من الآية 33 الى الآية 37
الآيــات
{وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ* لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتيناهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ* أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ* وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ* أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (33ـ37).
* * *
معاني المفردات
{أَنزَلْنَا}: المراد بالإنزال هنا: الإعلام أو التّعليم مجازاً.
{سُلْطَاناً}: السلطان: البرهان.
{يَتَكَلَّمُ}: المراد بالتكلم هنا: الدلالة مجازاً.
{يَقْنَطُونَ}: ييأسون.
* * *
كيفية تصرف الناس أمام الشدة والرخاء
تتكرر في القرآن الآيات التي تثير الظاهرة القلقة المتكررة في حياة الناس في الابتهال إلى الله في حالة البلاء، والإِعلان الإيماني بأنهم يخلصون له في العبادة والطاعة إذا رفع عنهم البلاء، فإذا جاءت العافية، برحمةٍ من الله، نسوا كل ما قالوه، وعادوا إلى ما كانوا عليه.
وتستهدف هذه الإِثارة التنبيه على ضرورة امتداد علاقة الإنسان بربه إلى جميع حالاته، ليكون الله هو الأمل في حالة الشدّة، والرحيم في وقت الرخاء، وليشعر الإنسان بحاجته إليه في كل شيء، لأن كل ما لديه من النعم التي تحكم حياته هي من الله، فلا يستغني عنه في أيّ وقت.
* * *
الإنابة عند الضر والشرك عند الرحمة
{وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} في ما يمثله الدعاء الحارّ النابض بالألم، الممزوج باللهفة، المتحرك بالأمل، من عودة محكومة بظروفها الحادّة الخانقة التي ترى في الدعاء المتنفس الذي يخرجها من الاختناق، والساحة الواسعة التي تبتعد بها عن أجواء الحصار، فإذا جاء الفرج، وتباعدت الشدّة، وهطلت الرحمة، وتنفست الحياة، وعاشت في حرية العافية، كان لهؤلاء الناس وضع آخر يختلف عن روحية العودة إلى الله.
{ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً} فأحسّوا ببرد العافية في حياتهم، وبطمأنينة الأمن في ساحتهم، رجعوا إلى أصنامهم البشرية، واستسلموا لعلاقاتهم الصنمية، ليلجأوا إليها، ويتعبّدوا لها، ويستغرقوا في أوضاعها الكافرة والمنحرفة، وليبتعدوا عن الله من جديد، {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} فهم ليسوا كل الناس، لأن هناك من يعيش عمق الإيمان بالله وشمول الإحساس بحاجته إليه، فيبقى مع الله في إخلاص التوحيد، وتوحيد العبادة له. ولكن الفريق الآخر الذي يعيش الإيمان في دائرة اللحظة، لا في امتداد الحياة، هو الذي ينحرف ويبتعد عن خط الإيمان ويستسلم لأهواء الشيطان، {لِيَكْفُرُواْ بِمَا آتيناهُمْ} من النعم، وليتمردوا ما شاءت لهم الأِهواء والأطماع، فلن يضروا الله شيئاً، لأنه الرب الغني عن عباده، لا ينفعه شكر الشاكرين ولا يضرّه كفر الكافرين.
{فَتَمَتَّعُوا} أيها الكافرون بنعم الله {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} ما هي نتائج أعمالكم وما هو المصير الذي ينتظركم عند الله، وهذا هو الخطاب الذي يوجهه الله إليهم عندما يقفون في غفلة الزهو والخيلاء، ويعيشون سكرة النعمة والرخاء.
{أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً} في ما يتمثل بالحجة العقلية والعلمية من سلطانٍ على العقل الذي يتطلب القناعة بالبرهان {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} ليتحدث عن شرعيته في موقع الألوهة، أو ربوبيته في موقع العبادة، في ما يمكن أن يؤكد صفة الشريك لله من خلال ما يملك من علمٍ وقدرةٍ وحكمةٍ في ساحة الوجود كله.
وهذا الاستفهام إنكاريّ يستهدف النفي والرفض لذلك، لأن وحدانية الله هي الحقيقة التي تهزم كل فكرة الصنمية لأي شخص، أو لأيّ شيء، لأن كل ما هو غير الله، فهو مخلوق ومربوبٌ له، فكيف يمكن أن يساويه ليكون شريكاً له؟!
وهذه هي الظاهرة التي تنتهي بالشرك عندما يتحرك البلاء، وتأتي الرحمة من بعده.
وهناك ظاهرة أخرى معكوسة يجسدها قوله تعالى: {وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا} وهي الظاهرة التي يعيش الناس فيها الرحمة في أجواء العافية والرخاء، حتى يستسلموا للأمل الكبير في استمرارها ودوامها، ويعيشوا النشوة اللذيذة في الأحاسيس الحلوة التي تثيرها في حياتهم، حيث لم يدرسوا واقع الحياة المتغير الذي لا تثبت فيه الأمور على حال من الأحوال، ليعرفوا أن العافية قد تختزن في مستقبلها البلاء، وأن الرخاء قد يتحوّل إلى الشدّة، فيدهمهم عندها البلاء في هزة عاصفة تفاجئهم من حيث لا يدرون أو يتوقعون.
* * *
القنوط عند الضيق والبلاء
{وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} في ما يمكن أن تتحول إليه أعمالهم وعلاقاتهم وأوضاعهم المنحرفة السيّئة، إلى مشاكل ومصائب وأحزان وآلام، على أساس أن الله ربط النتائج السلبية التي تعرض للإنسان في الدنيا بالخصوصيات الكامنة في ممارساته العامة والخاصة، تماماً كما ربط النتائج السلبية في الآخرة بالواقع السلبي في الدنيا، مع فارق بارز بينهما، وهو أن الارتباط بين المقدمات والنتائج في الدنيا عضويٌّ تكوينيٌّ، بينما هو في الآخرة حكم إلهيٌّ جزائيٌّ.
وهكذا يندفع الإنسان ليواجه نتائج أعماله المنحرفة في الدنيا، فلا يصبر ولا يفكر، ليواجه الموقف من موقع إرادة التغيير وحركة التصحيح، بل يعمل على أن يسقط تحت تأثير انفعالاته السلبية اليائسة، لأنه لا يملك القاعدة الفكرية الإيمانية التي يرتكز عليها في موقفه، ليتحرك شعوره من خلالها في عملية تماسك وتوازن وثبات.
وفي ضوء هذه الحالة الإنسانية المهتزة، كان هؤلاء الناس الذين إذا أصابتهم سيئة من سيّئات أعمالهم، فأسقطت كل فرح الحياة في قلوبهم {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} ويتساقطون في مواقع اليأس الذي تنهار معه الإِرادة، وتهتز فيه الروح.
{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} فيوسّعه على من يشاء، ويضيّقه على من يشاء، تبعاً للحكمة التي أقام عليها النظام الكوني الذي فيه صلاح الإنسان والحياة، ما يوحي إليهم بأن القضايا ليست خاضعةً في طبيعتها لأمور ثابتة في تمنيات الإنسان، في ما يحب لنفسه من أوضاع، أو في طبيعة الأمور الموجودة في الواقع، {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآياتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} بالله ويفكرون بالظواهر المتحركة المتقلبة في الحياة، بين العافية والبلاء، والفقر والغنى، والشدة والرخاء، والأمن والخوف، ونحو ذلك، فيرون فيها حركة النظام الكوني الذي أودع الله في داخله سننه وقوانينه، التي تنتج الحزن كما تنتج السرور، وتحرّك الخوف كما تصنع الأمن، وتبدع الحياة كما تهز بهجتها بالموت، تماماً كما هي الطبيعة التي تلتقي بالليل، كما تلتقي بالنهار، وبالخريف كما تحتضن الربيع، وبالصقيع في الشتاء كما تعيش مع الدفء والحرارة في الصيف، ويدركون أن ذلك كله ينطلق من طبيعة التوازن الكوني الذي يعطي للحياة حيويةً وحركةً وتنوّعاً واستمراراً ويجدد لها نشاطها، ويحقق للإنسان من خلال التجربة المتنوعة في تأثيراتها المختلفة، خبرةً في عقله، ووعياً في كيانه، وانفتاحاً في حركة شعوره، ما يجعل لها أكثر من تأثيراتٍ إيجابية إلى جانب التأثيرات السلبية السريعة، وبذلك يتعرفون على سرّ الحكمة الإِلهية، وسرّ القدرة التي تحفظ الحياة من الاهتزاز أمام ذلك، ويعيشون ـ على أساس ذلك ـ الثبات في مواقع الحركة والامتداد في أوضاع الانكماش، والصبر العميق الطويل على كل الآلام والأحزان.
تفسير القرآن