تفسير القرآن
الروم / من الآية 38 إلى الآية 39

 من الآية 38 الى الآية 39

الآيتـان

{فآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فألولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} (38ـ39).

* * *

معاني المفردات

{رِّباً}: الربا: نماء المال.

{الْمُضْعِفُونَ}: جمع المضعف، أي ذو الضّعف.

* * *

طلب الزيادة بالصدقة لا بالربا

{فآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ}. هل المراد به القريب من الأرحام، في ما فرض الله له، أم أن المراد به صاحب القربى للنبيّ(ص) باعتبار أن الخطاب له، وذلك في ما فرض الله له من الخمس؟؟ وربما فسّر الحق بغير ذلك، كما روى في مجمع البيان في قوله تعالى: {فآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} عن أبي سعيد الخدري وغيره أنه لما نزلت هذه الآية على النبي(ص)، أعطى فاطمة2 فدكاً وسلّمه إليها، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله(ع) [1].

وقد ذكر صاحب تفسير الميزان أن الآية إذا كانت مدنيَّة، فمن الممكن أو المتعين، أن يكون المراد به قرابة النبي(ص)، أمَّا إذا كانت مكية، فإن المراد به قرابة الأرحام[2].

ولا بد للمفسّر في مثل هذه الكلمات من أن يواجه الكلمة بالمعنى المطلق الشامل الذي يمتد في حياة كل مكلف، انسجاماً مع كلمة المسكين وابن السبيل الممتدة في الحياة العامة. هذا من ناحية طبيعة الكلمة، ولكن لا بدّ من رفع اليد عن العموم إلى الخصوص إذا قام هناك دليل معتبر على تخصيصه بقرابة النبي(ص) مما يحتاج الحديث فيه إلى مجالٍ آخر في الأبحاث الفقهية.

* * *

التصدق على المسكين

{وَالْمِسْكِينَ} وهو الفقير الذي لا يملك مؤونة سنته قوّةً وفعلاً، وقد يراد به الإنسان المسحوق الذي قد يكون أسوأ حالاً من ذلك، {وَابْنَ السَّبِيلِ} المسافر الذي انقطع في سفره فاحتاج إلى المعونة العامة لفقدانه للوسائل الخاصة التي يستطيع بها تدبير حاله بشكلٍ طبيعيٍّ، {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} لأن الإنفاق على أمثال هؤلاء يحمل في داخله رضا الله الذي يحب الناس الذين يشعرون بالمسؤولية الروحية والمادية تجاه الذين يعانون الحرمان في حياتهم، ويرتبطون بالوشائج القريبة في علاقاتهم، لأنهم ينطلقون في ذلك من روحية العطاء وصفاء الإنسانية، وانفتاح الروح على الخير المتدفق من وحي الله، في جوٍّ إيمانيٍّ يتحرك في كل مواقعه وخطواته من خلال رضا الله، ولا شيء غير رضا الله.

{وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الذين يعيشون الاستقامة في خططهم العملية، فيجعلون حياتهم تتحرك بالخير، وتتجه نحو الله في كل مواقع حبّه.

* * *

الربا لا يربو عند الله

{وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} في ما تتعاملون به من الربا الذي تبتغون به تنمية أموالكم وزيادتها مما حرّمه الله، أو في ما تقدمونه إلى الناس من عطيّةٍ لا تقصدون بها وجه الله، بل أن يمنحكم ذلك الموقع الذي ترتفعون به عند الناس لتحصلوا على مقابله، أو لغير ذلك في تفسيرٍ آخر، {فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ} أي فلا يزيد عند الله بالحصول على ثوابه الذي قد يكون نوعاً من أنواع تنمية المال في حسابات الآخرة، لأنكم لم تقصدوا وجهه، ولم تستهدفوا ثوابه، فليس لكم شيء عنده من خلال ذلك. {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} في ما تعطون منه ذا القربى والمسكين وابن السبيل ونحوهم من ذوي الحاجة، امتثالاً لأمر الله في ما يأمركم به من ذلك، أو في ما يحبه منه، {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} الذين يضاعف الله لهم مالهم في الدنيا في ما يحققه لهم من رزق واسع، أو ما يمنحهم في الآخرة من ثوابه الذي يضاعفه لهم، فيعطي الحسنة عشر أمثالها، ويعطيهم بالحبة سبعمائة قابلة للزيادة.

وقد ورد في الكافي بإسناده عن إبراهيم اليماني عن أبي عبد الله «جعفر الصادق(ع)» قال: الربا رباءان: ربى يؤكل وربى لا يؤكل، فأمّا الذي يؤكل فهديتك إلى الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها، فذلك الربا الذي يؤكل، وهو قول الله عز وجل: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ} وأما الذي لا يؤكل، فهو الذي نهى الله عنه وأوعد عليه النار[3].

وقد ورد عن الإمام علي أمير المؤمنين(ع): إن الله فرض الزكاة تسبباً للرزق، وعن فاطمة الزهراء(ع): فرض الله الزكاة زيادةً في الرزق[4].

وقد ذكر صاحب تفسير الميزان أن تفسير الربا بالربا المحرّم، والزكاة بالزكاة الواجبة، مبنيٌّ على أن الآية من الآيات المدنية، أمَّا إذا كانت من الآيات المكية، فلا بد أن يراد به الربا المحلّل والزكاة المستحبة.

ويتابع كلامه فيقول: «وهذه الآية والتي قبلها أشبه بالمدنيات منهما بالمكيّات ولا اعتبار بما يدعى من الرواية أو الإجماع المنقول»[5].

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع البيان، م:4، ص:395.

(2) تفسير الميزان، ج:16، ص:190. [بتصرف]

(3) تفسير الميزان، ج:16، ص:194.

(4) (م.ن)، ج:16، ص:194.

(5) (م.ن)، ج:16، ص:191.