من الآية 29 الى الآية 30
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيتــان
{يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً}(29ـ30).
* * *
معاني المفردات
{تَأْكُلُواْ} ولا تتصرفوا بالتسلّط، والأكل معروف، ولما فيه من معنى التسلّط والإنفاد، يُقال: أكلت النار الحطب، وأكل فلان المال، سُمّي التصرف عن تسلّط أكلاً كما ينفد الاكل الغذاء بالأكل.
{بِالْبَاطِلِ}: ضد الحق، وهو ما لا ثبات له، والمراد هنا المعاملات غير المشروعة التي تسوق المجتمع إلى الفساد والهلاك من وجهة النظر الإسلامية، كالربا والقمار والرشوة في الحكم والسرقة والغضب والخيانة ونحوها.
{وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ}: بالانتحار أو التسبب بالهلاك، وتقتلوا بعضكم بعضاً من المؤمنين، لأن المجتمع الإيماني كنفس واحدةٍ على طريقة قوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} [النور:61]، فلو قتل الإنسان غيره من المؤمنين فكأنه قتل نفسه.
* * *
ما جمع بالباطل باطل
إن القرآن يتحدث عن المجتمع كوحدةٍ عضوية ذات أجزاء، في ما يملكه من أموال، وما يشتمل عليه من أفراد. فإذا تحدّث عن الأموال وكيفية التصرف بها والتحذير من العدوان عليها، فإنه يتحدث في خطابه للمؤمنين عنها بصفتها «أموالكم»؛ وإذا تحدّث عن الأفراد الذين يتألف منهم المجتمع، محذراً من الاعتداء عليهم بالقتل والظلم، فإنه يتحدث عنهم بصفتهم «أنفسكم»، وذلك للإيحاء بأن المؤمنين وحدة متكاملة في ما يملكون من طاقات، وما يمثلون من تجمّعات. وقد تحدّثت الايتان هنا حول موضوعين:
أحدهما: طريقة التملك للأموال الموجودة في أيدي الناس.
ثانيهما: الاعتداء على الأنفس.
وقد جاءت الآية الكريمة:{يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ}، وحذّرت من أكل أموال الناس بالباطل؛ وهي كناية عن الاستيلاء عليها بالتملُّك. والمقصود بكلمة «الباطل» كل الوسائل التي لا ترتكز على أساس شرعي، مما يدخل في التخطيط الذي وضعه الله لعباده في معاملاتهم وعلاقاتهم. فقد أراد الله للناس السير في حياتهم على الأسس الثابتة التي تنسجم مع العقل والحكمة والفكر السليم، واعتبر كل شيء يخالف ذلك باطلاً. وبذلك كان الباطل شاملاً للقمار، والربا، والسرقة، والرشوة في الحكم، وبيع المحرمات المضرة بأبدان الناس وعقولهم وحياتهم، ونحو ذلك مما جاء به التحريم في الشريعة المطهرة. ولا تتوقف آثار صفة الباطل على جانب المسؤولية الآخروية من عقاب الآخرة، بل تمتد إلى عدم ترتب أي أثر شرعي قانوني عليه، فلا يملك الإنسان المال، إذا نقل إليه بالوسائل المحرمة التي لم يشرّعها الله. وهذه قاعدة عامة في طريقة انتقال المال من شخص إلى آخر، أو تملكه من خلال حيازة أو نحوها، فلا بد من طريقة شرعية ثابتة في الكتاب والسنة. وقد جاء في بعض الأحاديث المأثورة: «لا يحل مال إلا من وجه أحلّه الله...»[1]. وقد تحدثت الآية عن نموذج من نماذج الوسائل المحلّلة وهي التجارة عن تراض، فللإنسان أن يتملك ما يشاء بما يساوي ماله أو يزيد عليه، على أساس العمليات التجارية مع الآخرين الصادرة عن اتفاق تراض بين الطرفين.
* * *
الحياة لله تعالى لم يسلّط أحداً عليها إلا بالحق
أما الموضوع الثاني، وهو الاعتداء على النفوس، فقد حذرت الآية المؤمنين من أن يقتلوا نفوسهم، وذلك في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ}، لأن الحياة هي ملك الله وهبها لمخلوقاته، ولم يسلّط عليها أحداً إلا بالحق، فلا يجوز لإنسان أن يقتل أحداً إلا بالحق، ولا يجوز له أن يقتل نفسه بطريقة الانتحار[2].
وقد تحدث الفقهاء كثيراً عن الاحتياط في النفوس والأموال والأعراض، مما يوحي بأن الأصل في هذه الأمور التوقف حتى تثبت الإباحة. وربما ناقش بعضهم في بعض جزئيات ذلك كالأموال، ولكن لم يناقش أحد في هذه القاعدة في ما يتصل بالدماء.
* * *
الرحمة نظام شامل للحياة
وقد عقب الله على هذين التحذيرين بكلمة {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }، مما يوحي لنا بالفكرة التي تجعل الرحمة نظاماً عملياً شاملاً لحياة الإنسان في كل ما يصلحها ويبتعد بها عن الفساد، لا مجرد عاطفة إشفاق. وهكذا تمثلت الرحمة في التقنين للحياة، في ظل نظام قائم على أساس احترام الأموال والنفوس، فلا يخاف الإنسان في المجتمع المؤمن أن يؤخذ ماله، أو يعتدى على حياته بغير حق، بل يعيش الأمن والطمأنينة في ذلك كله. ومن خلال ذلك، يمكن لنا استيحاء الفكرة العملية، من خلال ما تتمثله من عواطف ومشاعر، لنتوقف عند الجانب العملي الذي يركّز الشعور بالموقف ـ لا بالإحساس المجرّد ـ حتى نتعلّم أن تكون الجوانب العمليّة هي ما تستهدفه الأفكار والمشاعر والعواطف؛ فنستطيع ـ من خلال ذلك ـ الوصول إلى خطوات متقدمة في الحياة في جميع الميادين.
* * *
من يتجاوز حدود الله سيصلى ناراً
وجاءت الآية الثانية وهي قوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً} لتثير أمام الإنسان التحذير بالعقوبة الآخروية، إذا تجاوز حدود الله في ذلك، فاعتدى على أموال الناس وحرماتهم ونفوسهم، أو قتل نفسه؛ فإن جميع ذلك ظلم وعدوان عند الله؛ وليس له إلا النار التي يصلاها جزاءً على ذلك. {وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً }وهكذا ينطلق الأسلوب القرآني في ربط الإنسان بالالتزام بالحكم الشرعي، على أساس الترغيب بما ينتظره من رحمة الله في الدنيا، والترهيب بما يتخلص به من عذاب الله في الآخرة.
وهنا ملاحظةٌ تتعلق بهذا الجمع بين النهي عن الأكل للأموال بالباطل وعن قتل النفس، فالمجتمع قائم على الأمن الاجتماعي الإنساني الذي يتقوم باحترام الحياة في علاقة الناس ببعضهم البعض، وعلى الأمن الاقتصادي في احترام أموال بعضهم بعضاً وعدم التحرك فيها بأيّ تصرف تمليكي أو شخصي إلا بالطرق المشروعة التي تمثل خط التوازن في سلامة الاقتصاد العام والخاص، فإذا اختل أحدهما اختل نظام المجتمع، مما يؤدي إلى الفساد والانهيار والدمار، أمّا إذا سلم الواقع الاجتماعي والاقتصادي من هذا الخلل، فإنه يعيش التوازن والثبات.
ــــــــــ
(1) الوسائل، م:6، باب:3، ص:375، رواية:2.
(2) جاء في الفقيه، عن الإمام جعفر الصادق(ع): من قتل نفساً متعمداً، فهو في نار جهنم خالداً فيها، واستشهد على ذلك بهذه الآية. الفقيه، ج:3، ص:571.
تفسير القرآن