المقدمة
سورة الروم
مكية وهي ستون آية
الأجواء العامة لسورة الروم
للآيات الأولى في هذه السورة قصة تتصل بالأجواء العامّة التي كانت تسود ساحة الصراع، في ما كان يدور من تسجيل النقاط بين المسلمين والمشركين على ضوء ما كان يحدث من أوضاع وتطورات في داخل معسكر الإيمان الذي يمثله أهل الكتاب، وفي داخل معسكر الكفر الذي يمثله الفرس الذين كانوا على دين المجوسية الرافضة للتوحيد، وذلك عندما تغلب الفرس على الروم، مما اعتبره المشركون انتصاراً للخط العقيدي الذي يلتقون به في أكثر من موقع لقاء، وهزيمةً للخط التوحيدي الذي يعارضونه.
وربما أثار المشركون الكثير من اللغط والضوضاء والاستهزاء والتعالي على المسلمين. وربما قابل المسلمون ذلك بالشعور بالضعف والهزيمة أمام قوة الشرك على التوحيد.
وقد روى ابن جرير، بإسناده عن عبد الله بن مسعود، قال: كانت فارس ظاهرةً على الروم، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وهم أقرب إلى دينهم فلما نزلت: {الـم*غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الاَْرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ}، قالوا: يا أبا بكر إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين، قال: صدق. قالوا: هل لك إلى أن نقامرك؟ فبايعوه على أربعة قلائص إلى سبع سنين، فمضى السبع سنين ولم يكن شيء. ففرح المشركون بذلك، وشقَّ على المسلمين، وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلّم، فقال: ما بضع سنين عندكم؟ قالوا: دون العشر. قال: اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك[1].
وقد نلاحظ على الرواية أن النبي(ص) لم يكن عارفاً بالتوقيت الدقيق للمدة، مما قد يُضعف الموقف، وأن أبا بكر قد أعطى توقيت السبع من دون أساسٍ، لأن كلمة البضع قد تمتد في مفهومها المبهم المردّد بين الثلاثة والعشرة، وأنه إذا كان قد شاور النبي في ذلك، فعندها ستصبح صدقية النبي(ص) في الميزان، وهذا أمر غير وارد أصلاً، لأنه سيخدش أصل نبوّته، إذ لا يعقل أن يخبر النبي(ص) خبراً من أخبار الغيب من عنده، بل لا بد من أن يتلقاه من عالم الغيب الذي لا يطلع على علمه أحداً إلا من شاء، أي الله سبحانه وتعالى. ٍولكن ذلك لا يبعد المسألة عن جوّ الآية التي تدلّ على أن الحادثة كانت منطلقاً للتحدي القرشي، باعتبار أن قوّة المحور الشركيّ ينعكس إيجاباً على قوّة كل مواقعه وطروحاته، كما أن ضعف المحور الإيماني ينعكس سلباً على ضعف كل مواقعه وطروحاته.
وقد كانت الآية في موقع ردّ التحدي الواقعي الحاضر، بالتحدي المستقبلي الذي يحمل دلالتين:
الأولى: الطبيعة الغيبيّة الحاسمة التي تؤكد صدق القرآن في وحيه، في غياب أيّ دلائل واقعية واضحة على الموضوع، لا سيّما أن القضية لم تكن واردةً في ظروف قوّة الفرس وضعف الروم، بل هي من قضايا النبوءات المستقبلية التي يختزنها الغيب المجهول الذي لا يمكن لأحد أن يعرفه ذاتياً.
الثانية: الطبيعة المتحدية التي لا تترك الموقف في دائرة الانفعالات المثيرة التي يطلقها الآخرون في مواجهة المؤمنين من أجل إضعاف روحيتهم المعنوية، بل تعمل على إعطاء المسألة قدراً كبيراً من القوّة التي تدفع الموقف إلى نوعٍ من التوازن، في إبقاء الوضع في دائرة إثارة قلق الآخرين حول الموضوع في المستقبل، في مقابل القلق الذي عاشه المؤمنون في الحاضر.
وهناك نقطة مهمّة في المضمون الرسالي الذي يعبّر عن موقفٍ سياسيٍّ ممّيز، وهي انفتاح الإسلام على الديانات الأخرى من خلال القواسم المشتركة التي تربطه بها، ما يجعله ينظر إلى مواقعها في ساحة النصر أو الهزيمة أمام الجماعات الملحدة، نظرةً جدّيةً مليئةً بالاهتمام الشعوري من الناحية الإيجابية التي تفرح للنصر، أو من الناحية السلبية التي تتألّم للهزيمة، من حيث إخلاصه لقضية التوحيد المشتركة، ومن حيث انعكاس ذلك على مواقعه في ساحة الصراع. كما أن الآخرين الذين يملكون الموقف المضاد، ينظرون إلى أيّ موقع من مواقع الإيمان بالنظرة نفسها التي ينظرون بها إلى الموقع الآخر.
وقد نستوحي من ذلك، أن مواطن اللقاء بالآخرين، حتى مع غير أهل الديانات، قد تترك الأثر نفسه، وتفرض الموقف ذاته، لأن القاعدة التي تحكم الموقف، هي النظرة الإيجابية الإسلامية إلى مواقع اللقاء مع الآخرين في حركة العقيدة، وفي علاقات الحياة، في الجوّ الدفاعيّ عن موقع الإسلام والمسلمين في معركة التحديات المباشرة وغير المباشرة.
تفسير القرآن