تفسير القرآن
الروم / من الآية 26 إلى الآية 29

 من الآية 26 الى الآية 29

الآيــات

{وَلَهُ مَن في السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ* وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاَْيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ* بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} (26ـ29).

* * *

كل ما في السموات والأرض ملك لله

{وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ}من الملائكة والجن والإنسان، مهما اختلفت درجاتهم ومواقعهم وملكاتهم وطاقاتهم وأشكالهم وألوانهم، فهم جميعاً خلق الله الذي أوجدهم من عدم، وملكه الذي يملكه من موقع إيجاده وسيطرته المطلقة وحاجته الدائمة إليه، فلا يملك أحد منهم شيئاً إلا ما ملّكه {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} طائعون خاضعون له بانقيادهم له في إرادتهم في ما يختارونه من طاعته عندما يطيعونه، وفي ما يخضعون له من القوانين والسنن الكونية التي يرتبط بها وجودهم، حيث لا يملكون الخروج عنه والتمرد عليه.

* * *

إعادة الخلق أهون من بدئه

{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ} فيوجده من عدم {ثُمَّ يُعِيدُهُ} بعد الموت ليعود خلقاً حيّاً من جديد {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} لأنَّ الإعادة أسهل من البدء، باعتبار أنه يمثل الخلق من غير مثال، بينما تمثل الإعادة الإنشاء على صورة الإنشاء الأوّل من خلال النموذج السابق.

وقد أثار المفسرون الجدل حول معنى الآية، لأنها جعلت الإعادة أهون على الله من البدء، وذلك يعني اختلاف قدرته في تعلقها بالأشياء في ميزان السهولة والشدة، وهذا منافٍ للقدرة الإلهية المطلقة التي لا يختلف حالها في تعلقها بشيء دون شيء، ما يجعل تعلقها بالسهل والصعب على حَدٍّ سواءٍ. والظاهر أن المشكلة انطلقت من خلال التركيز على كلمة «عليه» التي توحي بالتفاضل بين الأهون والأصعب في قدرة الله، لأنه موقع التفاضل في التعبير. ولكن المتبادر هو ما ذكره الزمخشري من أن التفضيل إنما هو للإعادة في نفسها بالقياس إلى الإنشاء الابتدائي لا بالنسبة إليه تعالى[1]. ووقوع التفضيل بين فعل منه وفعل لا بأس به كما في قوله تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر:57]» .

ولا وجه لما اعترض به صاحب تفسير الميزان بقوله: «وفيه أن تقييد الوصف بقوله: «عليه» أصدق شاهد على أن القياس الواقع بين الإعادة والإنشاء إنما هو بالنسبة إليه تعالى لا بين نفس الإعادة والإنشاء، فالإشكال على ما كان»[2].

وقد نلاحظ على هذا الاعتراض، أنَّ احتمال اختصاص القياس بالله هو أمكن أن تكون هناك خصوصية في فعله تستدعي الاختصاص، وهذا غير وارد، لأن هذا الموضوع، في مسألة القياس، منطلق من طبيعة الأشياء، مما لا يجعل هناك فرق ذاتي بين صدورها من الله أو من خلقه.

* * *

لله المثل الأعلى

{وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ} فلا يدانيه في صفاته شيء ولا يساويه شيء، لأن كل صفة كمال في أيّ موجود، هي مستمدة منه وراجعةٌ إلى إرادته، ومشتملةٌ على جانب معين من جوانب النقصان، أمّا صفاته، فهي الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص، ولا تشوبه شائبة، وهي فوق كل شيء {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} الذي لا ينتقص أحد من عزته في ساحة جلاله وقدرته، ولا ينال أيّ حدثٍ من حكمته المتمثلة في كل فعل من أفعاله.

{ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} في ما تعيشونه من مفردات حياتكم الخاصة التي تتحسسونها وتفهمونها، ما يجعل منها النموذج الحيّ لأكثر من فكرةٍ مماثلة {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} هل يمكن أن يكون المملوك الذي تملكونه كما تملكون أيّ مالٍ من أموالكم، شريكاً لكم في ما تملكونه من أموال، وهل يمكن أن يكون المملوك في مستوى المالك في ذلك؟ {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} من خلال وحدة المستوى التي تؤدي إلى الحذر من التصرفات التي لا ترضيهم، فإذا كان ذلك غير مقبول لديكم، فكيف يمكن أن تقبلوا أن يكون هناك من الإنس والجن أو الملائكة الذين هم من خلق الله، وعبيد الله المملوكون له، شريك لله في ما يملكه من مخلوقاته، ليكون إلهاً في مستوى الله.

{كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} لأن العقلاء ـ وحدهم ـ هم الذين يوازنون بين الأمور ويخرجون منها بنتيجةٍ حاسمةٍ في مسألة العقيدة التوحيدية.

* * *

اتباع الظالمين أهواءهم

{بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} فلم يشركوا بالله من موقع شبهةٍ فكريةٍ جعلتهم يتوقفون عندها ليمتنعوا عن الإيمان من خلالها، بل كان شركهم نتيجة اتباع الهوى الذي يتحرك فيه الإنسان تحت تأثير شهوةٍ أو نزوةٍ أو طمعٍ أو حالة انفعالٍ سريعٍ، مما يتحرك به الناس الذين تقودهم العاطفة الى ما يحبون أو يكرهون، في ما يفعلون أو يتركون، بعيداً عن العلم الذي يحدد للأشياء موازينها وللأوضاع مواقعها.

{فَمَن يَهْدي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} في ما ربط به بين إرادة الضلال الخاضعة للهوى وبين الضلال الفكري والعملي، لأن مثل هذه الإرادة تمنع الإنسان من الانفتاح على العقل في ما يحدده من موازين العقيدة، من حق وباطل، ومن خير وشرّ، وتقوده إلى التعصب والاختناق في دائرة الرأي المحدود، والزاوية المغلقة، ما يؤدي إلى استحالة الهدى عليه، انطلاقاً من استحالة وجود المعلول بدون وجود العلّة. وهكذا كان هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم باختيار الشرك، في موقعٍ بعيدٍ عن الهدى بسوء اختيارهم، فلا هادي لهم من الناس {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} مما ينالهم من عذاب الله جزاءً على كفرهم وإشراكهم بالله ما لم ينزل به سلطاناً.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) يراجع: الزمخشري، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الخوارزمي، الكشاف عن حقائق التنـزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الفكر، ج:3، ص:22.

(2) تفسير الميزان، ج:16، ص:178.