تفسير القرآن
النساء / الآية 25

 الآية 25
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــــة

{وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَات غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(25).

* * *

معاني المفردات

{طَوْلاً}: غنىً وسعةً وقدرةً، والطول الغنى والزيادة في القدرة. قال الطبرسي: «وهو مأخوذ من الطول خلاف القصر، شُبِّه الغنيّ به لأنه ينال به معالي الأمور»[1].

{الْمُحْصَنَاتِ}: المراد هنا الحرائر بقرينة مقابلته بالفتيات، وليس المراد به العفيفات ولا ذوات الأزواج.

{فَتَيَاتِكُمُ}: إمائكم، يقال للأمة فتاة تلطفاً، والفتى الشاب والفتاة الشابّة.

{أَخْدَانٍ}: أخلاّء في السرّ، جمع خدن وهو الصديق. قال الراغب: «وأكثر ذلك يُستعمل فيمن يصاحب شهوةً»[2] والمقصود هنا الزنى سراً في مقابل السفاح الذي هو الزنى جهراً. فالمراد بقوله {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} غير زانيات لا جهراً ولا سرّاً. روي عن ابن عباس أنه قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنى ويستحلون ما خفي[3].

{الْعَنَتَ}: الجهد والمشقة والشدّة، والمراد به هنا الزنى الذي يكون جرّاء مشقة الشبق وشدة الشهوة.

* * *

الزواج من الإماء: علته ودوافعه

{وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} من ناحية الإمكانات المالية التي تمنحه القدرة على القيام بالمسؤوليات المادية التي يفرضها عليه زواجه بالحرة {أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} أي المؤمنات الحرائر، ولعل المناسبة في التعبير عن الحرائر بالمحصنات، هو أن الحرية تحصن المرأة الحرة من خلال طبيعة الواقع الاجتماعي الذي تعيشه في نطاق القيم العائلية التي تربط الفرد بمجتمعه في حركة العلاقات المحكومة لاعتبارات شرف العائلة وأجواء الإحساس بالكرامة، مما يخلق لدى الفرد الحرّ ـ رجلاً كان أو امرأة ـ حالةً نفسيةً منفتحةً على احترام الذات والابتعاد عن الابتذال الذي يجلب العار للإنسان في وجوده الفردي والاجتماعي، والانطلاق من الضمير الإنساني الذي يخضع للحسابات الدقيقة المانعة من السقوط والانحدار؛ الأمر الذي يجعل الحرية ـ بحسب طبيعتها الذاتية وتقاليدها الاجتماعية ـ مرادفة للعفة، أما الأمة، فإن انتقالها من مالك إلى مالك ـ بحسب طبيعة الواقع التجاري الذي يجعلها سلعةً تتناقلها الأيدي ـ يجعلها بعيدةً عن الإحصان وقريبةً إلى الابتذال، بالإضافة إلى افتقادها ـ في هذا الضياع الإنساني في مدى حركية الملكية ـ العمق الذي يشدُها إلى العائلة ويربطها بتقاليدها ويحصنها بقيمها، ويدفعها إلى الالتزام بشرف العائلة وتقاليدها وعزتها، الأمر الذي يبتعد بها عن صفة الإحصان من حيث طبيعة الأمور.

ولكن ليس معنى ذلك أن الأمة لا تكون عفيفة دائماً، وأن الحرة تلتزم العفة دائماً، بل المسألة تنطلق من خلال مناسبة التعبير على أساس مناسبات الواقع، وهذا هو الذي يجعل من الارتباط الزوجي بالحرة ضمانةً لاستقرار العفة في العلاقة الزوجية بالنسبة إلى المرأة، مما لا يتحقق في الارتباط بالأمة، ولكن ذلك لا يعني إسقاط الزواج بالأمة عن الشرعية، فللمؤمن الذي لا يتمكن من القيام بالالتزامات المادية في الزواج بالحرة، أن يجد الفرصة لصيانة نفسه عن الحرام وللحصول على السكن الروحي والجسدي في العلاقة الزوجية في الزواج بالإماء بشرط أن يكنّ مؤمنات، وهذا ما قررته الآية، فإذا لم تتمكنوا من الزواج بالحرة {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ}. والخطاب موجه إلى مجموع المؤمنين لا إلى المالكين، لأنه لا معنى لأن يتزوج الإنسان بأمته وهي ملك يمينه، بل هي موجهة إلى الذين يريدون الزواج بإماء الآخرين {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} فإذا كنّ مؤمنات تعرفونهن من خلال كلامهن وسلوكهن وانفتاحهنّ على أجواء الإيمان، وكنتم مؤمنين في قلوبكم وألسنتكم وأوضاعكم، فإن الإيمان يتحوّل إلى رابطة تتساوى فيها إنسانيتكم، فلا تعود الرقِّية حاجزاً يقف بين الرق والحرّ ليمنعهما من إنشاء علاقة الزوجية التي تكون فيها الأمة زوجة للحر، فلا ميزة لأحدهما عن الآخر في الإنسانية وفي الإيمان، مما يجعل أحدهما من الآخر في عملية وحدة وتزاوج، وإذا كانت للرق أحكام تختلف عن أحكام الحر، فإنها تمثل بعضاً من الأوضاع الاجتماعية السائدة في الواقع الخارجي القانوني، ولا تمثل شيئاً في العمق الذاتي للإنسان.

وفي ضوء ذلك، يمكن أن نفهم من هذه الفقرة أن الحر والرق نوع واحد يرجع بعض أفراده إلى البعض الآخر، ولذلك، فلا مانع من زواج الحر بالأمة في أيّ حال من الحالات حتى في صورة قدرته على الزواج بالحرة، لأن الاشتراط بالعجز لم ينطلق من شرطية ذلك في المشروعية، بل انطلق من طبيعة الأوضاع الاجتماعية في تفضيل الحر الزواج بالحرة من خلال التقاليد الاجتماعية والاعتبارات النفسية، مما يجعل زواجه بالأمة مقتصراً على صورة عدم استطاعته الزواج بالحرة.

{فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} وهم مواليهن الذين يملكون زمام أمرهن ـ بمقتضى الملك ـ ولعل في التعبير عن الموالي بالأهل إيحاءً بأن الإماء جزءٌ من الأهل والعيال، فهي من أهل البيت في اندماجها بهم على أساس مفهوم بعضكم من بعض {وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فلا بد من إعطائهن مهورهن في الزواج تماماً كما هي مهور الحرائر {مُحْصَنَات} ممن يتاجرن بأعراضهن لكل من أراد ذلك بشكل علني. {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} ممن يتخذن أصدقاء الفحشاء الذين يمارسون الزنى معهن سراً في علاقة غير شرعية خاصة.

{فَإِذَآ أُحْصِنَّ} بالزواج الذي تتعفف المرأة به عن الحاجة إلى الجنس وتستغني به عن الزنى {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} وهي الزنى {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ} الحرائر {من الْعَذَابِ} وهو الجلد، لأن الرجم لا ينتصف. ولعلّ هذا التخفيف عنهن ناتج عن الظروف الخاصة التي تجعلهن في موقع الضعف عن مقاومة إغراء الانحراف، لأن الرق قد يترك تأثيره على نفسية الفتاة، فيقلل من حصانتها الأخلاقية بفعل هذا التداول بين المالكين بعيداً عن علاقة الزواج، مما يجعل من قيود الزواج حالةً طارئةً في حياتهن، الأمر الذي يؤدي إلى التخفيف في العقوبة من حيث التشريع {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} فلم يغلق عنهم باب التعفف بالزواج بالإماء ليضطرهم إلى الزنى الذي فيه هلاكهم، {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} ربما يكون المراد بها الامتناع عن الزواج بالإماء وتحمل الحرمان الجنسي عند العجز عن نكاح الحرائر، لأن هناك أكثر من مشكلة تحيط بالزواج بالإماء اللاتي لم يزلن باقيات على ملك أهلهن، مما قد يسيء إلى طبيعة ثبات الحياة الزوجية واستقرارها، وربما يكون المراد به الصبر عن الزنى بالتأكيد على إشباع الغريزة بالزواج أو بالتقوى المانعة عن ذلك عند عدم توفر الزواج، وربما يكون المراد به تربية ملكة الصبر الذي هو القيمة الأخلاقية التي تمنع الإنسان من الانحراف في كل مواقع حياته في حالة الاهتزاز {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فهو الذي يغفر لعباده كل الاثار السيئة الطارئة في نفوس المؤمنين ويرحم المتقين الذين {إِذَا مَسَّهُمْ طَـئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَـنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ }، والله العالم بحقائق آياته.

* * *

في هذه الآية حديث عن زواج الحر بالأمة؛ فإذا لم يجد الإنسان القدرة من مال أو غيره على زواج المحصنة وهي الحرة، لما يترتب على ذلك من تكاليف وإمكانات لا يملكها، فبإمكانه أن يتزوج من الإماء اللاتي عبّرت عنهن بـ «الفتيات المؤمنات»؛ ولا يلجأ إلى الانحراف عن الشرع، بحجة الحالة الصعبة التي يواجهها في نداء الغريزة. وعلى الإنسان المؤمن أن يعتبر الإيمان رادعاً له عن الاستنكاف والتكبّر، في ما يتعارف عليه المجتمع من العيب في الارتباط الزوجي بالإماء، فإن الإيمان الذي تتصف به هذه الأمة يعلو على كل اعتبار اجتماعي أو عنصري. فإذا انطلق الإنسان في هذا السبيل، فإن عليه أن يلجأ إلى ذلك بالطرق الشرعية، من استئذان الأهل ودفع المهر، لتكون العلاقة مرتكزة على أساس العفة لا على أساس الزنى الذي تمارسه المومسات بطريقة علنيّة، أو على أساس العلاقات السرية التي تتم في الخفاء باتخاذ الصداقات الجنسية بطريقة غير مشروعة. فإذا انحرفت الزوجة ـ الأمة، فإنها تعاقب نصف عقاب الزوجة ـ الحرة، لأنه يحقق معنى التوازن في جانب الحقوق والمسؤوليات والعقوبات؛ فإذا كانت الحقوق أقل، فلا بد من أن تكون العقوبات في المستوى نفسه على أساس العدل.

، لأنه يحقق معنى التوازن في جانب الحقوق والمسؤوليات والعقوبات؛ فإذا كانت الحقوق أقل، فلا بد من أن تكون العقوبات في المستوى نفسه على أساس العدل.

وهذا هو الحل لمن خاف المشقة على نفسه، إذا لم يستطع الصبر؛ أما إذا استطاع الصبر عن زواجها، فإنه أفضل، حذراً من التعقيدات الخاصة والعامة المترتّبة على ذلك، مما يجعل الإنسان المؤمن في حالة غير عادية، من خلال التحديات الكثيرة التي تواجهه في نوازعه النفسية، وفي وضعه الاجتماعي الخاضع لكثير من الأوضاع والتقاليد البالية التي قد لا يثبت أمامها، وفي وضعه القانوني من خلال بقاء علاقة الأمة بأهلها ومالكها، مما يثير كثيراً من الملابسات المتعبة له على أكثر من صعيد. وقد تخضع المسألة لبعض التفصيلات الفقهية التي قد لا نرى ضرورة للحديث عنها، لأن الموضوع لم يعد محلاً للابتلاء في واقعنا الذي انعدم الرق فيه ـ أو كاد ـ من حياة الناس.

ــــــــــــ

(1) مجمع البيان، ج:3، ص:54.

(2) مفردات الراغب، ص:145.

(3) تفسير البيان، م:4، ج:5، ص:28.