تفسير القرآن
الروم / من الآية 55 إلى الآية 57

 من الآية 55 الى الآية 57
 

الآيــات

{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ* وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَـذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَـكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ* فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} (55ـ57).

* * *

معاني المفردات

{يُؤْفَكُونَ}: يكذبون، وقيل: يصرفون، أي صرفهم خجلهم عن الحق في الدارين.

{يُسْتَعْتَبُونَ}: الاستعتاب: طلب العتبى، وهي إزالة العتاب.

* * *

هذا يوم البعث ولكن كنتم لا تعلمون

{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ} وذلك من خلال استغراقهم في أجواء اللحظة في إحساسهم بالزمن، فلا يعيشون امتداده في ما مضى، كما لو كانوا لا يشعرون بمسؤوليته في ما يستقبلون، أو من خلال غفلتهم عنه، وفقدانهم الإحساس بحركته في حياتهم الماضية حتى يوم البعث، أو في المدة التي امتدت منذ الموت حتى البعث. ولهذا أقسموا أنهم لم يلبثوا غير ساعةٍ، فأكدوا بذلك فقدان ذاكرتهم حول الماضي، أو غياب التركيز في وعيهم لمضمون ما في الذاكرة، من خلال ما يتولاهم من الدهشة والمفاجأة {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} أي يبتعدون ويصرفون عن الحق إلى الباطل عندما كانوا في الدنيا يؤكدون للآخرين نفي البعث والحساب. وبذلك كانت القضية لديهم هي قضية الشخصية القلقة الرافضة للحقيقة، الهاربة من مواجهتها، والغافلة عنها الهاربة من إعلانها، ما يجعل السلوك الذاتي المنحرف خاضعاً للخلفيات المرَضِية الكامنة في العمق الداخلي للذات.

{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ} في ما أخذوا به من أسباب العلم الذي أغنوا به عقولهم وقناعاتهم، فلم يستسلموا للجهالات وللشبهات، وفي ما اقتنعوا به من مواقع الإيمان، في ما عاشوه من وعي الفطرة، وما استمعوا إليه من نداء الإحساس، وما تأملوه من حقائق العقل، فكانت كلماتهم صادرةً من حركة الحقيقة في العقل والوجدان {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ} فقد لبثتم أمداً طويلاً لا يحصيه إلا الله في كتابه الذي قد يكون كنايةً عن علمه، وامتد بكم الزمن إلى يوم البعث، ومهما كان الزمن الذي لبثتموه، قليلاً أو كثيراً، فإنه لا يغير شيئاً من النتائج الحاسمة في مسألة المصير، {فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ} الذي كنتم تنكرونه وتسخرون من الذين يدعونكم إلى الإيمان به ممن يعتقدون أنه الحقيقة، فهل تستطيعون إنكاره الآن، {وَلَكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} لأنكم ابتعدتم عن الاستماع إلى وحي الله، وتمردتم على الدعوة إلى الحوار من أجل الوصول إلى معرفة الحق في هذا الموضوع، فلم تحصلوا على شيء من العلم، وغرقتم في بحار الجهل والضلال.

{فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ} أنفسهم بالكفر والضلال {معذرتهم} في ما يمكن أن يعتذروا به عن موقفهم المنحرف في العقيدة والعمل، لأن الأعذار قد تساقطت في الدنيا أمام فقدان الحجة التي تدعم موقفهم {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي لا يطلب منهم العتبى، وهي إزالة العتاب عن أنفسهم، بالاستقامة مما فعلوه، أو بالاعتذار عنه، فليست لهم أيّة فرصة للنجاة على كل صعيد.