تفسير القرآن
النساء / من الآية 26 إلى الآية 28

 من الآية 26 الى الآية 28

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً}(26ـ28).

* * *

معاني المفردات

{سُنَنَ}: طرق حياة، ومناهج سير جمع سُنّة وهي الطريقة.

{تَمِيلُواْ}: تعدلوا عن الاستقامة وتنحرفوا عن الخط الصحيح، لأن الشهوات لا تخضع لميزان سليم.

{ضَعِيفاً}: الضعف ـ هنا ـ من ناحية القوى الشهويّة التي تنازع الإنسان وتبعثه على الاندفاع في الشهوات. والضعف خلاف القوة، وقد يكون في النفس وفي البدن وفي الحال.

* * *

فيوضات الرحمة الإلهية

إنه اللطف الإلهي الذي يفيض بالرحمة والعطف والحنان والرعاية، في كل صغيرة وكبيرة من أمور المؤمنين؛ فهو يتعهدهم دائماً ببيان الوسائل التي يستطيعون من خلالها الانفتاح على الآفاق الواسعة للحياة، في كل ما تحمله من عناصر الخير والصلاح، ويلتقوا بالينابيع الصافية المتفجرة بالماء الذي ينساب في الأرض، لينشر فيها الخصب والرخاء؛ ويرتفعوا إلى القيم الروحية التي ترتفع بالإنسان عن الحدود الضيقة للمادة الجامدة، إلى الأجواء الروحية العالية التي يحدّق فيها في امتداد السماء.

{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} لينير لكم السبيل لإنكم لا تستطيعون معرفة الطريق الواضح المستقيم الذي يحفظ لكم خطواتكم من الضياع ويصونها من الانزلاق في منحدرات الهاوية؛ بل الله هو الذي يهديكم ذلك ويخرجكم من الظلمات إلى النور. ففي كلماته الوحي الذي يفتح القلوب، والضياء الذي يفتح العيون، والهدى الذي يشق الطريق إلى حيث الانطلاق الكبير في رحاب الله. وذلك بأن يفصّل الله لكم برنامج الحياة الذي يتضمن الخلاص في معاشكم ومعادكم بما يبيّنه من أحكام دينكم في دنياكم، باعتبار أنه وحده الذي يحقق السعادة للإنسان في دنياه وآخرته.

{وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} لأن الله يريد لكل أمة أن تكمل الطريق الذي بدأه الآخرون؛ فلا تبقى الأقدام دائماً متحركة في عملية تراجعية إلى بداية الطريق. فقد جعل الرسالات متتابعة في حياة الأمم، ليكون كل رسول متمّماً لما بدأه الرسول الذي قبله، ولتكون كل أمة امتداداً للأمة التي قبلها؛ ولهذا أراد الله سبحانه في كل كتاب جديد من كتبه أن يحدّث رسوله وأمته عن المناهج التي سارت عليها الأمم السابقة، ليعتبروا ويعرفوا حركة الساحة التي يعملون فيها، في ما عاشته من تجارب، وما واجهته من تحديات، وما بلغته من أهداف، لتكون الرؤية واضحة أمامهم، فلا يحتاجون إلى أن يبدأوا التجربة من جديد، بل كل ما هناك أن يفهموا التجارب السابقة ويعتبروا بها، في ما يستقبلون من تجارب الحياة. وتلك هي قصة التاريخ في مفهوم الإسلام؛ فلسنا مسؤولين عن حركة التاريخ في كل مراحل فشله ونجاحه، أو استقامته وانحرافه، بل أن يمتد التاريخ في وحيه العملي في حركة المستقبل الجديد الذي نصنعه بإرادتنا وإيماننا.

{وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} هل التوبة التي هي إرادة الله لنا، هي المغفرة عما سلف من ذنوبنا، لتكون الكلمة توجيهاً للإنسان في أن يفتش عن طريق التوبة، فيحاسب نفسه على الأخطاء التي قد ارتكبها، ليقف بين يدي الله حاملاً مشاعر الندم، ويطلب منه التوبة على ذلك كله... أم هي أسلوب قرآني في التعبير عن المعنى الذي توحي به التوبة، وهو السير على الخط المستقيم الذي يؤدي إلى رضا الله، بكلمة التوبة، فكأنه يقول: إن الله يريد أن يرضى عنكم من خلال استقامتكم، من خلال ما يثيره أمامكم من فرص المعرفة والهداية التي تؤدي بكم إلى العمل الصالح؟

لا نريد أن نرجح أحد المعنيين؛ فلكلّ منهما أساس من اللفظ والجو والسياق، وحسبنا أن نستوحي منهما الوقوف عند الحدود التي نستطيع من خلالها الحصول على رضا الله في ما يحبه ويرضاه.

{وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} فهو الذي يعلم ما يصلحنا وما يفسدنا في كل ما خلق ومن خلق، وهو الحكيم الذي لا يشرّع لنا في كل أمورنا إلا ما يتناسب مع الحكمة التي تضع كل شيء في موضعه، في الكلمة والفعل والوجود.

{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} وتعود كلمة التوبة في خط إرادة الله، ولكن هل هي تكرير وتأكيد؟ ربما كان الأمر كذلك، وربما كانت التوبة في الآية الأولى بياناً للمنهج الذي وضعه الله لعباده؛ من أجل أن تتكامل لهم المعرفة والهداية والسير على الخط المستقيم، بعيداً عن كل المقارنات والمعادلات في ما حولهم ومن حولهم... أما في هذه الآية، فقد جاءت لتدخل الإنسان في عملية موازنة ومقارنة، في ما يواجهه الإنسان من العناصر الشريرة المنحرفة التي تريد أن تضله وتبعده عن الله؛ ليوازن بين ما يريده الله له وبين ما يريده له الآخرون؛ فإن الله يريد أن يبلغ بالإنسان إلى الدرجات العليا التي يحصل بها على رضا الله تعالى، من خلال ما تعنيه كلمة التوبة من مقدمات ونتائج.

{وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً} فليس لهؤلاء قاعدة أساسية ثابتة في فكر الإنسان وروحه وضميره، وليس لهم هدف كبير في حياتهم يسعون إليه، ليكون لهم ـ من خلال ذلك ـ المستوى الذي يجعلهم موضع ثقة الآخرين ومحل اعتمادهم، بل كل ما هناك أنهم يعيشون للجانب الحسي الحيواني في حياتهم وحياة الآخرين؛ فالحياة عندهم لذة وشهوة، والإنسان عندهم كائن ذو شهوات، والمبادىء لديهم تتلخص في العمل على الوصول إلى الارتواء من ينابيع الشهوات ما أمكنهم ذلك. وهكذا اختصر القرآن ذلك كله بقوله {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ...}، فهي القبلة التي يتوجهون إليها في كل تطلعاتهم ومشاعرهم. وإذا كانت الشهوات هي التي يتبعونها ويقودون الناس إليها، فإن الغاية التي يستهدفونها هي أن يميل الناس عن الخط الصحيح المستقيم ميلاً عظيماً، لأن الشهوات لا تخضع لميزان دقيق متوازن، يحفظ للإنسان مصلحته الحقيقية في خط الاستقامة، بل إنها تنخفض وترتفع تبعاً للأجواء الحسية المحيطة بمشاعر الإنسان ونزواته، مما يؤدي به إلى أن يفقد توازنه ويميل نحو الهاوية ـ التي تنتظره ـ ميلاً عظيماً.

وماذا بعد ذلك؟ إن القرآن يتابع الخط الإلهي الذي ينطلق فيه التشريع، فقد خلق الله الإنسان ضعيفاً في بدنه، ضعيفاً في طاقاته، وذلك لما أودعه الله فيه من الغرائز التي قد تثير فيه نقاط ضعف كثيرة؛ ولم يرد الله له أن يستسلم لها في عملية سقوط وانهيار، بل أراد له أن يرتفع إلى مستوى القوة، ولكن من خلال الوسائل الواقعية التي تثير فيه الإحساس بالقوة بطريقة تدريجية، من الأعمال والتكاليف والأجواء التي لا تثقل عليه ولا توقعه في الحرج، ولا تبلغ به حد العسر، ولا تحمّله ما لا طاقة له به، بل تخفّف عنه وتربطه باليسير من التكاليف، والخفيف من الأعمال، ليشعر بأن المسؤولية ليست شيئاً ثقيلاً ينوء تحته، بل هي شيء يتناسب مع طاقاته وينسجم مع الطبيعة الإنسانية لنقاط ضعفه. وهذا ما عبّرت عنه الآية الكريمة؛ {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَـنُ ضَعِيفاً}. ومن خلال هذا الاستيحاء للاية، نستطيع أن نواجه الفكرة الخاطئة التي يحاول البعض أن يفهمها من هذه الآية، وهي أن القرآن الكريم يعمل على أن يعمّق إحساس الإنسان بالضعف، ليشعر بالانسحاق في إنسانيته تحت وطأة الشعور بضعفه، مما يعطل فيه إرادة القوة، ويشلّ فيه طموحه الكبير في التطلع نحو الأفق الواسع الذي يتسع لمواهبه الإنسانية الكبيرة التي تخاطب الحياة كلها.

إن خطأ الفكرة يكمن في أن صاحبها لم يدرس أجواء الآية، التي انطلقت لتوحي بأن التشريع راعى في عملية التخطيط للإنسان، في ما يريده له من هدى وقوة، هذا الجانب الذي تتوزعه نقاط الضعف؛ ولهذا فقد خفف عنه ليستطيع الوصول الى طموحاته في القوة والانطلاق بطريقة واقعية تتناسب مع طاقاته وإمكاناته.

* * *

وقد تحدّث القرآن عن القوة في أكثر من آية، في أجواء السلم والحرب، وفي حركة الفرد والمجتمع، ووجَّه الإنسان إلى الأخذ بأسباب القوة التي أودعها الله في نفسه وفي الحياة؛ وأعطاه الثقة بنفسه في الإمكانات المودعة فيه، ودفعه إلى جهاد النفس الذي يتغلب الإنسان معه على كل نقاط الضعف في الداخل، وإلى مواجهة التحديات الخارجية التي تعترضه، وأوحي إليه بأن الله جعله خليفته في الأرض لقدرته على القيام بذلك من خلال عقله وإرادته، وسخّر له السموات والأرض وما فيهما من قوىً وظواهر وآفاق، مما يجعل من قضية القوة في حياته قضية أساسية، تدخل في دوره الفاعل في كل مجالات الحياة.