تفسير القرآن
النساء / الآية 6

 الآية 6
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــــة

{وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً}(6).

* * *

معاني المفردات

{وَابْتَلُواْ}: اختبروا وامتحنوا، وهذا خطاب لأولياء اليتامى، فلا بد لهم بعد البلوغ من اختبار وعيهم العملي وقدرتهم على إدارة أموالهم في ما يصلحها ولا يفسدها من خلال القابلية العقلية المنفتحة على الأشياء في الواقع، فهذا هو الشرط الشرعي لدفع أموالهم إليهم.

{بَلَغُواْ النِّكَاحَ}: أي السنّ الذي يملكون فيه القدرة على الزواج وهو النضج الجنسي.

{ءَانَسْتُمْ}: أبصرتم، والإيناس: الإبصار من قوله: {ءَانَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً} أخذ من إنسان العين وهو حدقتها التي يبصر بها، وأنِست به أنساً: ألِفتُه، وفي قراءة عبد الله «أحستم» أي أحسستم، بمعنى وجدتم، فحذف إحدى السينين نحو قوله: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ }.

{رُشْداً}: خلاف الغيّ، والمراد به هنا العقل العملي بإصلاح المال وحفظه واستثماره، فلا يجوز الحجر على البالغ الذي يملك قابلية إصلاح ماله حتى لو كان فاجراً، بينما يحجر على السفيه وإن كان عاقلاً إذا كان سفهه متحركاً في تجربته العملية وحركته في الواقع.

{إِسْرَافاً}: الإسراف تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الإفراط، وربما كان في التقصير، غير أنه إذا كان في الإفراط يقال منه أسرف يسرف إسرافاً، وإذا كان في التقصير يقال: سرف يسرف سرفاً، ويقال: مررت بكم فسرفتكم، يراد به: سهوت عنكم وأخطأتكم، والمراد به هنا مجاوزة الحد في التصرف في المال بحيث يعتدي على أموال اليتامى بالتجاوز عن الحد المعقول في التصرف من غير حاجة واستحقاق بل إجحافاً من غير مبالاة.

{وَبِدَاراً} مبادرةً ومسارعةً إلى الشيء، وأصل ذلك الامتلاء، ومنه البدر: القمر لامتلائه نوراً، والبدرة: لامتلائها بالمال، والبيدر: لامتلائه بالطعام، ومعنى قوله: {وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} أي مسارعين في أخذ المال منهم حذراً من أن يكبروا فينتزعوها منهم.

{فَلْيَسْتَعْفِفْ}: فليطلب طريق العفة بماله ويمتنع عن أخذ مال اليتيم قليلاً كان أو كثيراً.

{حَسِيباً}: شاهداً ورقيباً، وكفى بعلمه ـ تعالى ـ وثيقة. وقيل: محاسباً، فاحذروا محاسبته.

* * *

مناسبة النزول

جاء في أسباب النزول ـ للواحدي ـ: «نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتاً وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي(ص) فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحلّ لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية»[1].

وجاء في الدرّ المنثور: «أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عنه، فخاصمه إلى النبي(ص) فنزلت الآية»[2].

* * *

الرشد شرط في رفع الحجر عن مال اليتيم

كانت الآية السابقة واردةً مورد الحديث عن الجانب السلبي في أموال الأيتام الذين لم يبلغوا سن الرشد؛ وجاءت هذه الآية لتتحدث عن الجانب الإيجابي منه، الذي يحدّد لنا الحدود التي يجب علينا الوقوف عندها في ذلك فقوله تعالى: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى} من الذكور والإناث، أي اختبروهم في عقولهم وذلك من خلال التجربة الحية في ممارسة المعاملات المتعلقة بالمال تحت إشرافكم، لتتعرفوا مدى ما يملكونه من القابلية العملية في إدارة المال وملاحظة عناصر الربح والخسارة في حركته في الواقع.

{حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} أي السنّ الذي يبلغون فيه البلوغ الطبيعي الذي يتحول فيه الإنسان من حالة الصبا إلى حالة النضج الجنسي، بحيث يقدر فيه على النكاح الذي يملك فيه قابلية التناسل، وذلك ـ في ما نستقربه ـ بالاحتلام لدى الذكر والحيض لدى الأنثى، أما السنّ فقد يكون علامةً على ذلك ببلوغ الذكر خمس عشرة سنة، والأنثى ببلوغ التسع ـ كما يقولون ـ باعتبار أنها تحيض لتسع، ولكن إذا علم عدم الحيض في تلك السنّ، لم يتحقق بلوغها، والبحث موكول إلى الفقه.

{فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} وقدرةً على إدارة أموالهم بحكمة وروية ودراية بحيث يملكون تنمية الأموال بالطريقة المتعارفة لدى الناس وذلك من خلال التجربة تحت نظارة الولي {فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ} ليستقلوا بالتصرف فيه كأي إنسان مستقل في حياته لارتفاع الولاية عنه ببلوغه المرحلة الجسدية والعقلية التي يستطيع فيها التحرك المتوازن في شؤونه كلها، ولا بد من إحراز وصوله إلى هذا المستوى من الرشد لدفع ماله إليه.

* * *

أكل مال اليتيم بالعدل

{وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً} أي لا تتجاوزوا الحد الطبيعي المألوف في ما تأخذونه لأنفسكم من أموال اليتامى كأجرةٍ على تفرّغكم لإدارة أمورهم ورعاية أوضاعهم، فلا تأخذوا أكثر مما تستحقونه وتحتاجونه، وقد جاء في رواية محمد بن مسلم عن أحد الإمامين «الباقر» و«الصادق»(ع) قال: «سألته عن رجل بيده ماشيةٌ لابن أخ له يتيم في حجره ما يخلط، أيخلط أمرها بأمر ماشيته؟ فقال: إن كان يليط حياضها ويقوم على هنائها ويرد نادّتها، فليشرب من ألبانها غير مجهد للحلاب ولا مضرّ بالولد»[3]. {وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} أي مسارعةً لكبرهم وبلوغهم ورشدهم حذراً من انقطاع هذه المنفعة عنهم فيستغلون ولايتهم عليهم لأكل مالهم بدون تحفظ، باعتبار ذلك الفرصة التي تفوتهم فتمنعهم من الاستغلال.

{وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} ويمتنع عن أخذ المال من اليتيم كأجرةٍ وتعويض عن جهده، فذلك ما تفترضه طبيعة المسؤولية الإنسانية في الولاية للأيتام لأنها تتحرك من موقع الرعاية له والحفظ لأموالهم، مما يستوجب العفة عنها ما دام في غنىً عن ذلك، ليكون طلبه للأجر من الله أكثر من رغبته في الحصول على المال الذي يقابل جهده {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} وذلك بدراسة الأجرة التي يستحقها في مقابل الجهد الذي يبذله في رعاية اليتيم لا سيما إذا كان متفرغاً لذلك بحيث يحبس نفسه عليه، فإن له الحق في أخذ أجرة المثل، كما هو الحال في أيّ عامل مماثل في غير هذه الحالة.

وقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق(ع) قال: «المعروف هو القوت، وإنما عنى الوصيّ أو القيم في أموالهم وما يصلحهم»[4]. وروى زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله جعفر الصادق(ع) قال: «قلنا له: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} قال: إنما ذلك إذا حبس نفسه عليهم في أموالهم فلم يتخذ لنفسه فليأكل بالمعروف من مالهم»[5]. وفي رواية أخرى عنه في تفسير الآية فقال: «هذا رجل يحبس نفسه لليتيم على حرثٍ أو ماشيةٍ ويشغل فيها نفسه فليأكل منه بالمعروف وليس ذلك له في الدنانير والدراهم التي عنده موضوعة»[6].

{فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} احتياطاً لأنفسكم أيها الأولياء القائمون على شؤون الأيتام وأموالهم، حتى لا تقعوا تحت تأثير الاتهامات الموجهة إليكم منهم أو من غيرهم إذا جحدوا استلامهم لها، وهذا التوجيه الإلهي يتحرك في خطين: خطٍّ لليتامى لتحصيل الاستيثاق لهم بتسلّم أموالهم في حضور الشهود الموثوقين، بحيث يخضع حقهم للضوابط التوثيقية التي تثبت بها الحقوق لئلا يدعي الأولياء الدفع إليهم ـ زوراً وبهتاناً ـ بدون شهود، وخطّ للأولياء حتى لا يتهمهم اليتامى ـ بعد بلوغهم ـ بخيانة المال بادعاء أنهم لم يدفعوه إليهم، {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} أي شاهداً ورقيباً، فهو الذي يجسِّد الوثيقة الكبرى، أو محاسباً، فاحذروا محاسبته في الآخرة كما تحذرون محاسبة اليتيم بعد البلوغ.

* * *

هل هذه الآية منسوخة؟

جاء في الدر المنثور:«أخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ وابن المنذر عن طريق عطاء عن ابن عباس {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} قال:نسختها {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَامَى ظُلْماً}»[7] [النساء: 10] وأخرج أبو داود في ناسخه عن الضحاك مثله.

ولكن يرد على هذا الكلام، أن النسخ يفرض التنافي بين الآية الناسخة والآية المنسوخة ليكون النسخ حلاًّ للتناهي بلحاظ اختلاف الزمن، وهذا ما لم يتوفر في الايتين، لأن هذه الآية تؤكد على الأكل بالمعروف في مقابل الجهد الذي يبذله الولي في رعاية شؤون اليتيم وتدبير أموره تماماً كأية أجرة على أي عمل يتصل بحياة اليتيم وإصلاح ماله في شؤونه العامة والخاصة، أما الآية الآخرى، فإنها تنهى عن أكل أموال اليتامى ظلماً أي بلا حق، وذلك بطريق الغصب والتصرف فيه بطريقة غير مشروعة. فأين التنافي لتكون الثانية ناسخة للأولى؟

(1) أسباب النزول، ص:80.

(2) تفسير الميزان، ج:4، ص:180 ـ 181.

(3) البحار، م:26، ج:72، ص:268، باب:31، رواية:18. وقوله: يليط حياضها: أي يطينها ويصلحها من الإلصاق. النادّة: النافرة: النافرة الشاردة. غير مجهد للحلاب: أي غير مبالغ فيها.

(4) الكافي، ج:5، ص:130، رواية:3.

(5) البحار، م:26، ج:72، ص:270، باب:31، رواية: 29.

(6) البحراني، هاشم، البرهان في تفسير القرآن، دار الهادي ـ بيروت، ط:4، 1412 هـ ـ 1992م، ج:1، ص:344.

(7) السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الفكر، 1414هـ ـ 1993م، م:2، ص:437 ـ 438.