من الآية 30 الى الآية 32
الآيــات
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ* مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصّلاةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (30ـ32).
* * *
معاني المفردات
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ}: المراد بإقامة الوجه للدين: الإقبال عليه بالتوجه بثبات ومن غير انحراف.
{حَنِيفاً}: معتدلاً.
{مُنِيبِينَ}: الإنابة: الرجوع بالتوبة.
* * *
الإسلام هو دين الاعتدال والاستقامة
هل الدين في قاعدته الفكرية حالةٌ خارجيّةٌ طارئةٌ تدخل إلى الذهن الإنساني من الخارج، بعيداً عما هو التكوين الطبيعيّ للإنسان؟ أم هو حالةٌ عميقةٌ في ذاته، تنبعث من فطرته الذاتية، وتتحرك في حركة العقل والوجدان، لتتحول إلى فكرٍ وشعورٍ ومعاناةٍ والتزامٍ.
إنَّ هذه الآيات تحدّد الجواب عن ذلك في خطاب الوجدان النبويّ من موقعه الإنساني الفطري في دائرة العقيدة والعمل.
* * *
أقم وجهك للدين حنيفاً
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً}، والحنف ميل القدمين إلى الوسط، فيكون المراد به الكناية عن الاعتدال.
لا بد للإنسان من خطٍّ يسير عليه من أجل الوصول إلى غايته المثلى في الحياة، ليؤكد معنى إنسانيته في عمق ذاته، فما هو هذا الخط؟
إنه خطّ الاستقامة والاعتدال الذي لا ينحرف ولا يميل ولا يزيغ، الذي يريد الله للإنسان أن يقبل عليه بوجهه، لا الوجه الظاهر المعروف، بل كيانه المشتمل على عقله وروحه في ما يتمثل به حقائق الأمور العامة.
إنه دين الله الذي يجمع الخير كله، وينفتح على الحياة الحُرَّة الواسعة التي تلتقي عندها كل خطوط السعادة في الدنيا والآخرة.
إنه توحيدُ الله الذي يعيش فيه الإنسان التصوّرَ الشامل الذي يتحرك في آفاقه الصدق، والعدل والإحسان، والقوّةُ المفتوحة على الرحمة، والسماح في خط التوازن بين المادة والروح، وانسجام الشخصية الفردية والاجتماعية، في ما يمثله هدى الله في ذلك كله.
قد تكون التفاصيل كثيرةً متنوعةً في مفردات نشاط الإنسان في مختلف مجالات حياته، ولكن المهم أن يبقى الانفتاح على صفات الله الواحد وأسمائه الحسنى التي لا تقف عند حدّ في كمالها وجلالها وجمالها، قائماً، حتى لا يتيه الإنسان في زحمة هذه التفاصيل، وحتى يبقى مرتبطاً بصراط كماله الحق.َ
إنه يختصر الدين كله، فإذا أقبل الإنسان عليه بكيانه، فقد أقبل على الدين كله، لأنه الذي يجعل الحياة كلها مربوطةً بالله، ومتحركة برحمته وسائرةً في هداه، فلا يلتفت إلى أيّ جانب إلا من خلاله، ولا يتحرك في أيّ اتجاهٍ إلا إليه، لأنه خالق كل شيءٍ وغاية كل شيءٍ {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} وانطلق في حياتك، وأقم كل ذاتك لله وحده في خط الاستقامة الذي لا يخلص إلاَّ له ولا يتوجه لأحد غيره.
* * *
الإسلام هو دين الفطرة
{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} في ما يتحرك فيه العمق العميق للفطرة الإنسانية الكامنة في معنى الخلقة، وفي حركة الوجود الذاتي الطبيعي للإنسان، فهي التي جعلها الله أساس حقيقته وسرّ وجوده ومنطلق انفتاحه على الحقيقة كلها، وهي التي تقوده إلى معرفة الله في وحدانيته التي تأبى الشريك، لأنه لا معنى لشريك يكون مخلوقاً لله ومربوباً له ومحتاجاً إليه في كل شيء، فلا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً إلا به. وبذلك كانت الوحدانية، في صفاء العقل ونقاء الوجدان، هي الحقيقة البسيطة الصافية التي تتصل بها الذات من دون عناء، لأنها تستقبلها كما تستقبل العيون المفتحة على الشمس، مع كلّ ما في الشمس من إشراق النور، وهي التي أكدها القرآن في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف:13] مما يوحي بأن التوحيد هو القاعدة التي يرتكز عليها الدين، وتنطلق منه كل الخطوط العريضة في حركة الإنسان في الحياة الباحثة عن الله في الأعماق، وفي مدارج السموّ، وفي خط الامتداد.
{لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} لأن الفطرة هي أساس الشخصية التي تبقى في سرّ وجود الإنسان، مهما تغيرت أوضاعه، أو امتدت سنوات عمره، أو اختلفت مواقعه، فهي الشيء الوحيد الذي لا يتبدل فيه، وهي التي تحقق في داخله معنى الوجدان، وهي وحدها التي يكتشف من خلالها وجود الله ووحدانيته وعبوديته له، وخضوع الحياة لإرادته، فإذا أحاطت بها الظلمات والتهاويل، فإنها تستطيع أن تشرق من جديد لتشق كل حجب الظلام عن العقل، وكل تهاويل الضلال عن الوجدان، ليعود الإيمان صافياً كالنور، طاهراً كالينابيع، منفتحاً كالأفق الرحب في موعد الشروق، وبذلك كانت هي الضمانة الوحيدة للإيمان بالله، أمام كل إشكالات الواقع، وشبهات الإِلحاد.
* * *
قيمومة الدين
{ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} الذي جاءت به الأنبياء، لتكون الحياة كلها لله في مواجهة كل الآلهة المزعومة التي أرادت أن تكون سلطتها هي الهيمنة على الناس، في ما تثيره من الأوهام، وتخطط له من الأضاليل، وتتحرك به من الخطوات في اتجاه الفساد والإفساد، فكان التوحيد هو الذي يواجه ذلك كله بالقوّة الفكرية والعملية، وهو الدين القيّم الذي يملك القيام على شؤون الحياة والإنسان، فيرعاهما بالشريعة السمحة التي تنطلق من وحي الله لتتجه إلى الله وحده، كما يملك القيمومة على الواقع كله.
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أن الغشاوة قد أغشت أبصارهم وقلوبهم، وجمّدت مشاعرهم ووجداناتهم، فالتزموا الشرك في ما صنعوه من آلهة، وفي ما اختلقوه من أصنام. وإذا فقد الإنسان صفاء البصر، فقد صفاء الرؤية ووضوحها، وإذا لم يحصل على انفتاح القلب على الحقيقة، لم يحصل على العلم الذي يهديه سبل الهداية.
* * *
دعوة إلى الإنابة والتقوى وإقامة الصلاة
{مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} أي كونوا ـ أيها الناس ـ في موقع الراجعين إلى الله الذي تتمثل في وحدانيته حركة الفطرة في وضوح الرؤية. {وَاتَّقُوهُ}.إن الذين يكتشفون الله في وحدانية العظمة المطلقة وفي قدرته الشاملة التي لا تقف عند حد، لا بدّ من أن يعيشوا عمق الخوف منه وسرّ المحبة له، فيدفعهم ذلك إلى التقوى التي يراقب الإنسان ـ من خلالها ـ نفسه، ويحاسب عمله، ويضبط خطواته، ويحدّد طريقه، ويعرف هدفه.
{وَأَقِيمُواْ الصّلاةَ} التي تعبّرون بها عن عبوديتكم لله وحده في ممارسةٍ عمليةٍ للعقيدة التوحيدية، وفي إحساسٍ عميق بالتقوى، وفي تأكيد خاضعٍ خاشعٍ في الرجوع إليه من رحلة الكفر والضلال في سجودكم وركوعكم بين يديه.
* * *
نبذ الشرك والتفريق
{وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} الذين ابتعدوا عن الله الواحد الذي يوحد لهم تصورهم للكون والحياة، كما يوحدهم في الموقع والموقف، والمنهج والهدف، وانطلقوا إلى غيره ليتعبدوا له من خلال أوهامهم، فاختار كل فريق منهم إلهاً لنفسه، فتعددت الآلهة، وتعدّدت المواقع تبعاً لذلك، واختلفت أيضاً المواقف، ولم يشعر الناس بأيّ شيءٍ يوحدهم، لأن آلهة الكفر والضلال لا يتوحدون في التصورّ ولا في الطريق ولا في الغاية، لأن لكلٍّ منهم هوىً يحكم موقفه، ويحدّد موقعه وموقع الذين جعلوه شريكاً من دون الله، {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً} فكان كل فريق شيعة لشخص، وملتزماً بدين، ومتحركاً في نطاق دائرة خاصة تختلف عن الدوائر التي يتحرك فيها الأفرقاء الآخرون، وانطلق كل واحد منهم يتحزب لصاحبه ودينه ودائرته ويتعصب لمواقعه الخاصة {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} فهم مستغرقون في داخل ذواتهم وأوضاعهم وانتماءاتهم، لا يلتفتون إلى ما لدى الآخرين، ولا ينطلقون إلى معرفة الحقيقة في آفاقها الواسعة، ولا يدخلون في حوارٍ حول ما يفكرون به أو يتحركون فيه أو يتوجهون إليه، ليتعرفوا وجه الخطأ والصواب في ذلك كله، بل يظلون في استغراقهم الغافل الذاهل الذي يفرح بما لديهم كاستغراق الطفل في فرحه الطفولي بما يملكه من ألعاب العبث الذي يشغله عن كل شيء.
* * *
بين الحزبية للناس والحزبية لله
ولعلّ هذا التعبير القرآني في هذه الفقرة من الآية، هو أبلغ تعبير عما تمثله العقلية الحزبية المتعصبة عندما يستغرق أصحابها في ذواتهم وأصنامهم وأطماعهم وحدودهم الضيقة في خط الأنانية الفردية والجماعية المحدودة، ما يجعل الناس منغلقين عن بعضهم البعض، مشغولين بالفرح الأناني بما عندهم، وهذا هو الذي توحي به حزبية الأشخاص والأطماع والمصالح الخاصة. أمّا الانتماء إلى الله وإلى دينه الذي يمثل الانفتاح على المسؤولية في الحياة وعلى الناس، فإنه لا يغلق حياة الإنسان عن الآخرين، يل يفسح له المجال للانفتاح على كل المواقع الإنسانية. وبذلك يعيش الفرح الروحي بالله وبرسله وبكتبه، وبالمسؤولية المتحركة في مواقع الحياة كلها. ولكن، لا بد من الحذر من النوازع الذاتية التي قد تطغى وتسيطر على الأفكار الرسالية، فتنحرف بها عن شمول الحياة وامتدادها.
إن المسألة المطروحة في المنهج القرآني، هي أن يرجع الإنسان إلى صفاء الفطرة ونقائها، ولا يستغرق في وحول الأطماع ونوازع الذات، حتى يعيش مع إنسانيته، ولا يسقط أمام بهيميته، ليفكر بالرسالة قبل أن يفكر بالشهوة والذات.
* * *
المراد من لفظ الدين
وقد اختلف المفسرون اختلافاً كبيراً في هذه الآية حول بعض مفرداتها. ونريد الإشارة إلى ما ذكره البعض من تفسير الدين بأنه: «الأصول العلمية والسنن والقوانين العملية التي تضمن باتخاذها والعمل بها سعادة الإنسان الحقيقية»، باعتبار أن ذلك هو «من اقتضاءات الخلقة الإنسانية» «وينطبق على التشريع والتكوين».
والظاهر أن المراد بالدين هو التوحيد الذي يمثل القاعدة التي انطلقت فيها الرسالات لتؤكدها كحقيقة إيمانية، تتفرع منها كل التفاصيل التي تربط الحياة كلها بالله، في مواجهة الشرك الذي يجعل الإنسان موزعاً بين الأهواء المختلفة، والخطوط المتباينة، والانتماءات المتنوعة، مما يوقعه في الحيرة، ويسلّمه للضياع. وهذا هو ما توحي به الآية وما بعدها، وما تدل عليه الآيات المتعددة المتفرقة في أكثر من سورة في الحديث عن ملّة إبراهيم حنيفاً، التي تلتقي مع هذه الآية في الجوّ وفي بعض مفردات التعبير، وما تؤكد عليه الآيات المتحدثة عن دعوة الأنبياء التي تلتقي عند نداءٍ واحدٍ حول عبادة الله الواحد الذي لا إله غيره.
وقد وردت الأحاديث عن أئمة أهل البيت لتؤكد ذلك، كما جاء في حديث هشام بن سالم عن أبي عبد الله «جعفر الصادق»(ع) قال: قلت: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} قال: التوحيد[1].
وفي الدر المنثور روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله(ص): {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} قال: دين الله[2].
والظاهر أن هذه الرواية لا تنافي ما قلناه، لأن دين الله الذي أراد لكل رسله أن يبلغوه هو التوحيد في العقيدة وفي العبادة، الذي تتفرع منه كل التفاصيل في دائرة المبدأ.
ــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الميزان، ج :16، ص:191.
(2) الدر المنثور، ج :6، ص:493.
تفسير القرآن