من الآية 36 الى الآية 42
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً * وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئَـآءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخر وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً * وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِم عَلِيماً * إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً * فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً}(36ـ42).
معاني المفردات
{ذِي الْقُرْبَى}: صاحب القرابة كالأخ والعم والخال ومن إليهم.
{وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى}: الجار الذي بينك وبينه قرابة.
{وَالْجَارِ الْجُنُبِ}: الجار البعيد في قرابته، الأجنبي الذي ليس بينك وبينه قرابة، والجُنُب البعيد، والجَنْب القريب.
قال الراغب: بُني من الجنْب، والفعل على وجهين، أحدهما الذهاب على ناحيته، والثاني الذهاب إليه، فالأول نحو جنبته وأجنبته، ومنه: {وَالْجَارِ الْجُنُبِ}، أي البعيد... قال عز وجل: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [المائدة:90]، وذلك أبلغ من قولهم اتركوه[1].
{وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ}: الذي يصاحبك ملازماً لجنبك، مثل رفيق السمر وجليس الحضر، أو شريكاً في الدرس أو في عمل، فإن للصحبة حقوقها.
{وَابْنِ السَّبِيلِ}: المسافر المنقطع عن أهله وماله، الذي لا يملك أمر تدبير أمره ماليّاً للوصول إلى مقصده. قال الراغب: نُسب إلى السبيل لممارسته إياه[2]. وقال صاحب الميزان: كأنه ليس له من ينتسب إليه إلاّ السبيل فهو ابنه[3].
{وَمَا مَلَكَتْ}: الرقيق المملوك، ولا وجود له في واقع العصر.
{مُخْتَالاً}: متبختراً يعيش الزهو والغرور والشعور بالخيلاء، والخيلاء هو التكبر،من تخيّل فضيلة أو ميزة تراءت للإنسان من نفسه. قال الطبرسي: أصل المختال من التخيّل، وهو التصور، لأنه يتخيّل بحاله مرح البطر، والمختال الصّلِف[4] التيّاه، ومنه الخيل، لأنها تختال في مشيها، أي تتبختر[5].
{فَخُوراً}: كثير الفخر، وهو المباهاة في الأشياء الخارجة عن الذات، كالمال والجاه. وفي مجمع البيان قال: الفخور الذي يعد مناقبه كبراً أو تطاولاً، وأما الذي يعددها اعترافاً بالنعمة فيها فهو شكور[6].
{يَبْخَلُونَ}: يمنعون العطاء عن الآخرين المحتاجين، فلا يفكرون إلاّ في ذاتهم بعيداً عن المجتمع. قال الطبرسي: البخل: أصله مشقة الإعطاء، وقيل في معناه: إنه منع الواجب، لأنه اسم ذمّ لا يطلق إلا على مرتكب الكبيرة، وقيل: هو منع ما لا ينفع منعه ولا يضرّ بذله، ومثله الشح وضده الجود، والأول أليق بالآية، لأنه تعالى نفى محبته عمن كان بهذه الصفة، وقال علي بن عيسى: معناه منع الإحسان لمشقة الطباع، ونقيضه الجود، ومعناه بذل الإحسان لانتفاء مشقة الطباع[7].
{رِئَـآءَ النَّاسِ}: المراءاة.
{قِرِيناً}: القرين: أصله من الاقتران، ومنه: القرن لأهل العصر لاقترانهم، والقرن المقاوم في الحرب، والقرين: الصاحب المألوف، وهو المراد ـ على الظاهر ـ من الكلمة. وقال عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينهِ فـإن القرين بالمقارِنِ يقتـدي
{وَمَاذَا عَلَيْهِمْ}: أيُّ شيء يضرّهم، وهو استفهام للتأسف أو التعجب، ودعوة لهم إلى التأمل والتفكير في عواقب الأمور.
{يَظْلِمُ}: الظلم هو الألم الذي لا نفع فيه يوفي عليه ولا دفع مضرّة أعظم منه عاجلاً ولا أجلاً ولا يكون مستحقاً ولا واقعاً على وجه المدافعة وأصله: وضع الشيء في غير موضعه، وقيل: أصله الانتقاص من قوله: ولم تظلم منه شيئاً فالظلم ـ على هذا ـ انتقاص الحق، والظلمة انتقاص النور بذهابه.
{مِثْقَالَ}: أصل المثقال الثقل فالمثقال مقدار الشيء في الثقل، والثقل ما ثقل من متاع السفر.
{ذَرَّةٍ}: هي النملة الحمراء الصغيرة التي لا تكاد ترى، عن ابن عباس وابن زيد، وهي أصغر النمل، وقيل: هي جزء من أجزاء الهباء في الكوة من أثر الشمس[8]، وقيل أيضاً: إنه الغبار المتطاير من يد الإنسان إذا جعلها على التراب وما شابهه ثم نفخها. وقيل: أطلقت على كل شيء صغير جداً، وتطلق الآن على ما يتكوّن من «الإلكترون» و «البروتون» أيضاً، لأنها إذا كانت تطلق سابقاً على أجزاء الغبار، فلأن تلك الأجزاء كانت أصغر أجزاء الجسم، ولكن حيث ثبت اليوم أن أصغر أجزاء «الجسم المركّب» هو «المولوكول»، وأصغر أجزاء «الجسم البسيط» هو «الذرات»، اختيرت لفظة «الذرّة» في الاصطلاح العلمي، وأطلقت على تلك الجزئيات التي لا ترى بالعين المجرّدة، بل لا يمكن أن ترى حتى بأقوى «الميكروسكوبات» الإلكترونية، وإنما يُحسّ بوجودها من خلال القوانين والمعادلات العلمية، والتصوير بآلات مزوّدة بأدق الأجهزة وأقواها، ـ كما جاء في تفسير الأمثل.
* * *
مناسبة النـزول
قوله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ}.
في أسباب النزول ـ للواحدي ـ قال أكثر المفسرين: نزلت في اليهود؛ كتموا صفة محمد(ص) ولم يبينوها للناس، وهم يجدونها مكتوبةً عندهم في كتبهم. وقال الكلبي: هم اليهود بخلوا أن يصدقوا من أتاهم صفة محمد(ص) ونعته في كتابهم، وقال مجاهد: الآيات الثلاث إلى قوله: {عَلِيماً}، نزلت في اليهود. وقال ابن عباس وابن زيد: نزلت في جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم وينصحونهم ويقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر، فأنزل الله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ}[9].
* * *
ونلاحظ أن الآراء الأولى تنسجم مع الفقرة الثانية من الآية وهي {وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَـهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}. أما رواية ابن عباس وابن زيد، فهي تنطبق مع الفقرة الأولى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} وربما كان الوجهان صادرين عن اجتهادٍ ذاتيٍّ من المفسرين لا عن رواية، والله العالم.
* * *
الخط الإيماني في مسؤولية العلاقات الإنسانية:
كان الحديث في الآيات السابقة عن الأسرة الصغيرة؛ وفي هذه الآيات بعض الحديث عن الأسرة الكبيرة، وهي المجتمع الذي يعيش فيه الأفراد ضمن خلايا متنوعة، ينتقل فيها الإنسان منذ طفولته من خلية إلى أخرى، ويتحمّل ـ على أساس ذلك ـ مسؤوليته تجاهه. وتلك هي النظرة الإسلامية الواسعة للحياة، فإن النمو الطبيعي للإنسان في المؤسسات الاجتماعية المختلفة التي ترعاه وتطعمه وتسقيه وتعلّمه وتمرّضه وتدافع عنه، يجعل للمجتمع حقاً عليه في القيام بمسؤوليته، من خلال الإمكانات المالية والعلمية والبدنية التي ساهم المجتمع بها في تكوينه، وهذا ما أرادت هذه الآيات أن توجه الإنسان إليه في بعض مجالاته العملية.
ولمّا كان الإسلام يعتقد أن على الإنسان أن يرتكز على قاعدة فكرية وروحية تحدد له مواقعه ومساره في الحياة، فقد بدأ بالنداء الذي يدعو إلى عبادة الله وحده وعدم الإشراك به، لأن ذلك هو الذي يوحّد التصور والمسار والهدف، ويجعل الإنسان خاضعاً في تصرفاته العملية لقوة واحدة، هي الله، باعتباره النقطة الوحيدة التي تحدد له منطلقاته في الحياة، فهو الهاجس الدائم الخفي الذي يحكم كل أفكاره ومشاعره، لأن معنى أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، هو أن نخشع له ونخضع لسلطته ونطيعه ونطلب رضاه ومحبته، وبذلك نبتعد عن كل الأشياء التي تبعدنا عنه، ونجعل الحياة كلها ساحة متحركة من أجل الحصول على ثوابه والبعد عن عقابه. وهذا هو قوله تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً}. وفي هذا الجو، يمكننا أن نحدّد علاقتنا بالأشياء والأشخاص، لتكون بأجمعها مشدودةً إلى هذا الخط وسائرة في هذا الاتجاه. فإذا فكر الإنسان أن يقترب من هذا أو يبتعد عن ذاك، أو يعطي هذا أو يمنع ذاك؛ فإن مسار التفكير ينطلق في الاتجاه الذي يحدده ما يرضي الله أو ما يسخطه، وما يحبه الله أو ما يبغضه، وهذا ما حددته بعض الآيات الكريمة التي تحدثت عن صفة المؤمنين في كلمة واحدة حاسمة. {الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف:13]. فإن الاعتراف بالله الرب الواحد، يحدّد للإنسان نقطة البدء التي تنتهي إليه في نهاية المطاف. وهذا هو معنى الاستقامة التي توجّه الخطوط المنطلقة من الإيمان به، نحوه، في مسيرة الإنسان الصاعدة إليه.
ومن هنا كانت البداية؛ فإذا كنا نريد أن نعبد الله وحده، فعلينا أن نحب ونرعى من يريد الله منا أن نحبه ونرعاه؛ وتلك هي بعض النماذج الإنسانية التي تعيش داخل المجتمع.
* * *
وبالوالدين إحساناً
{وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَاناً} هذه هي الخلية الأولى من خلايا المجتمع التي تحضن الإنسان؛ وهي تضم والديه اللذين هما السبب المباشر لوجوده، وهما اللذان أعطياه من كل شيء يملكانه من دون مقابل، وذلك هو النموذج الذي يشعر معه المعطي بالعطاء، كحالةٍ وجدانية ذاتية تتصل بالإحساس الطاهر الرفيع من كيانه. وقد أراد الله لنا أن نعيش الشعور بالحاجة إلى الإحسان إليهما، من خلال ما نقدم إليهما من خدمات، وما نصبر عليه من سلبياتهما المزاجية والعملية، كنوعٍ من الاعتراف بالجميل لإحسانهما الذي لن نستطيع بلوغ مداه؛ لأنهما عاشا العطاء من موقع الإحساس الذاتي بالحاجة إليه، تماماً كما هي حاجتنا إلى أن نعيش حياتنا. أما نحن، فنعيش ـ غالباً ـ العطاء من موقع الواجب الذي قد نحس بثقله علينا في كثير من الحالات.
ولعل الإحسان إلى الوالدين، بما يعنيه من الاعتراف بالجميل، يعطينا درساً في الفكرة من ناحية المبدأ، عندما نواجه الكثيرين من الناس الذين يقدِّمون إلينا خدماتٍ متنوعةً فيكون علينا مقابلتهم بالإحسان إليهم من خلال إيماننا بالمبدأ الذي عشنا تجربته مع الوالدين، وقد يكون في الجانب السلبي من الممارسة، في عدم الإحسان إليهما، ما يوحي بأننا سنعيش الشعور بالجحود والنكران مع الآخرين، لأن حق الوالدين هو أعظم الحقوق بعد حق الله، فإذا أنكره الإنسان، فإن إنكار ما هو أهون منه أسهل. وقد نلاحظ أن القرآن لم يوص الوالدين بالولد كما أوصى الولد بوالديه، وربما كان الأساس في ذلك أن الفطرة التي تفجر ينابيع العاطفة الروحية لدى الوالدين، تغني عن كل النصائح والأوامر في هذا الاتجاه، لأنهما يحققان المبدأ من ناحية فطرة ذاتية، من دون ملاحظة لأي شيء خارجي. ولكن الأحاديث المأثورة تحدثت عن بعض تفاصيل حقوق الولد على والديه، في بعض الجوانب التربوية الفكرية والعملية، لتتحرك مسؤوليتهما في ذلك، في ما لا يلتفتان إليه من ناحية العاطفة.
* * *
كيف نفهم الإحسان للوالدين؟
وقد نحتاج للإشارة إلى نقطة مهمة في موضوع إطاعة الوالدين، وهي أن القرآن الكريم لم يستخدم تعبير «إطاعة الوالدين» ليكون ذلك عنواناً للخط الذي يسير عليه الولد مع والديه، فيكون ذلك لوناً من ألوان جعل السلطة للوالدين بالتدخل في شؤون الولد في مسار حياته الخاصة والعامة، وفي توجيه أفكاره وانتماءاته وعلاقته بالناس والأشياء؛ كما ربما يعتقد الكثيرون من الناس؛ بل استخدم تعبير الإحسان للوالدين وعدم محاولة إيذائهما والشكر لهما على ما قاما به، إلا في الجانب السلبي كما في قوله تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُما} [العنكبوت:8] فإنهما قد يطلبان من الولد أن يجسّد الإحسان إليهما بإطاعتهما في معصية الله، لأن ذلك يدخل السرور عليهما ويُثبت لهما أن ولدهما بارٌّ بهما مخلصٌ لهما، فكان النهي الإلهي له عن ذلك أن يمتنع عن إطاعتهما في هذا الموضوع المضاد لمصلحته لأنه يبعده عن الله ويعرّضه لغضبه، مع الأمر بمصاحبتهما بالمعروف ـ عند عصيانهما ـ واتباع سبيل المنيبين إلى الله. ولكن ذلك لا يعني وجوب الطاعة لهما في غير مورد المعصية إذا كان مضمون الأمر الأبوي أو الأمومي مخالفاً لمصلحته في حياته، لأن الإحسان إليهما يصطدم بالإساءة إلى نفسه، وهذا ليس مطلوباً منه، بل كل ما هناك أن عليه أن يتحرك معهما بأسلوب الإحسان من دون أن يقع في مشكلة في واقعه العملي. وعلى ضوء ذلك، فإن المبدأ هو الإحسان والرعاية وتجنب الإيذاء.
أما في غير هذا المجال، فللولد أن يتبع طريقه على هدي قناعاته المستمدة من الفكر والمعاناة والتجربة والإيمان، فليس لهما أن يضغطا عليه في التخلي عن قناعاته بحجّة حقهما الوالدي، وليس لهما تخريب مخططاته العملية على ذلك الأساس، إلا إذا دخلا معه في عملية حوار وإقناع؛ ولكن لا بد لنا من إثارة تحفّظ في هذا المجال، وهو محاولة الولد الابتعاد عن مواجهتهما بالعصيان بطريقةٍ مباشرةٍ جافةٍ، بل إن عليه أن يدير الأمور بطريقة لبقةٍ ذكيةٍ تحقق له مصلحته وتبتعد به عن إيذائهما، لأن ذلك ما نفهمه من مبدأ الإحسان، وقد يفرض عليه الموقف أن يضحّي ببعض مشاعره لمصلحة مشاعرهما، في ما لا يترتب عليه مفسدة كبيرة. وعلى كل حال؛ فإن الإنسان المؤمن الواعي يعرف كيف يدير علاقاته بوالديه إدارة حكيمة، تجمع بين مصلحته وبين الإحسان إليهما.
{وَبِذِي الْقُرْبَى..} وهم أرحام الإنسان الذين يرتبط بهم بصلة النسب، ويمثّلون الخلية الثانية من خلايا المجتمع الحاضنة له، وقد أراد الله لنا أن نحسن إليهمٍ فنصلهم ولا نقطعهم، ونتحمل منهم الأذى؛ لأن ذلك ما يجعل العلاقة باقية في نطاقها الطبيعي، باعتبار أن التغلّب على المشاكل، في المواضع الحسّاسة التي تثيرها تعقيدات القربى، يتيح المجال للتغلّب على أمثالها في المواقع الأخرى التي هي أقلّ تعقيداً؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الله سبحانه يريد للإنسان أن يحافظ على الصلات التي ترتبط بالروابط الطبيعية الحميمة، كأساسٍ من أسس التخطيط لإيجاد روابط أخرى جديدة. فإن انهيار تلك الروابط يؤدّي إلى فقدان الفرصة لصنع الأخرى. وقد وردت النصوص الدينية الكثيرة التي تؤكد على صلة الرحم، باعتبارها من القيم الإسلامية الكبيرة التي يعتبر الانحراف عنها موجباً للدخول في النار.
{وَالْيَتَامَى} هذه هي الفئة المحرومة من فئات المجتمع، التي بقيت معلّقة بالهواء ومعرّضة للضياع ـ من ناحية ذاتية ـ . فقد فقدت الآباء أو الأمهات، ففقدت الحاضن الذي يحضنها، والكفيل الذي يكفلها ويرعاها، والقلب الذي يغذيها بالحنان والعاطفة؛ فأراد الله للمجتمع ـ بمختلف أفراده ـ أن يحمل مسؤولية رعاية هؤلاء، فيمنحهم الشعور بالحياة والقوة، ويدفعهم إلى الإحساس بالتفاؤل بالمستقبل، وبأنهم يقفون على أرض قوية صلبة، وذلك في ما يكفله لهم المؤمنون من رعايةٍ وعنايةٍ وإحسان.
{وَالْمَسَاكِينِ...} وهذه هي الفئة التي تعيش المسكنة الطبيعية في الظروف الصعبة التي تمرّ بها في حياتها؛ فليس لديها مجال للعيش الكريم، وليس عندها فرصة للعمل المنتج أو للحصول على الإمكانات المادية التي تهيّىء لها سبل الحياة بشكل معقول. وقد أراد الإسلام للناس أن يكفلوا حياة هؤلاء ويجنبوهم ذل السؤال، ويحفظوا لهم كرامتهم في الغذاء والملبس والمسكن، بالطريقة العزيزة التي تتيح لهم الارتفاع إلى مستوى الحياة العادية للنّاس؛ وذلك من موقع الفرض لا من موقع المنّة، من خلال ما فرضه الله من فرائض ماليّة في أموال المؤمنين.
{وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} وقد أراد الإسلام منا أن نهتم بالجار، كمظهر من مظاهر الإحساس بأن الجوار يحقق علاقة إلفة ومحبّة، تفرض على الإنسان حقاً في القيام برعاية الجار والإحسان إليه وتحمّل الأذى منه، سواء كان هذا الجار قريباً أو بعيداً، مسلماً كان أو كافراً.. وهذا أسلوبٌ إسلاميٌ في تخطيطه للحياة، في اعتبار المجتمعات الصغيرة المتقاربة من الناحية السكنية أساساً للمجتمع الكبير، في ما يعيشه الأفراد من علاقات حميمة مسؤولة، تتجاوز المشاكل الطبيعية اليومية التي قد تحدث بفعل الاتصال الشديد الذي يعقِّد الكثير من الأوضاع. وقد شدّد على ذلك، كما لم يشدّد على شيء آخر في نطاق العلاقات الإنسانية البعيدة، حتى ورد في الحديث الشريف، «ما زال جبرائيل(ع) يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورّثه»[10]. وبذلك أعطى هذه العلاقة ـ علاقة الجوار ـ بُعداً روحياً يمتص من خلاله الكثير من المشاكل التي يريد للإنسان المؤمن أن يتجاوزها قربةً إلى الله؛ وذلك لأننا إذا أردنا أن نخضع العلاقات الإنسانية إلى الجانب المادي المبنيّ على الحسابات الدقيقة المعقّدة وأغفلنا الجانب الروحي، لوقعنا في أوضاع صعبة جداً، لا سيما في مثل هذه العلاقات التي لا مجال للإنسان للانفصال عنها إلا بتغيير حياته من الأساس في مسكنه أو أوضاعه؛ وتلك هي طريقة الإسلام في التعامل مع الجانب الاجتماعي من حياة الإنسان، وذلك لما يثيره في نفسه من التفاعل الروحي والمادي؛ ليستمر الانسجام مع المجتمع من موقع الروح، إذا لم تتوفر الأرباح في الحسابات المادية.
{وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ} قيل: إنه من كان رفيقاً في السفر، أو جليساً في الحضر، أو شريكاً في الدرس، أو في حرفة وما إلى ذلك... وهذا هو الخط الإسلامي الذي يعتبر للصحبة حقاً إنسانياً يوحي بالرعاية والإحسان، في ما يحتاجه الصاحب من شؤون الحياة، وما يواجهه من مشاكلها، وما يحتاج إلى ستره من عيوبه وخطاياه مما يمكن أن يطّلع عليه صاحبه منه من خلال استمرار الصحبة، وما يتطلبه من احترام مشاعره وأحاسيسه، في الأمور التي تثيره وتغضبه، وفي القضايا التي تفرحه وتريحه، وغير ذلك من الأمور التي تمثلها كلمة الإحسان بما توحيه من مشاعر وممارسات.
{وَابْنِ السَّبِيلِ} وهو المنقطع به في السفر، في المواضع التي لا يملك فيها تدبير أموره من ناحية مالية؛ فإن على المسلمين أن يحفظوا عزته وكرامته، ويحسنوا إليه بما يحل له مشكلته حتى يبلغ بلده.
{وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ...} من العبيد والإماء؛ فإن على الإنسان المؤمن أن لا يعتبر الرق مصدر شعور بالدونية لهؤلاء، أو مبرر إذلال عملي لهم، بل ينبغي له أن يعترف بأن ذلك لا يلغي إنسانيتهم وحاجتهم إلى الرعاية والحماية والاحترام والإحسان، بل كل ما هناك، أنه وضع قانوني شرّعه الله في نطاق المصالح العامة التي ينطلق منها التشريع، وأراد للناس أن يعملوا على اعتبار تحرير الرقيق هدفاً إسلامياً من خلال الوسائل الشرعية المتاحة للإنسان.
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} ربما كان تعقيب الآية بهذه الفقرة إيحاءً للإنسان بأن الانسجام مع خط الله في السلوك يفرض عليه التواضع بين يدي الله، فيحس بإنسانية الناس من حوله؛ فلا يتكبر عليهم، ولا يأخذه الزهو والغرور والشعور بالخيلاء، بسبب ما رزقه الله من مال وجاه، أو يفخر بذلك فيحس بالاستعلاء عليهم؛ ويمنعه ذلك من الإحسان إليهم بالكلمة والنظرة والممارسة؛ فإن الله هو الذي أعطاه كل ما لديه من النعم، وهو القادر على أن يسلبه إياها؛ وهو الذي جعل من نعمته عليه، حاجة الآخرين إليه، فليسلك السبيل التي يحبها الله، ليحبه الله من خلال ذلك؛ فإن الله يحب المتواضعين الطيبين، ولا يحب من كان مختالاً فخوراً.
{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ..} وتلك هي صفة المختالين الفخورين؛ فإن هاتين الصفتين الذميمتين تمنعان الإنسان عن الانفتاح على الفئات المحرومة في المجتمع التي هي أقل منه مالاً وجاهاً، وتوحيان إليه بالحرص على ما عنده من المال الذي أوصله إلى هذه المكانة، ورفعه إلى هذه الدرجة؛ ويتنامى لديه هذا الشعور الأنانيّ الضيق، الذي يسجنه في داخل ذاته، فيخيّل إليه أن الدنيا تتجمّع في شخصه، فلا وجود إلا له، ولا مصلحة إلا مصلحته؛ فالمهم عنده أن يعيش ويشبع ويرتوي ويستمتع بالحياة، ولا قيمة لحياة الآخرين ولحاجاتهم المعيشية. فلماذا يهتم بهم أو يعتني بأمرهم، ما دامت حياتهم غير مرتبطة بحياته؟ بل ربما يمتد به الأمر إلى الإحساس بالخوف على ماله منهم، وذلك لما يخيّل إليه من شعورهم بالحسد ضدّه. وهكذا تتحول الأنانية في نفسه إلى عقدة مرضيَّة، تمنعه من العطاء والمشاركة والامتداد في حياة الآخرين؛ وهذا هو سر البخل الذي يتحكم في سلوكه، في ما يحتاج الناس إليه من العطاء، لأن الكرم خلقٌ رفيعٌ يتحرك في داخل النفس المنفتحة الممتدة في حياة الناس، على أساس إحساسها العميق بإنسانيتها التي تتصل بإنسانيتهم، وانطلاقها الواسع في رحاب الإيمان الذي يجد في العطاء تأكيداً للثقة بالله الذي منه العطاء، وإليه يرجع؛ فهو صاحب الفضل في ما يعطي، وما يأخذ، وهو الذي يفيض على الإنسان نعمه في البداية، وفي النهاية، فلماذا البخل، ولماذا الحرص؛ إذا كانت خزائن الله لا تنفذ وكرمه لا يضيق عن أحد؟
* * *
دروس من ملامح المختالين
وهكذا أراد الله أن يعطينا ملامح هؤلاء المختالين الفخورين، من خلال سلوكهم في مواقع العطاء؛ فهم لا يكتفون بالبخل، بل يتنكرون للعطاء من قِبَل الآخرين الذين يعيشون العطاء كقيمة إنسانية روحية كبيرة. فيأمرونهم بالبخل ويخوفونهم بالفقر ويصوّرون لهم الواقع الذي تعيشه الفئات المحرومة بغير صورته الحقيقية؛ فهذا الإنسان لا يستحق العطاء لكذا، وذاك لا يستحق الإكرام لكذا... وهكذا يستمرون في إثارة الشكوك وتفويت الفرص، وإضعاف الهمم، وتجفيف منابع الخير في قلوب الناس، لأنهم لا يريدون أن يحرجهم الآخرون في ما يعطون، ولا يحبّون للعطاء أن يمتد أثره لدى الناس، لأنه ينعكس سلبياً على مواقعهم الاجتماعية، بما يكشفه من أنانياتهم وضعفهم وصغارهم في أنفسهم عندما يبدأ الناس المقارنة بينهم وبين الكرماء الطيبين من الأمة. ثم ذكر لنا أنهم يكتمون ما آتاهم الله من فضله، في ما أنعمه عليهم من نعمه التي أراد لهم أن يبذلوها للناس، سواء كان ذلك مالاً أو علماً أو جاهاً، فلكل نعمة من هذه النعم مسؤولية لا بدَّ أن يقوم بها الإنسان في نفسه وفي الآخرين، ولكنهم يكتمونها، لأن إظهارها لا يلتقي مع طبيعة الأنانية المتحكمة في نفوسهم؛ وقد يبرز ذلك في أساليبهم المتنوعة التي يحاولون أن يظهروا بها أنهم فقراء لا يملكون شيئاً؛ خشيةً أن يطالبهم الناس بالعطاء.
وإذا صح ما جاء في أحاديث أسباب النزول ـ التي أشرنا إليها في صدر هذا الحديث التفسيري عن هذه الآيات ـ من أن المقصود بهؤلاء المختالين، الفخورون الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل في أوضاعهم المادية ويكتمون ما آتاهم الله من فضله، مما أعطاهم الله من العلم بالنبي المبعوث في صفاته وعلامات رسالته ونبوّته، فإننا نرى أنهم يمثلون النموذج السلبي في واقع الإنسان الذي لا يريد الله للناس أن يقتدوه، لأنه يريد للإنسان أن يعيش روحية العطاء مما رزقه الله لمن يحتاج إلى ماله، كما يحب له أن يقدم للناس العلم الذي أتاه الله من فضله، لأن الحقيقة كالماء والهواء، ليست ملكاً ذاتياً لأي إنسان، بل هي هبة الله للإنسان كله وللحياة كلها، لأنها هي التي توضّح له الرؤية، وتعمق له المعرفة، وتحقق له التوازن في خطواته وعلاقاته وأوضاعه العامة والخاصة في الحياة، باعتبار أن الباطل يبتعد به عن ذلك كله ويمنعه من أن يتصور الواقع في صورته الحقيقية، مما يجعله منحرفاً عن خط الاستقامة في الفكر والعمل.
وعلى ضوء ذلك، فقد نستوحي من الآية، أن على العلماء الواعين أن يجاهدوا بعلمهم ولا يخافوا من إعلان الحق لأهله، حتى لو كان ذلك على خلاف الذهنيات الخرافية الجاهلة المنحرفة التي تقف ضد كل رأي يختلف عما هو مألوفٌ عندها من عقائد الآباء والأجداد ومفاهيمهم الخاطئة التي تسيء إلى الإسلام وإلى المسيرة كلها، وأن لا يتعقدوا من النتائج السلبية النفسية التي قد تحصل لهم إذا كان صاحب الحقيقة مختلفاً معهم أو بعيداً عنهم؛ الأمر الذي لا ينسجم مع مزاجهم الذاتي في الإقرار بفضله وبكفاءته وبقيمته العلمية وبصحة طريقته ورأيه العلمي في هذا الجانب أو ذاك، وأن لا ينهزموا أمام الحملات والاتهامات الظالمة التي قد توجّه إليهم من الجاهلينٍ والمنحرفين، فإن على المفكر الحرّ المنفتح على الحق أن يدفع ضريبة أخلاقية للحقيقة وانفتاحه عليها.
* * *
جزاء الكافرين
{وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} وقد تحدث عن الكافرين في نطاق حديثه عن المختالين، للإيحاء بأن الإيمان لا يلتقي مع البخل، ولا ينسجم مع الأنانية والخيلاء والتجبر والتكبر والفخر، بل يلتقي مع التواضع والخشوع والرقّة والقلب الكبير، فإذا عاش المؤمن مثل تلك الصفات الذميمة، فإن ذلك يعني أنه يتحرك في أخلاقه من مواقع الخط الكافر، لأن الشيطان هو الذي يوحي للإنسان بذلك ويخوفه من الفقر، {وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} [البقرة:268]. وفي ضوء ذلك، يلتقي الإنسان بالكفر العملي في سلوكه، في الوقت الذي يبتعد عنه في تفكيره؛ الأمر الذي يجعل مصيره، في بعض الحالات، مصير الكافرين في ما ينتظرهم من العذاب على ما قدموه من معاصٍ وجرائم.
{وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئَـآءَ النَّاسِ...} وهذه صفة بعض النماذج المنحرفة من هؤلاء المختالين الفخورين الأنانيين، فقد تمر بهم بعض حالات العطاء، ولكن لا لتكون مظهراً من مظاهر النفس الطيّبة الكريمة، بل لتكون مفتاحاً لحركة الذات في خط المصالح الشخصية الأنانية، فهم ينفقون أموالهم رياءً، ليراهم الناس وليمدحوهم وليرضوا بذلك غرورهم وكبرياءهم ويظهروا بمظهر المحسنين الكرماء الكبار الذين يقفون في الدرجة العليا من السلم الاجتماعي الكبير؛ فهم يتصدّقون على المحتاجين من أموالهم من موقع الرفعة والعظمة والكبرياء، وليحصلوا من خلال ذلك على بعض الامتيازات الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، عندما يوظفون هذا العطاء في مجال الدعاية والإعلام، لخدمة تلك المواقع والامتيازات، وللقفز منها إلى مواقع جديدة متقدمة. وبذلك لا يكون الإنفاق عمليةً أخلاقيةً، بل يتحول إلى عملية تجارية تبحث عن البدل لما تدفعه، وتفتش عن الربح في ما تنفقه. وهذا ما نراه في بعض البلاد التي يندفع فيها بعض الأغنياء للإنفاق بمستوى الملايين على المؤسسات الخيرية والتربوية، لأن ذلك يعفيهم من دفع الضرائب التي تزيد كثيراً على ما ينفقون، ويحقق لهم ـ بالتالي ـ وضعاً اجتماعياً مميزاً، ويثير حولهم هالة كبيرة من المدح والثناء الذي لا يستحقونه.
{وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخر...} فإن مثل هذا الإيمان يفرض على الإنسان أن يحسب حساب الرغبة في القرب من الله، والنجاة في اليوم الآخر؛ مما يدعوه إلى أن يجعل كل غايته في عمله هو رضا الله، وينطلق ـ على أساس ذلك ـ في حياته للحصول على النتائج العملية التي تحقق هذا الهدف.
{وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً} كيف يكون الشيطان قريناً للإنسان؟ إن الظاهر ورود ذلك على سبيل الكناية، في انطلاق الإنسان في حياته من خلال الأفكار الضالة المنحرفة، والأخلاق الذميمة السيئة، والأهداف الضيّقة المحدودة، التي تجعله ينسى الله ويستسلم للدنيا في شهواتها المحرّمة ولذائذها الفانية. وهكذا تتمثل المسألة في العلاقات الإنسانية المرتكزة على قاعدة الضلال، من خلال ما يعيشه الإنسان من علاقاته بالكافرين والمنافقين والفاسقين والضالين، الذين يزينون له سوء عمله فيراه حسناً، ويغيّرون له طريقة تفكيره ليبتعد بذلك عن الإيمان والخير والصلاح. ولما كان ذلك كله من تسويلات الشيطان، من خلال ما يزينه للإنسان من شؤون الضلال وعلاقاته؛ كان التعبير القرآني بمصاحبته للشيطان الذي هو القرين السيّىء لكل أصحابه، وأيّ سوء أعظم وأفظع من الوقوع في جهنم وساءت مصيراً.
{وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِم عَلِيماً} إنها الدعوة إلى الإيمان والإنفاق من موقع النصيحة التي تدعو إلى التأمل والتفكير في عواقب الأمور. فما الذي يضرّهم إذا انفتحوا على أسس الإيمان بالله واليوم الآخر، وفكروا وتأملوا من خلال البراهين والبينات التي تقودهم إلى ذلك وتوصلهم إلى القناعة اليقينيّة الثابتة؛ فتدفعهم إلى الإنفاق مما رزقهم الله؛ لأنهم إذا آمنوا بأن الله هو الرزاق الذي رزق عباده، ليعودوا به على أنفسهم وعيالهم، كان ذلك دافعاً لهم إلى الحصول على الثقة بالله والشعور بالمسؤولية في الإنفاق على عباد الله من رزق الله، من دون أن يعانوا أية عقدة في هذا السبيل، لأن المؤمن لا يرى لنفسه الاستقلال الذاتي في الأمور الخاصة والعامة أمام الله، بل يعتبر وجوده خاضعاً لله في كل شيء، في ما توحيه كلمة الإسلام: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162 ـ 163]... هو الذي يعطي ويمنع ويأمر وينهى في ذلك كله، {وَكَانَ اللَّهُ بِهِم عَلِيماً}، في كل ما يبدون وما يخفون من أمر السرّ والعلانية.
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} وهذا هو الذي يريد الله للمؤمن أن يفكر فيه ويعيشه، في كل ما يتحرك فيه من عمل صالح، مما يشقّ عليه أمره ويجهده ثقله وتشتد عليه مؤونته، فإن الله الذي وعد المؤمن بالأجر والثواب على ذلك كله، لا يمكن أن يظلمه مثقال ذرة مما عمله، فلا يمنعه حقه الذي فرضه على نفسه، بل إن الله لا يكتفي بالثواب الموعود الذي يستحقه على العمل، وإنما يضاعف الحسنات بدرجات متفاوتة، تبعاً لطبيعة الحسنة في حجمها ومدلولها، ويؤتي العاملين الصالحين أجراً عظيماً، لا يستطيعون أن يدركوا كنه عظمته، لأنه العارف بما يقدّر للإنسان من شؤون الرزق والثواب وهو أرحم الراحمين.
أما الأساس في نفي الظلم عن الله سبحانه، فلأنه ليس بحاجة إليه كما قد يحتاجه الناس تجاه بعضهم البعض أحياناً، لأن الظلم قد ينشأ من الجهل بحدود الحقوق العامة والخاصة للناس، وقد ينشأ عن الحاجة إلى الناس في ما يملكونه، فيظلمهم باغتصابه لملكيتهم ومصادرته لها لتلبية حاجته إليها، وقد يكون ناشئاً عن عقدة نقص في النفس... وهذا كله لا معنى له عند الله، لأنه العالم بكل شيء، فلا يغيب عنه شيء من شؤون خلقه، لأنه المحيط بكل الخلق في وجودهم وفي تفاصيل هذا الوجود، وهو الغني عن كل أحد، لأنه هو الذي يملك كل شيء ويكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء، وهو الذي اتصف بالكمال المطلق، فلا يقترب النقص ـ بسيطاً أو مركباً ـ من ذاته المقدّسة، وهو القوي الذي يملك القوة جميعاً فلا موقع للضعف في وجوده، والظلم مظهر ضعف، لأن القويّ لا يحتاج إلى أن يظلم أحداً، فهو الذي يتصرف بكل حكمةٍ في كل خلقه، وهو الذي يعطي لكل ذي حق حقه، وهو الذي جعل الحق لصاحب الحق.
* * *
محكمة العدل
{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاءِ شَهِيداً..} إنها المحكمة العادلة في يوم القيامة، التي يقف فيها الناس أمام الله بكل أعمالهم الخيّرة والشريرة ليحاسبهم على أعمالهم، وهو العالم بكل ما عملوه مما أسرّوه وأعلنوه، ولكنه يقدم إليهم صحائف أعمالهم وشهداء اختارهم في كل أمة، ليكونوا الشهداء على الناس في إقامة الحجة عليهم من الله في ما عملوه وما لم يعملوه، ومنهم الأنبياء والأوصياء والصديقون والعلماء والصالحون المبلّغون… أما هذه الأمة المسلمة فإن الرسول محمد(ص) هو الذي جعله الله شاهداً على أمته، لأنه بلّغ رسالته كما لم يبلّغها نبيّ، وجاهد من أجلها كما لم يجاهد رسول؛ وترك للأمة من بعده من يحفظ لها أمر الرسالة، ويركز لها قواعد الدين. فماذا يعمل هؤلاء المنحرفون غداً، إذا وقف الشهداء بين يدي الله ليشهدوا، ووقف النبي أمام أمته ليشهد، ليبطلوا حجة كل منحرف وكافر ومنافق، كيف يجيبون الله؟ وبماذا يدافعون عن أنفسهم؟
وقد ذكر بعض المفسرين أن النبي يشهد على شهداء الأمم السابقة كما يشهد على أمته، وذلك بأن تكون الإشارة بكلمة (هؤلاء) إلى شهود الأمم السابقة، بمعنى أننا نجعلك شهيداً على شهداء الأمم من الأنبياء، وفي ضوء ذلك يكون كل نبي شاهداً على أعمال أمته جميعها في حياته وبعد مماته عن طريق المشاهدة الباطنية والروحانية، وهذا المعنى ينطبق على النبي محمد(ص)، فإن روحه الطاهرة ناظرة إلى أعمال أمته وجميع الأمم السابقة، وبهذا يمكنه أن يشهد على أعمالهم وأوضاعهم، ولكن هذا الرأي خلاف الظاهر لأن كلمة (هؤلاء) ظاهرة في المسلمين الذين كانوا يمثلون الحضور الوجودي أمام النبي(ص) ولا سيّما بلحاظ ما قبلها {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاءِ شَهِيداً }، حيث إن النبي المرسل في كل أمة هو الشهيد عليها، بحيث تكون له صفة النبوة والشهادة، فلم يكن النبي(ص) ـ في دلالة الآية ـ بدعاً من الأنبياء في ذلك كله، كما أن الحوار الذي أداره الله في القرآن مع السيد المسيح(ع) ينفي ذلك، وذلك هو قوله تعالى ـ في جواب سؤال الله له ـ: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ} مما يدلّ على أن النبي لا يقوم بالشهادة بعد وفاته، فلا يتحمل مسؤولية تقديم تقرير الله بذلك.
{يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} ليس هناك مجالٌ للدفاع، لأنهم لا يملكون أية حجة أو برهان يبررون من خلاله أعمالهم، فلا يبقى هناك إلا التمنيات المسحوقة بأن تبتلعهم الأرض، فلا يتعرضون للوقوف طويلاً في هذا الموقف لما يواجههم من الإحراج والضيق والخوف ومن غضب الله، ولا يمكنهم في ذلك الموقف إلا أن يعترفوا بكل شيء، فلا يكتموا الله حديثاً في كل أعمالهم الكبيرة والصغيرة. وقد روي عن أمير المؤمنين علي(ع) ـ في بعض خطبه ـ أنه قال عن يوم القيامة: «ختم على الأفواه فلا تكلّم وقد تكلمت الأيدي وشهدت الأرجل ونطقت الجلود بما عملوا فلا يكتمون الله حديثاً»[11].
* * *
وهكذا ينتهي هذا الفصل الذي بدأه الله بالدعوة إلى عبادته وتوحيده، والعمل في اتجاه هذا الخط، والتحذير من الكفر والإشراك به والتمرّد عليه، وختمه بالموقف الشديد الذي يواجه المنحرفين أمام الشهداء بين يدي الله؛ ليفكر الإنسان طويلاً في قضية المصير، ليحدد موقفه على هذا الأساس.
ــــــــــ
(1) مفردات الراغب، ص:97.
(2) (م.ن)، ص:228.
(3) تفسير الميزان، ج:4، ص:363.
(4) صلف صلفاً: تمدّح بما ليس فيه أو عنده وادعى فوق ذلك إعجاباً وتكبّراً، فهو صلف.
(5) مجمع البيان، ج:3، ص:71.
(6) (م.ن)، ج:3، ص:71.
(7) (م.ن)، ج:3، ص:73.
(8) (م.س)، ج:3، ص:76.
(9) أسباب النزول، ص:84 ـ 85.
(10) البحار، م:26، ج:71، ص:62ن باب:3، رواية:22.
(11) البحار، م:3، ج:7، ص:411، باب:16، رواية:6.
تفسير القرآن