تفسير القرآن
الروم / من الآية 46 إلى الآية 47

 من الآية 46 الى الآية 47

الآيتـان

{وَمِنْ آياتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّراَتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ} (46ـ47).

* * *

من آيات الله إرسال الرياح مبشّرات

{وَمِنْ آياتِهِ} في قدرته ونعمته ورحمته التي تدل على سرّ ربوبيته التي لا يساويه فيها أحد من كل خلقه، سواءٌ هؤلاء الذين اتخذهم الكافرون شركاء أو الذين يوحون لأنفسهم أو للناس بذلك {أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّراَتٍ} بالمطر الذي يسقي الأرض والحيوان والإنسان والنبات، فتدب الحياة في كل شيء من خلاله، فيجمع للناس الحلم الهنيّ بالمطر من خلال هبوب الرياح الذي يوحي به، والواقع المهتز بالريّ والخضرة والحياة.

{وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ} في ما تنتفعون به في غذائكم من خلال ما تنبته الأرض من نبات، وما تختزنه الينابيع المتفجرة من مياه، وما يترتب على هبوب الرياح من تلقيح الأشجار ودفع العفونات وتنقية الأجواء وغير ذلك.

{وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ} عندما يتجمع الماء في البحار والأنهار، فتسير السفن تبعاً للقوانين التي أودعها الله في الكون في انسجامها مع حركة الماء والريح، {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} في ما تتطلبونه ـ من خلاله ـ من رزقه {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الله على هذه النعم العظيمة التي ترتكز عليها حياتكم في استمرار الوجود وفي حركته، وذلك بالكلمة التي توحي بالاعتراف بنعمة الله والثناء عليه، وبالممارسة التي تسخّر عطايا الله لما أراده من طاعته.

* * *

حق على الله نصر المؤمنين

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ} في مسيرة الأنبياء التاريخية الممتدة في الزمن، حيث أراد الله للناس أن يكتشفوا سرّ الهدى في وحي الله وفي تشريع رسالاته، وفي حكمة رسله وجهادهم من أجل تطوير الحياة في اتجاه الخير والعدل والسلام، ليأخذوا بأسباب الهدى، فيهتدوا به إلى رضوان الله، {فَجَآءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ} لأن الله يريد للناس أن ينفتحوا على الإيمان به، من خلال البينات الواضحة التي تقودهم إلى معرفته واكتشاف خط الرسالة الإِلهية في دائرة الحياة وفي حركة المصير. وانطلق الأنبياء بالدعوة، فاتبعهم فريقٌ، وكفر بهم فريق آخر، ووقف الكافرون في مواجهة المؤمنين، ومارسوا الجريمة الوحشية في قتل البعض وتعذيب البعض الآخر، وفي السخرية بالنبيّ والنبوّة والكتاب، وتجاوزوا الحدود في ذلك كله، {فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ} بعد أن أمهلهم الله ليعودوا إليه، وليتراجعوا عن ضلالهم وكفرهم، فلم ينفعهم ذلك، ونصر المؤمنين الذي كانوا يعانون من وحشية الاضطهاد وهمجية الكفر.

{وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنين} لأن الله أرادهم أن يصبروا ويتحركوا في ساحات الجهاد، ليعانوا ويتألموا ويحقّقوا الكثير من النتائج الإيجابية في واقع الإنسان والحياة، ثم يأتي النصر من الله في إرادته الحاسمة في نصر عباده الذين آمنوا به وأخلصوا له في رسالته، في الفكر والشريعة والهدف.