60

الآيــات

{يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ* كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ* وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ* الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}          (56ـ60).

* * *

معاني المفردات

{لَنُبَوِّئَنَّهُمْ}: التبوئة: الإنزال على وجه الإقامة.

{تَحْمِلُ رِزْقَهَا}: حمل الرزق: ادخاره.

* * *

أيها المؤمنون المضطهدون.. إن أرضي واسعة

{ا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ} واضطهدوا وعانوا الكثير من الضغوط القاسية التي أراد المشركون من خلالها أن يفتنوكم عن دينكم، ويمنعوكم من عبادة الله ويضيّقوا عليكم الأرض من حولكم، لا تستسلموا لذلك كله، ولا تسقطوا أمام محاولاتهم، بل انفتحوا على أرضٍ جديدةٍ لا يملكون معها أيّة ضغوطٍ عليكم. فليست الأرض التي يعيشون عليها هي كل الأرض، بل هي مجرد نقطةٍ للانطلاق، وبداية للتحرك للعالم كله {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} لا تضيق بأحدٍ، ففيها أكثر من موقع للتخفف من الضغط، وأكثر من مجال للحركة وللدعوة وللعبادة، وإذا فقدتم القوّة في موضع، فهناك الكثير من مراكز صنع القوّة وتنميتها في مواضع أخرى، وإذا لم تستطيعوا أن تأخذوا حريتكم في العبادة في جهةٍ، فإن هناك أكثر من جهة تملكون فيها تلك الحرية. {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُون} ولا تلتفتوا إلى أولئك الذين يريدون لكم أن تتركوا عبادتي وتتجهوا إلى عبادة الأصنام من دوني تحت تأثير الأوضاع الصعبة التي يفرضونها عليكم ليحاصروكم في داخلها.

جاء في تفسير القمي في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر(ع) في قوله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ أَرْضِى واسعة} يقول: «لا تطيعوا أهل الفسق من الملوك، فإن خفتموهم أن يفتنوكم عن دينكم فإن أرضي واسعة، وهو يقول: {فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الاَْرْضِ} فقال: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا}؟[1].

وفي مجمع البيان، قال أبو عبد الله الصادق5: «معناه إذا عصي الله في أرض أنت فيها فاخرج منها إلى غيرها»[2].

* * *

كل نفس ذائقة الموت

{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} فلن يفلت منه أحدٌ، فلا يخوّفكم به الذين يريدون أن يفرضوا عليكم إرادتهم في اختيار الشرك وترك التوحيد، بل تابعوا نهجكم الإيماني في الانفتاح على الله والدعوة إلى دينه، والجهاد في سبيله، وانتقلوا من موقعٍ إلى آخر، وهاجروا إلى بلاد الحرية هرباً من بلد العبودية، لأن ذلك هو الذي يقربكم من الله، ويرفعكم إلى مستوى رضوانه، ويدخلكم في جنته، ويبعدكم عن ناره، لأنكم ستقفون بين يديه، إن عاجلاً أو آجلاً، مهما امتد بكم العمر وتحركت بكم الحياة، فإن الحقيقة التي يؤكدها الله لكم ويثيرها في وعيكم أن كل حيّ ميت، {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} فاحسبوا حساب الموقف هناك عندما يدعوكم الله للحساب في ذلك اليوم.

* * *

بشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات

{وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} وتلك هي بشارة الثابتين على خط الإيمان أمام اهتزازات الشرك، والمستقيمين في نهج العمل الصالح أمام انحرافات الشرّ والفساد، والمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، أو الذين هاجروا تحت تأثير الضغط القاسي، لأنهم لم يقبلوا الخضوع لإِرادة الوثنيين والمشركين، {نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} الذين كانت حياتهم كلها عملاً في سبيل الله وثباتاً على دينه، {الَّذِينَ صَبَرُوا} على البلاء والتحدي ومرارة الفقر والتشريد والحرمان، {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} من موقع الثقة المطلقة به وبوعده في نصرة عباده الذين ينصرونه بالثبات على دينه، والانفتاح على الثقة بالمستقبل من قاعدة التوكل عليه والثقة به، والاستسلام له على أساس أنه يملك الحاضر والمستقبل، ويملك حماية الإنسان مما يخافه من وحشة المجهول الذي تتحرك فيه المتغيّرات والمفاجآت غير المحسوبة التي قد تقلب الكثير من الأوضاع، وتخلط الكثير من الأوراق، وتربك الكثير من المعادلات الإنسانية.

* * *

الرزق على الله

{وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} كأيِّن للتكثير، أي أن كثيراً من الدواب التي تتحرك في الأرض لا تحمل رزقها ولا تدخره، لأنها قد لا تملك من وسائله الكثير، ولكنها لا تموت من خلال ذلك، لأن مسألة الرزق لا تخضع دائما للقدرات الذاتية، والأسباب العادية، بل تخضع لتقدير الله وتخطيطه في توزيع الرزق على الناس من خلال ما يخلقه من أسباب طبيعيةٍ وغير طبيعية، مما ينسجم مع الحكمة الإِلهية في تدبير الكون كله، وهكذا تُفرض القضية الإيمانية القائمة على أساس السنّة الإِلهيّة، {اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} في ما يهيّئه لكم من وسائل الادّخار، ومن أسباب الحصول على الرزق، أو في ما يرزقكم من ذلك من حيث لا يحتسب، {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} الذي يسمع دعاءكم في طلب الرزق عندما تدعونه، ويعلم ما تحتاجون إليه مما تملكونه، ولا يغيب عنه أيّ شيء في ذلك، فلا تخافوا أن تموتوا من الفقر والحرمان والجوع إذا هاجرتم في سبيل الله، وواجهتم القوى التي تبعدكم عن دين الله من الكافرين والطاغين، فإنهم لن يمنعوا عنكم رزقاً قدّره الله لكم، ولن يتمكنوا من أن يقرّبوا أجلاً أبعده الله عنكم، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع): «إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله، وإنهما لا يقرّبان من أجل ولا ينقصان من رزق».

* * *

عدم استسلام العاملين للتهاويل

وهكذا توحي الآية لنا أن على العاملين في سبيل الله أن لا يستسلموا لتهاويل الخوف التي تثيرها القوى المستكبرة ضد القوى المستضعفة، انطلاقاً من كل التهديدات التي تطلقها بالحصار الاقتصادي الذي تضيق معه فرص الحياة وظروف العيش الهنيّ، باعتبار أنها التي تملك الثروة الغذائية، فهي التي تستطيع أن تمنع الناس من لقمة العيش، وهي التي تملك أن تعطيها من خلال قدراتها المادية على أساس شروطها الثقافية والأمنية والسياسية والاقتصادية، في ما يضغط على حريات الأمة ويصادر إرادتها، ويقيّد مستقبلها بقيود ثقيلة.

إن الثقة بالله وبرحمته وقدرته على أن يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فيعطي من يشاء حتى لو منعه الناس، ويمنع من يشاء حتى لو أعطاه الناس، إن ذلك هو الذي يؤكد للمؤمن ثقته بنفسه وبالحياة من حوله، من خلال الثقة بالله الواسع الكريم الذي يتعهد خلقه في أعماق الأرض، وفي آفاق الفضاء، في ما يصنعه لهم من ظروفٍ وأوضاعٍ، وما يهيئه لهم من وسائل.

وبذلك يكون الإيمان الإيجابي المتحرك، هو الأساس في حركة الحرية، وفي ارتفاع مستوى التحدي من جهة، وردّه من جهةٍ أخرى.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الميزان، ج:16، ص:151.

(2) الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، مؤسسة التاريخ العربي، ط:1، 1412هـ ـ 1992م، م:4، ص:375.