تفسير القرآن
الروم / من الآية 42 إلى الآية 45

 من الآية 42 الى الآية 45
 

الآيــات

{قُلْ سِيرُواْ فِي الاَْرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ* فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ الْقِيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ* مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلاَِنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ* لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (42ـ45).

* * *

معاني المفردات

{يَصَّدَّعُونَ}: أصله يتصدعون، وتصدّع القوم: تفرّقوا.

* * *

أخذ العبرة من تجربة المشركين

{قُلْ سِيرُواْ فِي الاَْرْضِ} في ما يمثله السير المتحرك في أنحاء الأرض في المواقع التي عاش فيها السابقون من الناس، وانطلقت بها مطامعهم ومطامحهم في آفاق الحياة وفي ساحة الصراع، حيث استغرقوا في أوضاعهم ومشاكلهم، فلم يفكروا بالجانب الآخر من شاطىء الحياة، بل عاشوا في الضباب الفكري والروحي والشعوري الذي يحجب عنهم وضوح الرؤية للمصير الحاسم، فيخيَّل إليهم أنهم خالدون في ما حصلوا عليه من أموال وأولاد وجاهٍ وملك كبير، وفي ما بنوه من دور وقصور وقلاع.

إنها التجربة الحيّة التي يتحرك فيها الناس في ساحات التاريخ الحيّ في صورته الماثلة على الأرض، في حقائق الواقع المكتوبة في مشاهده، لا في حروفه وكلماته، {فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ} فهل بقي منهم أحد، وأين ذهبت حياتهم وأطماعهم، وهل استطاعوا أن يخلدوا أو تخلد دورهم وقصورهم، وهل استطاعت قلاعهم أن تحميهم من الموت ومن قضاء الله وقدره، وهل انتفعوا بتمردهم على الله وابتعادهم عنه؟

* * *

كان أكثر الذين من قبل مشركين

{كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} يعبدون الأصنام، ويتحركون في مواقع القيم الوثنية التي لا يعيش الإنسان معها الانفتاح على الله في ما يرتبط به من علاقة الرسالة بالحياة وبالناس الآخرين لديه، ومن مسؤوليته عن كل ما حوله ومن حوله من الموجودات الحيّة والجامدة، ليجد فيها سرّ قدرة الله وإبداع حكمته. وهكذا كانت الحياة عندهم محكومةً للجانب المتحجر من المادة، لا الجانب الحيّ من الروح. فهل أفادهم ذلك شيئاً، فأين هم الآن، وأين موقع الأصنام من كل حياتهم في مسألة البداية والنهاية؟ لقد عاشوا في تفكيرهم في مواقع الشيء الذي لا يحمل معنىً ثابتاً في ما هو العمق من معنى الحياة وسرّ المصير، ولذلك فإنهم انفتحوا في النهاية على اللاشيء في المسألة الجدّية من الفكر والواقع.

ولعلّ في التعبير بقوله: {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} بعض الإِيحاء بأن الموحّدين المؤمنين هم الأقليّة التي صبرت على الفكر الذي يفرض جهد التأمّل، وعمق البحث، وانفتحت على الحقيقة من موقع المعاناة الطويلة القاسية، وصبرت على الثبات في ساحة المبادىء وتمرّدت على كل تهاويل الأشباح، حتى استقرت في مواقع التوحيد وفي آفاق العبادة الخاشعة بين يدي الله.

* * *

الاستقامة على الدين سلامة للمصير

وإذا كانت الأقلِّية هي التي تلتزم الحق في الإيمان ـ غالباً ـ فإن المعنى الكامن في ذلك أن الأكثرية لا تمثل المقياس الدقيق للحقيقة {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ الْقِيِّمِ} البليغ الاستقامة، الذي لا عوج فيه، لأنه يبدأ من توحيد الله ليستمر، فيستقيم في خط الله على هدى وحيه وشريعته، ما يجعل من الانتماء إليه، والالتزام به، وإقامة الذات في كل تطلعاتها وخطواتها في اتجاهه، القاعدة الصلبة التي تنطلق منها سلامة المصير. فذلك هو وحده الفرصة الوحيدة والطريق الوحيد للخلاص، {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ} لأن إرادة الله قضت بأن يحشر الناس إليه في يوم القيامة، فلا يستطيع أحد أن يردّه، لأنه ـ سبحانه ـ لا يريد أن يردّه من جهته، {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} فيصابون بالتصدع والتمزق والتفرّق، فيذهب كل واحد إلى حيث أراد الله أن يذهب في خط مصيره، فلا يبقى لهم من مجتمعهم الذي كانوا يجتمعون فيه ويلتقون على قضاياه، شيء، لأن كل واحدٍ منهم سوف يهتم بمصيره، ليواجه مشاكل العذاب ومواقف الحساب.

* * *

ارتداد العمل على صاحبه

{مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} فهو الذي يتحمل مسؤوليته، فلا يتحملها أحدٌ عنه، ولا يضر أحداً شيئاً من خلاله، لأنه لا يضرّ إلا نفسه.

{وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلاَِنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} في ما يؤدي إليه العمل الصالح من تمهيد ساحة النعيم والرضوان التي تفتح كل جوانبها ولذّاتها للمؤمنين الصالحين، لأنه السبيل إلى الحصول على رحمة الله ورضوانه والدخول إلى الجنة في ما أعده الله للمتقين من ساحة جنته، {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ} فيفيض عليهم من لطفه وعطفه ورضاه، ويرزقهم سعادة الآخرة وثوابها، فهؤلاء هم الذين يحبهم ويرعاهم.

{إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} الذين جحدوا وجوده وأنكروا توحيده، لأنهم لم يرتبطوا به برباط العقيدة والمحبة والطاعة والخضوع، هذا هو الذي ينبغي أن يفكر به الإنسان في موقعه من ربه وعلاقته به، لينطلق من خط الإيمان، ويبتعد عن خط الكفر، لأن الله يحب المؤمنين، ولا يحب الكافرين.