تفسير القرآن
الروم / من الآية 48 إلى الآية 53

 من الآية 48 الى الآية 53
 

الآيــات

{اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ في السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ* وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ* فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْييِ الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْييِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ* فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ* وَمَآ أَنتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بَِايَاتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ} (48ـ53).

* * *

معاني المفردات

{فَتُثِيرُ}: الإثارة: التحريك والنشر.

{سَحَاباً}: السحاب: الغمام.

{كِسَفاً}: الكسف بالكسر فالفتح جمع كسفة، وهي القطعة.

{الْوَدْقَ}: القطر من المطر.

{مِنْ خِلاَلِهِ}: الخِلال: جمع خلة، وهي الفرجة.

* * *

النظر إلى آثار رحمة الله

ويبقى للأسلوب القرآني في توجيه الإنسان نحو الإيمان بالله حركته التي يلامس بها الشعور العميق في إثارة الإحساس الداخلي بالكون من حوله، في ما يتحرك به من آثار رحمة الله، وفي ما يفيض به من منابع نعم الله، ولكن الإنسان يظل في مشاعره قلقاً، فيهتز للبشرى بالنعمة، ويتعقد من خلال مظاهر الخوف، ولا يدرس الأمور بعقله ليعرف طبيعة النظام الكوني الذي تتنوّع أوضاعه تبعاً لتنوع أسرار الحكمة في داخله.

* * *

يرسل الرياح فتثير سحاباً

{اللَّهُ الَّذي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً} بما تحمله من بخار الماء المتصاعد من كتلة الماء في الأرض، وتحرّكه في الفضاء {فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ} ويفرشه في الجوّ كما لو كان بساطاً ممتداً في الأفق {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً} أي قطعاً متراكمة بعضها فوق بعض، فقد يصطدم بعضها ببعض، وقد تنبعث شرارة كهربائية بين طبقةٍ منه وطبقة {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} وهو المطر الذي ينبعث منه فيهطل ويتساقط على الأرض {فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تبعاً للحكمة التي يوزع فيها المطر على البلاد والعباد، {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} به لتأثيره الكبير في حياتهم، لأنهم يشربون منه ويزرعون من خلاله، ويغتسلون ويتطهرون به.

{وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} أي يائسين، في ما تمثله المشاعر القلقة الخائفة من إحساسٍ خائف باليأس والقنوط، عندما يغيب السحاب من الأفق وتجف الينابيع من الأرض، ويموت النبات من الظمأ، وتتساقط الحيوانات أمام مظاهر الجدب.

* * *

الله يحيي الأرض بعد موتها

{فَانظُرْ إِلَى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحييىِ الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} في خضرة الأرض المهتزة بالعشب، والفاكهة المتدلِّية من الأشجار النضرة، وبالزرع الذي يحمل كل خصائص الحياة الغنية بعناصر القوّة للإنسان وللحيوان. ولا تشغلك مظاهر الجمال فيها عن التفكّر في الله الذي خلقها وأحياها وأعطاها سرّ الحيوية والامتداد، وحاول أن تستشعر معنى الرحمة الإِلهية في ذلك كله، ليهتز الشعور بمحبة الله في نظرة الإنسان إلى آثار رحمته، تماماً كما يهتز بالانفعال بجمال الطبيعة في أجواء الربيع المهتز بالخضرة.

ولا يقتصر التوجيه القرآني في استلهام العمق العقيدي بالإيمان بالله والشعور برحمته، على ما يثيره في نفس الإنسان من مشاعر الامتنان بالنعمة والرحمة، بل يمتد إلى أن يحرك الفكر في اتجاه استشفاف عقلانية الإيمان باليوم الآخر في مواجهته للفكرة المضادة التي تنكر البعث على أساس استبعاده، وذلك من خلال المقارنة بين موت الأرض وحياتها بقدرة الله، وبين موت الإنسان وإحيائه بعد ذلك بقدرة الله، فإن محيي الأرض هو محيي الإنسان {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فإذا كان الله يملك القدرة المطلقة فلا يعجزه شيء، في ما يخلق، ولا في تدبيره، ولا في تغييره بما يشاء.

{وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً} يؤدي إلى اصفرار الزرع بعد خضرته بفعل المؤثرات التي يتأثر بها من خلال الريح الباردة التي تقتل الزرع بفعل الصقيع، {لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} لأن مسألة الإيمان ليست فكراً مستقراً من خلال القناعة الوجدانية الثابتة القائمة على التأمل في مواقع العقيدة ومصادرها، بل هي انفعالٌ متحركٌ متزلزلٌ بالأوضاع الخارجية المتصلة بحياتهم في ما ينزل عليهم من رحمة، أو يصيبهم من نقمة. وتلك هي مشكلة الكثيرين من الناس في انفعالهم بقضايا العقيدة والرسالة، حيث تتغير مواقفهم تبعاً لتغير النتائج المرتبطة بتأثيرات الموقف على مصالحهم وانفعالاتهم، فيقفون معها إذا جرت الأمور بما يشتهون، ويبتعدون عنها، بل يتعقَّدون منها، إذا اهتزت مصالحهم الخاصة، وتأثرت شهواتهم الجامحة. وهذا هو الذي يجب أن يدرسه العاملون في حركة الإيمان في ساحة الانتماء والواقع.

* * *

لا تسمع الموتى ولا الصم

{فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} الذين لا يملكون حسّ الانفعال بما حولهم من الأحداث والأقوال والأفعال، وإن كانوا يملكون نبض الحياة في أجسادهم، لأنهم في غيبوبةٍ عميقةٍ عن كل قضايا العقيدة والواقع المتصل بالرسالة، لاستغراقهم في شهواتهم، حتى أنهم لا يحسّون بشيء آخر غيرها.

{وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ} الذي تدعوهم فيه إلى الإيمان أو التفكير أو الحوار، لأنهم فقدوا إرادة الوعي، فرفضوا الانتباه إلى الكلمات المنطلقة من وحي الله، وأغلقوا آذانهم عن ذلك كله، ما جعل عندهم نوعاً من الصمم الاختياري الذي قد يكون ـ في حساب المسؤولية ـ أشد خطراً من الصمم الطبيعي.

{إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} إذا ابتعدوا معرضين عن التجاوب معك من موقع العقدة المستحكمة في داخلهم، والرفض العدواني في شخصيتهم. فإن أوّل شروط التفاهم بين الناس في ما يختلفون فيه، هو إرادة الوصول إلى النتائج الحاسمة للفكرة، فإذا فقدها أحد الفريقين، تعطل الموضوع كله.

* * *

الهدى يحتاج إلى بصيرة

{وَمَآ أَنتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ} من هؤلاء الذين يملكون العيون التي يبصرون بها الطريق، ولكنهم لا يملكون العيون التي يبصرون بها آفاق العقيدة، ومواقع المسؤولية، وسبل الهدف الكبير، وهي عيون القلوب التي يشرق من خلالها الفكر على حركة الإيمان في الإنسان، لأنهم أغلقوا عيونهم الفكرية عن التحديق بالحقائق الواضحة التي تقدمها الرسالة أمامهم، في مواقع الوحي النازل من الله. ولذلك ضاعوا وضلوا الطريق، فلا تستطيع هدايتهم إليه، لأنهم قد عطلوا الأدوات الحيّة التي تقودهم إلى ذلك.

{إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بَِايَاتِنَا} إيمان عقل ووعي وإرادة {فَهُمْ مُّسْلِمُونَ}منقادون لله، خاضعون لإرادته، لأنهم أسلموا كل حياتهم له، بعد أن آمنوا بأنه يملك منهم ما لا يملكونه من أنفسهم، لأنه هو الخالق الذي يملك الأمر كله والكون كله.