تفسير القرآن
الروم / من الآية 58 إلى الآية 60

 من الآية 58 الى الآية 60
 

الآيــات

{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بَآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ* كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ* فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} (58ـ60).

* * *

معاني المفردات

{مُبْطِلُونَ}: أي أصحاب أباطيل.

{وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ}: لا يستفزنك، وقيل: لا يحملنك كفرهم على الخفة والعجلة فتفعل خلاف ما أمرت به من الصبر والرفق.

* * *

ضرب الأمثال في القران

{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} في ما أردناه من توضيح حقائق العقيدة والشريعة والحياة، بمختلف الأساليب التي قد تعمل على توضيح الفكرة بشكلٍ مباشر، أو من خلال تقديم الفكرة المماثلة التي يوحي مضمونها الصادق بصدق الفكرة المطروحة. فليس للإنسان أيّ عذر في الكفر والضلال من هذه الناحية، لأن المسألة لا تحتمل الغموض في الأسلوب وفي المضمون، ولكن المشكلة أن بعض الناس من أمثال هؤلاء المشركين لا يكلفون أنفسهم عناء التفكير والتأمل والمناقشة العلمية الموضوعية، بل يبادرون إلى إلقاء الأحكام الارتجالية السريعة، المنطلقة من مواقع الانفعال من جهةٍ، أو من مواقع الانحراف الاختياري عن الحق ومحاولة مواجهته بالاتهام الظالم، من جهة أخرى.

* * *

الإصرار على الجحود

{وَلَئِن جِئْتَهُمْ بَِايَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ}، إنهم يطلقون هذا الحكم على الموقف كله، من دون أن يثيروا أيّ إشكالٍ فكريٍّ في المضمون، ليبحث المتهمون أو المحكوم عليهم، مدى جدّية هذا الإِشكال وصدقه، تماماً كما هي الطريقة المتّبعة لدى الذين يملكون السلطة الغاشمة والقوّة الظالمة، عندما يريدون مواجهة الدعوات التي تدعوهم إلى العدل والحق والخير، فإنهم يستغلّون مواقعهم المتقدمة، ليوجهوا إلى المظلومين والمحقين والخيّرين الاتهامات بالظلم والباطل والشرّ، ليدافعوا عن أنفسهم بهذه الطريقة الانفعالية الكاذبة، {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} فقد ختم الله على قلوبهم، فأغلقها عن وعي حقائق الأشياء، انطلاقاً من اختيارهم الأخذ بأسباب الجهل والبعد عن مواقع العلم، ما جعل مسألة انغلاق القلب وعمى العقل، مسألة نتيجةٍ طبيعيةٍ للأسباب التي اختاروها بممارستهم الخاطئة المتمردة على الحق وأهله، وهكذا كانت نسبة طبع القلب إلى الله، من خلال ما أودعه الله في الأشياء من الربط التكويني بين الأسباب والمسببات، وبين المقدمات والنتائج، بعد أن جعل تحريك الأسباب في الواقع وفعل المقدمات بيد الإنسان واختياره.

* * *

وعد الله حق

{فَاصْبِرْ} يا محمد في دعوتك، وليصبر الدعاة معك، ومن بعدك، لأن النتائج النهائية ستكون في مصلحة الدعوة عندما تنتصر على الشرك كله، {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} فقد وعدك الله بالنصر ولا يخلف الله وعده {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُون} ليهزّوا موقفك، وليثيروا القلق في مشاعرك، وليجعلوا موقعك من الموقف الحق، موقفاً خفيفاً مهتزّاً غير ثابت من خلال هؤلاء الذين لا يوقنون بالله سبحانه.