تفسير القرآن
العنكبوت / من الآية 61 إلى الآية 63

 من الآية 61 الى الآية 63
 

الآيــات

{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَواتِ وَالاَْرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ* اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ* وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الاَْرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} (61ـ63).

* * *

الله وراء كل أحداث الكون

إن الإيمان قوّةٌ عميقةٌ في داخل الذات من خلال الفطرة الصافية التي تعيش في الأعماق، ولكن الإنسان قد يغفل عنها من خلال أسباب الغفلة التي تحجبه عن مكامن الوعي في داخله، ولهذا فإنه ينتبه إلى ذلك عندما يتحداه السؤال بما يشبه الصدمة التي تهز فيه كل عناصر القوّة الإيمانية في شخصيته المسلمة، فيجيب عن السؤال المتعلق بكل أحداث الكون التي يتحرك الرزق من خلالها، بأن الله هو الذي يقف خلفها ويشرف عليها، ليكون الإيمان به هو الأساس في كل حركةٍ وموقع.

* * *

الله خلق السموات والأرض

{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضَ} ومن أودع فيهما حكمته وقوّته ومواطن الرزق في تدبيره، ومن أبدع الظواهر الكونية والسنن الإنسانية في حركتهما حتى استطاع الإنسان أن يطمئن للحياة فيهما بكل طمأنينةٍ وراحة، {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} ليعطيا الحياة الإشراق والدفء، ويمنحاها عناصر الامتداد في ما يتحركان فيه من نظام دقيق يعطي الإنسان توازنه من خلالهما {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} فهو الخالق والمدبّر والمسخّر. وتلك هي الحقيقة الفطرية العميقة التي تفرض نفسها على قناعاتهم، لأنهم لا يرون أيّة قوّة أخرى ممّن حولهم جديرة بأن تكون هي التي تفعل ذلك كله، باعتبار أن كل القوى حادثة مفتقرة إلى من يعطيها سرّ الوجود وسرّ الحركة والامتداد فيه، كما أنهم لا يرون أن الحياة يمكن أن تنطلق بعيداً عن الخالق، لأنها لا يمكن أن تُخلق من لا شيء أو تخلق نفسها. ولهذا فإن حضور الله في الكون، هو الحضور القويّ الذي يفرض نفسه على الفكر والوجدان والحياة.

وإذا كان هذا هو الجواب فكيف يتصرفون هذا التصرف المضادّ للحقيقة، {فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي يصرفون عن الحق، ويبتعدون عن الالتزام بنهجه في إطاعة أمر الله ونهيه، وفي الاعتراف بأن الله هو وحده مصدر كل شيء في الوجود، فلا شيء إلا وهو مخلوق له ومستمدٌ منه.

* * *

الله يبسط الرزق ويقدر

{اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} فهو الذي ينظم حركة الرزق وكميته ونوعيته وتوزيعه للناس، فيوسع على جماعةٍ لأن الحكمة تقتضي ذلك، ويضيق على أخرى، انطلاقاً من الحكمة الخفية التي لا يعلمها إلا هو، وقد يكتشفها بعض عباده.

{إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ} فهو الذي يعرف أسرار خلقه، كما يعلم ما يصلحهم وما يفسدهم في طبيعة قدراتهم وظروف الحياة من حولهم، وهو الذي يقدر ما يريد من أمورهم على حسب ما يعلمه من ذلك كله.

* * *

الله ينـزل من السماء ماءً

{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الاَْرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا} مما يجعل النموّ للأرض في ما يكمن في داخلها من البذور التي تهتز بنزول الماء عليها، وما يحقق الحياة للعناصر الحية من إنسان وحيوان، من إمكانات الحياة التي لا يمكن أن تستمر بدون الثروة المائية التي تختزنها الأرض في أغوارها السحيقة، لتتفجر منها الينابيع والأنهار، {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} فإذا كان الله هو مصدر ذلك كله، فهل يمكن أن يكون مصدر الرزق غيره، وهل من المعقول أن يدّعوا اختصاصهم بذلك ليمنعوا غيرهم منه، أو ليروا فيه امتيازاً لهم على غيرهم في موارده ومصادره، {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} الذي أظهر الحق، وأكمل الحجة عليهم في ضرورة الالتزام بعبادة الله، ورفض عبادة الأصنام. ولكن المشكلة لديهم أنهم لا يحركون عقولهم في آفاق الوعي، بل يجمّدونها في مواقع غرائزهم وشهواتهم، ليكون الإحساس المادي هو ما يشغل اهتماماتهم، لا التفكير العقلاني الوجداني {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} لا بمعنى فقدان العقل الذي يملك قوّة التفكير، بل بمعنى فقدان استخدامه كقوّة متحركة تفكر وتحاكم وتناقش وتكتشف خفايا الأشياء، وتُرجع الأمور إلى مصادرها الحقيقية، وتحركها في اتجاه خطوطها البارزة التي تتجه إلى ما فيه مصلحة الإنسان وتطوّره في مدارج الرقيّ والتقدم والسلام.