المقدمة
ســورة النســاء
من وحي القرآن ج 7
سبب التسمية
سميت هذه السورة بـ «سورة النساء»، لاشتمالها على كثير من المفاهيم والأحكام الشرعية المتعلقة بالنساء، التي توضح النظرة الإسلامية للمرأة، من حيث اعتبارها أحد العنصرين اللذين انطلقت منهما حركة الإنسان في الحياة، ومن جهة مساواتها للرجل في القضايا المرتبطة بالجانب الإنساني في شخصيتها وفي مسؤوليتها المستقلة، من حيث إنها كائن قانوني مستقل، لا ولاية لأحد عليها في طبيعة التكليف وفي سعة المسؤولية، فلا حق لأحد بقهرها على ما لا تريده، ولا مجال للانتقاص من شخصيتها الحقوقية في ما تملكه من مال. كما أوضحت هذه السورة حدود العلاقة الزوجية وقيمتها وتفاصيلها، على أساسٍ من كرامة المرأة والرجل ومصلحتهما في سلامة العلاقة وحيويتها، انطلاقاً من الطبيعة الخاصة لكل منهما، بما يمثله من خصائص جسدية، وما ينتظره من دورٍ فاعلٍ ينسجم مع هذه الخصائص، من دون انتقاصٍ من الشخصية العامة التي يلتقي فيها الاثنان في الجانب الإنساني.
وربما كان الحديث عن الإرث في هذه السورة، بالطريقة التفصيلية التي جعلت لكل علاقة نسبيّة أو زوجية حقاً خاصاً في التركة، متصلاً بالنساء، على أساس ما يمثله من تأكيد لشخصيتها المستقلّة التي لم يهملها الإسلام، كما أهملها التشريع الجاهلي الذي اعتبرها سلعة تورث وتنتقل إلى الرجل، مع ما ينتقل إليه من أصناف المتاع، بدلاً من جعلها إنساناً يرث من موقع حقه في الحياة ودوره المميّز، في ما يتميز به الناس من أدوار.
أما قصة اعتبار حصة الرجل أكبر من حصة المرأة، فلذلك حديث مفصل، سنعرف منه أن ذلك لا ينطلق من الانتقاص من كرامة المرأة، بل ينطلق من عملية توزيع المسؤوليات التي جعل الإسلام القسم الأكبر منها على الرجل، مما يفرض ـ من موقع العدالة ـ أن يكون السهم الأوفر له في الإرث.
* * *
القرآن يتحدث عن النساء في أكثر من سورة
ولم يقتصر الحديث عن النساء على هذه السورة فحسب، فقد سبق والتقينا به في سورة البقرة، وسنلتقي به مجدداً في سورة المائدة والنور والأحزاب والمجادلة والممتحنة والتحريم والطلاق. وقد عالجت هذه السورة الكثير من القضايا المتصلة بالشخصية الإنسانية والقانونية للمرأة، وتحدثت عن الحقوق والواجبات الزوجية المتبادلة بين المرأة والرجل، والذي يظهر منه جلياً بأن الإسلام ينظر إلى المرأة ككائن إنساني مستقل في رأيه، وفي تصرفاته، وفي إيمانه؛ فلا سلطة لأحد عليها، إلا في ما تتنازل هي عنه من ذلك.
* * *
المفهوم الإسلامي عن المرأة في النظرة والتشريع
ومن خلال ذلك كله، يمكن إبراز المرتكزات والمبادىء الفكرية التي ينهض عليها التشريع الإسلامي الخاص بالإنسان عموماً وبالمرأة تحديداً، فهناك الأحكام العامة المرتكزة على البعد الإنساني في الواحد، والمندرجة في إطار المسؤولية العامة، للرجل والمرأة، كتلك الخاصة بقضايا الكفر والإيمان والأخلاق والمعاملات المالية والعلاقات الحياتية، وجوانب التربية والسياسة، وبذلك كانت حركة المسؤولية ممتدةٌ في شخصية المرأة وحياتها ـ في جانبيها الإيجابي والسلبي ـ كما هي ممتدّة في حياة الرجل في كلا الجانبين، بحيث لا يلاحظ الإنسان فرقاً في طبيعتها، وإن كان هناك اختلاف في التفاصيل والمفردات. وفي هذا الإطار، تحدّث القرآن الكريم عن الثواب الذي ينتظر المؤمنين والمؤمنات على حدٍّ سواءٍ في الآخرة، وعن العقاب الذي ينتظر الكافرين والكافرات، والزانين والزانيات، والسارقين والسارقات، في الدنيا والآخرة، من دون تفريق بين الرجل والمرأة في خصوصيات العقاب والثواب، مما يعني اشتراكهما في المسؤولية العامة المرتكزة على اشتراكهما في النوع الإنساني.
ثم انطلق الإسلام من موقع خصوصية الذكورة والأنوثة، فجعل الأحكام الخاصة التي تتناول توزيع المسؤوليات في مفردات الحياة، بحسب الدور الذي أعدّه الله لكل منهما، سواء في مواقعهما داخل الحياة الزوجية، أو في مواقع الحياة الأخرى؛ في إطار الحكم والقضاء والشهادة، وغير ذلك من الأمور التي سنعرض لها في ما ينتظرنا من حديث التفسير في الآيات الآتية، فنتعرف ـ من خلال ذلك ـ كيف حدّد الإسلام الدور، وكيف وزّع المسؤوليات.
وتشكِّل هذه النظرة التشريعية المتوازنة للحياة، الأرضية التي تحكم أحكام الإسلام العامـة والخاصـة. فالإسـلام، فـي كل تجلياته العقيدية والأخلاقية والحقوقية، إنما يحاكي الطبيعة الحقيقية للإنسان، ولا يسعى للابتعاد عن هذا الموقع؛ الأمر الذي يجعل الإنسان لصيقاً بواقعه الإِنساني كما هو وكما ينبغي أن يكون عليه، وهذا من شأنه أن يجعل الأحكام أحكاماً سمحة منيرة في متناول الإمكان العملي، لا أحكاماً تضغط على حياة الإنسان بحيث تُحوّلها إلى عبءٍ ثقيلٍ لا يطاق، بما ينحرف به عن المسار الحقيقي والواقعي الذي ينبغي له. ولذلك لم يطرح الإسلام المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في مفردات المسؤولية، بل ساوى بينهما في المواقع العامة للإنسانية، وفرّق بينهما في خصائصها. وهكذا أراد للإنسانية الاستفادة، في نموّها وثقافتها وحقيقتها، من موقع التقاء الرجل والمرأة، كما تستفيد من موقع اختلافهما.
ولعل التجربة الفاشلة، في الماضي والحاضر، من خلال ما أعطاه الإنسان، في مفاهيمه وتشريعاته، للمرأة، تدلّ دلالة واضحة على صحة النظرة الإسلامية الواقعية، لأن كلا التجربتين دلّلتا ـ من موقعين مختلفين ـ على أن النظرة الواحدة من زاويةٍ ضيّقةٍ لا تحل المشكلة، بل تخلق مشكلةً جديدةً. ففي التجربة الماضية كان التركيز على الفواصل التي تفصل بين الرجل والمرأة، مع التأكيد على إثارة النقاط السلبية لدى المرأة بشكل غير واقعي. أما النقاط التي يلتقيان فيها في موقع الإنسانية، فقد حاولت الابتعاد عنها كثيراً. وكان الحديث يدور لدى بعض الفلاسفة، حول ما إذا كانت المرأة ذات روح أو لا؟! وكان عقلها موضع شك، وإنسانيتها، في عمق القيمة، موضع إهمال؛ فلم ينظر إليها من موقع التكامل الذاتي الذي يجمع الروح والعقل في الإطار الإنساني، بل كلّ ما هناك، أنهم نظروا إليها كأنثى، كأداة للمتعة فحسب. ولما كان هذا الجانب من شخصيتها يوحي بالعار، في ما يعيشه الناس من قيم متخلّفة، كان الموقف منها موقفاً سلبياً، يتمثل بالأسى والألم والشعور بالمنقصة، كما حدثنا القرآن عن ذلك في قوله تعالى:
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالاُْنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 58ـ59].
وفي هذا الجو عاشت المرأة على هامش الحياة، كما تعيش الكميات المهملة التي ليس لها قيمة بذاتها، بل بما هي حالةٌ تابعةٌ للرجل، كأيّ متاع من أمتعة البيت لا حسّ له ولا روح، وبذلك فقدت الفرصة في تنمية طاقتها وتوجيهها لما ينفع الحياة والإنسان.
أما التجربة الحديثة، فقد حاولت أن تماهي بالمطلق بين الرجل والمرأة من خلال فكرة المساواة، التي حصرت همّها بالإطار الإنساني العام الجامع للمرأة والرجل، من دون التفاتٍ إلى الجوانب الخاصة المميزة لكل منهما، مما أبعدها، أيضاً، عن مبدأ التوازن. فالنظرة المعاصرة نهضت على مفهوم المساواة بينها وبين الرجل، على ضوء فكرة الحريات؛ فقالوا بأن المرأة إنسانة مستعبدة ومقهورة ومظلومة في البيت وفي العمل وفي علاقات الحياة، فلا بد لها من أن تأخذ حريتها، كجزء من حركة الحرية في حياة الإنسان، لكي تفجر طاقاتها في بناء الحياة والإنسان. ومن الواضح، أن هذه النظرة هي بمثابةَ ردِّ فعل على الواقع القاسي الذي كانت تعاني منه المرأة، وهي كأيّ ردّ فعل، تفتقد للاتزان والهدوء، فكان أن منحت المرأة الحرية في كل مجال، وطالبت لها بالمساواة في كل شيء، وبدأ السير في اتجاه الخطأ من هذا الموقع، الذي ساهم في إلغاء خصوصية كلّ من الرجل والمرأة، فأبعد كلاً منهما عن أن يكون إنساناً من نوع خاص، لتتكامل الإنسانية، في نموذجها الإنساني، في جوانب اللقاء وفي جوانب الافتراق؛ فانطلقت المرأة في محاولة الاسترجال، وانطلق الرجل في محاولات التأنُّث أو التخنُّث، فباتت المرأة غريبة عن نفسها، وبات الرجل غريباً عن نفسه أيضاً.
وقد لا يستطيع الإنسان الإنكار أن هناك عبقريات نسائيّة استطاعت فرض نفسها في كثير من مجالات المعرفة والتحرك، وأن للمرأة طاقاتٍ يمكن أن تبدع فيها في أكثر من موقع؛ ولكن ذلك لا يمنع من بقاء حالة فراغ في داخل المرأة وفي داخل الرجل، أبقت المشكلة قائمةً في مجال الحرية والمساواة. ولا نزال نسمع الأصوات التي تنطلق بين حين وآخر، من قبل مجموعات كبيرة من النساء، في أكثر من بلد، للعودة إلى الأجواء العائلية المنزلية الحميمة التي فقدتها المرأة بفعل صرعة المساواة، مما يدل على أن التطور الجديد لم يحل مشكلة للمرأة، إلا بخلق مشكلة أخرى. أما الإسلام فقد أراد للمرأة أن تكون الإِنسان ـ المرأة، كما أراد للرجل أن يكون الإنسان ـ الرجل، من خلال النظرة الواقعية التي تجمع بين الخصوصية والشمول.
* * *
كيف نفهم موقف التشريع من شهادة المرأة؟
وقد يثار في هذا المجال أن الإسلام ينظر إلى المرأة بشيء من المهانة، ما يوحي ببعض النقص في شخصيتها، كما يلاحظ ذلك في ما يؤكده التشريع من نقص اتّزان في الفكر، في مقابل الامتلاء العاطفي، وذلك في التشريع المتمثّل باعتبار شهادة امرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد.
ولكن ذلك ــ في ما نفهمه ــ لا يعني نقصاً ذاتياً في المستوى العقلي لها، بل كل ما يعنيه هو الاحتياط للعدالة، في ما قد تدفع إليه العاطفة من الانسياق وراء الأوضاع المأساوية والعاطفية، الأمر الذي يؤدّي إلى الإخلال بتوازن موقفها ممّا من شأنه أن ينعكس سلباً على صدقية شهادتها. وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في الآية التي عرضت للشهادة في قوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسأمُواْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282]. فنلاحظ أنه لم يعلل الموضوع بالنقص الذاتي للمرأة من ناحية التفكير، بل علّله بإمكانية سقوطها تحت تأثير العاطفة التي عبر عنها بالضلال وهو الابتعاد عن الخط المستقيم. وما يؤكّد هذه الملاحظة، أن القرآن اعتبر المرأة هي التي تذكّر وتهدي، مما يدلّ على أن المرأة إذا ضلّت، في بعض مواقفها، فإن هناك امرأة أخرى تتدخل لتهديها إلى سواء السبيل.
* * *
الضعف ليس قدر المرأة الحتمي
يبدو لنا ونحن نناقش هذا الجانب العاطفي للمرأة، أن العاطفة ليست قدراً لازماً لها وضريبةً مفروضةً عليها، بل هي إحدى نقاط الضعف البارزة في شخصيتها، تماماً ككل نقاط الضعف الأخرى الموجودة لدى المرأة والرجل، مما نلاحظه في الآيات التي تؤكد على ضعف الإنسان وعجلته في الأمور، وانحرافه أمام ذلك كله، مما دعا القرآن إلى توجيه النداءات المتنوّعة الداعية إلى العمل على خلق حالة توازن عاطفي داخل النفس، كشرط مساعد على تحقيق العدالة، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأماناتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]؛ {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152]؛ {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالاَْقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ} [النساء: 135]؛ {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]. فهذه النداءات موجهة للرجل والمرأة معاً، ليعملا على تركيز شخصيتهما على أساس التوازن العاطفي المعين على إقرار العدالة في الحكم والشهادة والموقف، وذلك عن طريق المحاسبة والمراقبة والمجاهدة.
وما تقدم يعني ضمناً، أن بإمكان المرأة تجاوز نقاط ضعفها العاطفية في شخصيتها وتحويلها إلى نقاط قوة. وقد تبلغ في هذا المجال مستوىّ أعلى من مستوى الرجل، تبعاً للجهد المبذول في قوة المعاناة والمجاهدة من قبلها، بينما لا يعمل الرجل على تركيز ما لديه من إمكانيات وقابليات وتطويرها وتقويتها، مما يجعله أكثر قابليةً لحالات ضعف متلاحقةٍ جديدةٍ، في الوقت الذي تعمل المرأة على تفجير طاقاتها في اتجاه القوة.
* * *
القرآن يضرب المثل بالمرأة القوية
وقد حدثنا القرآن الكريم عن نموذج المرأة القوية، التي استطاعت الثبات أمام ضغوط وسطها الاجتماعي من دون ضعف، في حديثه عن مريم ابنة عمران التي استسلمت، في البداية، لنقطة ضعف أنثوية، في ما عبّر عنه الله بقوله ـ حكايةً عنها ـ { قَالَتْ يلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً}[مريم: 23]، ولكنها سرعان ما تمالكت نفسها وتماسك موقفها، بعد أن فتح الله أمامها أبواب الأمل والطمأنينة، المتمثلة بحدث الولادة المبارك، ودعاها إلى الاعتصام به والثبوت أمام هجمات مجتمعها المتهمة لها بالسوء، والصوم عن الكلام تأكيداً للرفض المترفع عن دناءة التهمة، والثقة المطلقة بأنها تملك من قوة البراءة ما يجعلها فوق مستوى الاتهام. واجهت قومها، الذين جاؤوا يلعنونها ويشتمونها ويتهمونها بأبشع الاتهامات، بكل قوة وترفع، من دون أن تنطق بكلمة، وأشارت إلى المولود ليجيبهم عن تشكيكاتهم واتهاماتهم غير مكترثة باستغرابهم، لأنها كانت محصنة بقوة الإيمان.
وثمة حديث قرآني آخر عن امرأة فرعون، التي تجسّدت في شخصيتها قوة الإرادة المتحدية لإغراءات سلطة المال والجاه والسلطان فواجهت الواقع الصعب الملفوف بأجواء الكفر، والمحفوف بالآلام والأشواك، مستعينة بالله أولاً وبوعده الخاص المتمثل بفيض رضوانه الأكبر أي الجنة، غارفة من هذا كله، القوة والعون والصبر.
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم:11]. ونلاحظ أن الله أراد ضرب امرأة فرعون مثلاً للذين آمنوا رجالاً كانوا أو نساءً؛ مما يوحي بأن المرأة الصالحة القوية تمثل دور القدوة للرجال والنساء معاً. وهذا من أكبر الشواهد على احترام الإسلام للمرأة وتكريمه لها، بالمستوى الذي يدعو الرجال المؤمنين إلى الاقتداء بها في هذا التجسيد الحي للإيمان الرافض لكل المتع والإغراءات في أجواء السلطة، ولكل الرموز والأعمال المتمثلة في أصحابها.
ومن هنا، كان الوحي القرآني، يؤكد للمرأة قدرتها على الانتصار على نوازع الضعف الإنساني الأنثوي بالتربية والوعي والممارسة، في المستويات التي تساوي فيها الرجل أو تتفوق عليه. وبهذا يبطل التصور الذي يتصوره بعض الرجال بأنهم أعظم قدراً من المرأة، أية امرأة كانت، فينظرون إليها نظرةً متعاليةً على أساس التفوق النوعي. إن القرآن يوحي بخطأ هذه النظرة، لأن بعض النساء قد تكون أعظم من بعض الرجال بعقلها الغني بالتجربة، وإرادتها الصلبة في مواقع المعاناة.
* * *
لماذا هذا التأكيد على الضعف في التشريع؟
ويُثار هنا سؤال:
إذا كان الضعف الإنساني ظاهرة بشرية عامة، وإذا كان الانتصار عليه في متناول الجميع، فلماذا هذا التأكيد على ضعف المرأة، في نطاق الاحتياط للعدالة، من دون الرجل، أليس هذا تفريقاً في مواقع المساواة؟ وما المانع للمرأة من أن تكون قاضيةً أو شاهدةً مستقلة، إذا كانت صاحبة إرادةٍ قويةٍ وعقلٍ منفتحٍ؟
ونجيب عن ذلك: بأنّ الإسلام لم يفرّق بين المرأة والرجل في تصدّيه لمناطق ضعفهما المشتركة، فأوجب لكلٍّ منهما شروطاً من العدالة والإيمان، ليحجزهما بها عن الانحراف. ولكن الجانب العاطفي لدى المرأة أقوى مما لدى الرجل، لما اقتضته طبيعة الأنوثة والأمومة من النوازع العاطفية التي تغذي العلاقة الزوجية وعلاقة الأمومة بالأولاد. ولما كان هذا الجانب داخلاً في التكوين الذاتي للمرأة، كان من الاحتياط للعدالة دعوة المرأة إلى الابتعاد عن هذه التجربة الصعبة، التي قد توقعها وتوقع المجتمع في السلبيات الكثيرة، في ما قد تسقط فيه تحت تأثير العاطفة بعيداً عن خط العدل، من دون انتقاصٍ لكرامتها الإنسانية، لأن قضية الكرامة لا تكون في منح الإنسان كل الأدوار التي يريدها لنفسه، بل تتمثل في منحه الدور المتناسب وإمكاناته ومصالحه في الحياة.
وفي نهاية المطاف، ربما يكون في هذا الحديث بعض الإجمال في ما يحتاج إلى التفاصيل، ولكننا لا نريد الخوض في الموضوع من جميع جهاته وجزئياته، بل كل ما نريده هو إعطاء بعض ملامح الفكرة العامة، لنتابع التفاصيل والجزئيات في تفسير الآيات مع لحظ الجوانب المتنوعة في آفاق القرآن الكريم.
* * *
وقد تعرضت السورة لمواضيع متعددة يجمعها غرض واحد يتمثل في تنظيم واقع الإنسان، وفق خط التقوى، والبعد عن الانحراف عن طريق الإيمان، والارتكاز على القواعد الأصيلة في مصادر العقيدة والشريعة، وعدم الاستسلام للأهواء في ذلك، وتنظيم الأسرة في علاقاتها الإنسانية المحلّلة والمحرّمة، والمال في حدود الحلال والحرام، ونظام الإرث كوسيلة عملية من وسائل توزيع الثروة وعدم تجميعها في يد شخص واحد، وتخطيط الأسس التي تقوم عليها الجماعة الإسلامية، وتوجيه المؤمنين الى أن يتحملوا مسؤوليتهم في الدعوة الى الله ومواجهة أعداء الله، والوقوف أمام كل التحديات الفكرية العملية، في ما تثيره القوى المضادة في وجه الإسلام والمسلمين من أكاذيب وافتراءات وشبهات، من أجل أن يعيش الإسلام في الحدود الآمنة التي يرعاها المؤمنون بكل قوتهم وامتداداتهم في الحياة. وهذا ما نرجو أن يوفقنا الله لتفصيله في تفسيرنا للآيات البيّنات التي تؤلف مجموع هذه السورة.
تفسير القرآن