تفسير القرآن
الروم / من الآية 7 إلى الآية 19

 من الآية 7 الى الآية 19

الآيــات

{يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخرةِ هُمْ غَافِلُونَ* أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِي أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ* أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الاَْرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الاَْرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ* ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُواْ السُّوأى أَن كَذَّبُواْ بَِايَاتِ اللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ* اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ* وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ* وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ* فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ* وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بَِايَاتِنَا وَلِقَآءِ الآخرةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ* فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ* وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ* يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} (7ـ19).

* * *

معاني المفردات

{وَأَثَارُواْ الاَْرْضَ}: إثارة الأرض: قلبها ظهراً ببطن للحرث والتّعمير ونحو ذلك.

{السُّوأى}: الخلة التي تسوء صاحبها إذا أدركها، والمراد بها: سوء العذاب.

{يُبْلِسُ}: الإبلاس: اليأس من الله، وفيه كل الشقاء.

{رَوْضَةٍ}: الروضة: البستان المتناهي منظراً وطيباً.

* * *

الله يبدأ الخلق ثم يعيده

تلك هي مشكلة الكثيرين من الناس الذين لا يؤمنون بالله، أو الذين يشركون بالله غيره، هي أنهم لا يتعاملون مع قضايا المعرفة من عمق النظرة للأشياء، بل يتحركون فيها من موقع السطح، ولذلك فإنهم لا ينظرون إلى الحقيقة الكامنة في الآخرة، بل يبقون مشدودين إلى المشاهد المثيرة، والأضواء البرّاقة من الحياة الدنيا، فيبتعدون بذلك عن معرفة الله ورسله وكتبه وشرائعه، ويتهربون من مسؤولية الحياة كلها في آفاق الله، ما يجعل من المسألة مسألةً تتصل بالمنهج لا بالجانب الذاتي التجريدي من المعرفة.

ولهذا كان هذا الفصل من السورة حركةً قرآنيةً تحمل الكثير من اللمسات واللمعات والإشارات التي تثير في داخل الإنسان الكثير من الأفكار، وترسم الكثير من علامات الاستفهام حول القضايا المتصلة بالله وبالآخرة وبالمسؤولية في قضية المصير وتتحدث عن هؤلاء الذين لا يعلمون.

* * *

بعض الناس عن الآخرة غافلون

{يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} في ألوانها وزخارفها ومظاهرها ولذائذها وشهواتها وأوضاعها وامتيازات الناس الظاهرة فيها، ولكنهم لا ينفذون إلى عمقها ليعرفوا ما في داخلها من آلامٍ وحزن وقبائح وأشجانٍ، وليتلمسوا كيف يواجهون الأفراح المختلطة بالأحزان، واللذات الممتزجة بالآلام، والورود المحاطة بالأشواك، ليعرفوا أن المسؤولية التي يخضع الإنسان لها في حياته، هي التي تجعل لهذا المزيج معنىً معقولاً وروحاً طيّبةً، تكون الحياة من خلالهما ذات معنىً يلتقي بالأهداف الكبيرة للإنسان، وذلك هو الذي يتمثل بالوعي الكامن في فكرة الآخرة، كعقيدة ومصير ونهاية، ولكنهم لا يفهمون ذلك كله، لأنهم يستغرقون في الجانب الظاهر من الحياة الدنيا. {وَهُمْ عَنِ الآخرةِ هُمْ غَافِلُونَ} لأنهم لا يلتفتون إلا إلى الجانب المادي الذي يتصل بالقضايا بشكلٍ مباشر، ولا يتطلعون إلى الجوانب الروحية الكامنة في معنى الغيب الذي يطل على آفاق الله الرحبة الممتدة التي تتجاوز الدنيا إلى الآخرة، لتأخذ من فناء الدنيا فكرة الخلود للاخرة. وهكذا تحجبهم شواغل الحياة الدنيا عن التفكير في الآخرة، وفي المسؤولية التي تختزنها في معناها الداخلي، وإذا كف الناس عن تحريك الفكر في اتجاه المعرفة، وعن إثارة المعرفة في أجواء الإيمان، فإنهم سوف يفقدون التوازن في الموقف، ويبتعدون عن الخط المستقيم في الحياة، ولهذا جاءت الآيات المتتابعة لتدعوهم إلى التفكير في كل شيء.

* * *

خلق الله السماوات والأرض بالحق

{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِي أَنفُسِهِمْ} عندما يحدّقون في الظواهر الكونية في ما تثيره في داخل الفكر الواعي من علامات الاستفهام حول حركة هذه الظواهر ودورها في تنظيم العالم، وتوازن النظام الكوني، وذلك من خلال القوانين الطبيعية والسنن الكونية التي أودعها الله في عمق الكون كله، ليجدوا الحقيقة الإلهية في انتظارهم.

{مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ} فليس هناك حالةٌ عبثية في ما يتحرك في هذه الآفاق، أو في ما يسكن، بل هناك سرّ كامنٌ في العمق، يفرضه السكون هنا، والحركة هناك، والنظام الذي يتدخل في التفاصيل، ما يوحي للمتأمّل الذي يلاحق كل هذه الظواهر بأنَّ هناك شيئاً ما وراء ذلك كله. ولذلك فإنه يعمل على اكتشافه، فلا يكون شأنه شأن المتخبِّط الذي لا يعرف شيئاً ولا يسعى إلى هدف، بل إنّ شأنه شأن السائر إلى غايةٍ يحسّ بها ولكنه لا يعرف تفاصيلها، وذلك هو ما تمثله كلمة الحق الذي يمثل الثبات للظاهرة من خلال الأسس القوية التي ترتكز عليها، ولكنه لا يحمل الخلود في ذاته، بل ينتهي إلى غايةٍ معينةٍ وأجلٍ محدود في ما أودعه الله في الحياة من حدود الزمن للأشياء.

{وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} ينتهي بالأشياء إلى شاطىء الآخرة التي تبدأ فيها وضعاً جديداً وحياةً جديدة، يقف فيها الناس كلهم ليواجهوا المسؤولية في لقاء الله، وهذا هو الذي يريد الله لهم أن يختزنوه في داخلهم، ويتحركوا به في إدارة شؤون حياتهم، من خلال أن تحديد الأجل يعمّق المسؤولية في وعي الإنسان لطاقته.

{وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} مما يدعو إلى الدهشة والتعجب، لأن الكفر ينطلق من فقدان الأسس التي يرتكز عليها الإيمان، فإذا كان هؤلاء يؤمنون بإيجاد الله للكون وللناس فيه، فكيف لا يكون قادراً على إعادتهم بعد الموت، على أساس أن طبيعة القدرة واحدةٌ هنا وهناك؟!

* * *

عاقبة الأمم السابقة

{أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الاَْرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم السالفة {كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} فقد كان منهم العمالقة والجبابرة وكان منهم الجماعات التي تملك الحضارة والتقدم والرقيّ والعمران {وَأَثَارُواْ الاَْرْضَ} أي حرثوها وأصلحوها للزراعة {وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} بما كانوا يملكون من ثقافة عمرانيةٍ، وقدرةٍ معماريةٍ وهندسيةٍ. {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} التي تشرح صدورهم للإيمان، وتخطط لهم الطريق للتقوى، مما لا يدع لهم شكاً ولا شبهةً في أيّ شأنٍ من شؤون ذلك. ولكنهم لم يلتزموا بالعقيدة الحقّة، ولم يسيروا على خط الله، فأهلكهم الله بذنوبهم، وأخذهم بكفرهم أخذ عزيزٍ مقتدر، لأنهم استحقوا ذلك {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} لأن الله ليس بحاجة إلى أن يظلم عباده، لأن الظلم مظهر ضعف يتعالى عنه الله القويّ العزيز {وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون} لأنهم لم يتحملوا مسؤولية الإيمان بعد قيام الحجة عليهم فيه، ولم يستقيموا في خط العمل الصالح بعد نزول الوحي عليهم في أوامر الله ونواهيه.

كيف يغفل هؤلاء عن ذلك كله؟ وكيف يمرّون على منازل هؤلاء الناس دون أن يثير ذلك فيهم أيّ فكرٍ يتطلع للمعرفة من خلال حركة التاريخ في الماضي، ودون أن يدفعهم إلى الاعتبار بما حصل للسابقين ليعرفوا ماذا يحدث لهم ولمن بعدهم في المستقبل.

{ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُواْ السُّوأى أَن كَذَّبُواْ بَِايَاتِ اللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} السوأى هي الحالة السيئة، تأنيث للسوء كالحسنى تأنيث الأحسن.

وهناك تفسيران للآية:

أحدهما: أن تكون السوأى كناية عن العذاب باعتبار أنه الأسوأ في ما يصل إليه الإنسان، وبذلك يكون معنى الآية: ثم كان عاقبة هؤلاء الذين أساؤوا العمل، العاقبة الأسوأ، وهي العذاب، لأنهم كذبوا بآيات الله واستهزأوا بها، على أساس أن تكون كلمة «السوأى» اسم كان، وتكون كلمة «عاقبة» خبراً مقدّماً.

ثانيهما: أن تكون كلمة السوأى تعبيراً عن العمل السيّئء وهو المعاصي التي يمارسونها، فتكون مفعولاً لأساؤوا، وبذلك يكون المعنى: ثم كان عاقبة الذين عملوا الأعمال السيئة التي كان ينهاهم عنها الرسول، أنَّ أمرهم انتهى إلى التكذيب والاستهزاء، لأنّ تأثير المعاصي في نفوسهم جعلهم في موقع الخط الذي يبرّر لهم ما يفعلون، وهو الكفر، ما يجعل جانب الكفر أقرب إلى نمط حياتهم من جانب الإيمان، لأن الإيمان لا يرضى لهم بذلك.

ويعلّق صاحب الميزان على المعنى الثاني، بأنه صحيح في نفسه، لكنه مخالف لسياق الآيات مع موافقة المعنى الأول له، «لأن المقام مقام الاعتبار والإنذار، والمناسب له بيان انتهاء معاصيهم إلى سوء العذاب، لا انتهاء معاصيهم المتفرقة إلى التكذيب والاستهزاء الذي هو أعظمها»[1].

أمّا تعليقنا على ذلك، فهو أن هذه الآية تتحدث عن حالة التكذيب الصادرة من الكافرين، في ما يستتبعه من الاستهزاء، لأن الجوّ هو جو المواجهة التي كانوا يواجهون بها الرسل الذين جاؤوا لينذروهم بعذاب الله ليتركوا النهج السيىء الذي يسيرون عليه، وليس الجوّ هو جو الحديث عن العذاب، بل إن ذلك لاحقٌ للآية في ما يأتي من الآيات الأخرى.

* * *

أحوال المجرمين يوم البعث

{اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فكيف تكذبون بآياته، ورسله الذين يدعونكم إلى الإيمان بهذه الحقيقة، التي تؤكد لكم البعث والوقوف غداً بين يدي الله لمواجهة اللحظة الحاسمة في موقف الحساب. {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} التي تنتظر الناس بعد موتهم ليواجهوا من خلالها الموقف الحاسم الذي تتحدد فيه نتائج المسؤولية، {يُبْلِسُ الْمُجْرِمُون} والإبلاس هو اليأس من الله، فلا يجدون مجالاً لأيّ أمل بالحصول على رحمته، والنجاة من عذابه، لأنهم لم يتركوا أيّ موقع في حياتهم الدنيا للرحمة، ولم يقوموا بأيّ عمل للإنقاذ، {وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ} في ما كانوا يتخذونه من شركاء لله في العقيدة أو في العبادة، انطلاقاً مما كانوا يعتقدونه فيهم من أسرار القوّة ومواقع السرّ الخفي في ما تختزنه الأشياء من معاني الغيب في أوهام الكافرين. فها هم يرونهم لا يملكون شيئاً من المكانة التي ينطلقون فيها للشفاعة التي كانوا يأملون بها في أدنى الأحوال، ليقربوهم إلى الله زلفى، ولذلك يصل بهم الأمر إلى الكفر بهم عندما يتعرفون إلى الحقيقة الحاسمة، في ذلك، {وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ} عندما يقفون معهم في موقف واحد، فيتبرأ كل فريق من الآخر.

* * *

التفرق عند قيام الساعة

{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} ليذهب كل فريق إلى الغاية التي عمل لها بعدما كانوا في الدنيا مجتمعين في النوادي التي تضمهم، والمعاهد التي تجمعهم، والأسواق التي يترددون إليها، والبيوت التي يسكنونها، {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} أي يعيشون في حالة السرور الذي يفيض على قلوبهم ومشاعرهم، في أجواء الجنة التي وعد الله بها عباده المتقين، {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بَِايَاتِنَا وَلِقَآءِ الآخرةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} في ما يستتبعه ذلك من الحزن الذي يهز القلوب والمشاعر والأجساد. وتلك هي النتيجة التي يتمايز بها الناس في الآخرة عندما يتمايزون في حركة الإيمان والكفر، وعمل الخير وعمل الشر في الدنيا.

* * *

التسبيح والحمد لله

{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} فذلك هو الذي ينبغي للإنسان أن يستوحيه من تأمّله وتفكيره في التدبير الإِلهي، في دائرة النظام الدقيق الذي يشمل حركة الكون في وجوده، وحركة الإنسان في عمله، ما يوحي بعظمة الله التي تجعل المؤمن يتطلع إلى آفاق الله، ليستغرق في جوانب العظمة ويتحرك في المجال العملي من خلال مراقبتها، في ما هي المحبة، وفي ما هو الخوف من الله، ليبدأ صباحه في تسبيح الله وتعظيمه، كما يبدأ مساءه بذلك، ليكون ذلك دافعاً له إلى الطاعة ومانعاً عن المعصية في الصباح والمساء.

{وَلَهُ الْحَمْدُ فِى السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ} أي ما من شيء مخلوق لله تعالى، إلا وله حمده الخاص له تعالى، وذلك في ما استودعه فيه من إبداع وإتقان وجمال وتدبير وتصريف لشؤون وجوده منطلقاً وحركة ومصيراً، وليكون الحمد بذلك ـ إلى جانب التسبيح ـ هو الجوّ الذي يحكم حركتكم في بداية النهار وفي بداية الليل، {وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ} وذلك في منتصف الليل ومنتصف النهار، ليكون التسبيح والتوحيد شاملين للزمن كله، ليؤدي بكم ذلك إلى الاستغراق في جوانب العظمة، كمدخلٍ للاستغراق في طاعته.

وهناك تفسير آخر لصاحب الميزان يختلف بعض الشيء عما ألمحنا إليه، فقد ذكر: «أن التسبيح والتحميد في الآيتين إنشاء تنزيه وثناء منه تعالى لا من غيره، حتى يكون المعنى: قولوا سبحان الله، وقولوا الحمد لله، فقد تكرر في كلامه تعالى تسبيحه وتحميده لنفسه، كقوله: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات:180] وقوله: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان:1]»[2].

أمّا تعليقنا عليه، فهو أن هذا الذي ذكره صحيح في نفسه، ولكن توجيه الخطاب إلى الناس بقوله: {حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} إلى قوله {وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ}، قد يجعل المعنى الذي ذكرناه أقرب مما ذكره، في ما قد يظهر منه أن المراد هو توجيه الناس إلى ممارسة تسبيحه وتحميده؛ والله العالم.

* * *

يخرج الحي من الميت

{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} فهو الذي يهب الحياة ويحركها، فيعطي الحياة للبذور التي لا تملك في ذاتها شيئاً من الحياة، كما يمنع الحياة عن بعضها، فتجفّ وتصفرّ وتتحول إلى هشيم. وهو الذي يعطي الإنسان الحياة في ما يتوالد من الأجنّة التي يتكامل نموّها وتتوفر فيها كل شروط الحياة، وهو الذي يمنعها عن أجنّةٍ أخرى. وهكذا تبقى دورة الحياة في كل لحظة، وفي كل شيءٍ حيّ.

{وَيُحْييِ الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} عندما تهتز بالخضرة الطافرة، والنباتات المتنوعة، والألوان الزاهية، فتشعر بالحياة التي تتحرك في كل ذرّةٍ من ذراتها، وفي كل مساحةٍ من مساحاتها، ما يوحي للإنسان بحركة الحياة والموت، في عملية الخلق والإعادة، ليوحي له ذلك بفكرة البعث بعد الموت، ليجدها في حركة الحياة في الأرض وفي كل الأشياء الحيّة، قبل أن يفكر بها في دائرة العقل، {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} فلا غرابة في ذلك، لأن طبيعة قانون الحياة يفرض ذلك.

ــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الميزان، ج:16، ص:164.

(2) تفسير الميزان، ج:16، ص:166.