من الآية 44 الى الآية 46
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ* وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً * مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}(44ـ46).
* * *
معاني المفردات
{بِأَعْدَائِكُمْ}: العداوة: الإبعاد من حال النصرة، وضدّها الولاية، وهي التقريب من حال النصرة. وأما البغض، فهو إرادة الاستخفاف والإهانة، وضدها المحبة، وهي إرادة الإعظام والكرامة، كذا في مجمع البيان[1].
{وَكَفَى}: الكفاية: بلوغ الغاية في مقدار الحاجة، والاكتفاء: الاجتزاء بالشيء دون الشيء ومثله الاستغناء.
{نَصِيراً}: النصرة: الزيادة في القوة للغلبة ومثلها المعونة، وضدها الخذلان، ولا يكون ذلك إلا عقوبة، لأن منع المعونة ممن يحتاج إليها عقوبة.
{وَراعِنَا}: ارقبنا، كان اليهود يقصدون بها الاستهزاء والسخرية لأنهم يريدون بها المعنى الذي تدل عليه الكلمة في لغتهم، ولربما كان عندهم ينسجم مع الرعونة، بينما هي في اللغة العربية: أنظرنا من المراعاة.
{لَيّاً}: ميلاً لإظهار الباطل من كلامهم في صورة الحق، والاستهزاء في صورة التأدّب، وأصل الليّ الفتل، يقال: لويت العود ألويه ليّاً، ولويت الغريم إذا مطلته، واللوية ما تتحف به المرأة ضيفها لتلوي بقلبه إليها، وألوى بهم الدهر: إذا أفناهم، ولوى البقل؛ إذا اصفر ولم يستحكم يبسه.
{بِأَلْسِنَتِهِمْ}: اللسان هو آلة الكلام، واللسان: اللغة، ومنه قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم:4].
{وَطَعْناً}: أصل الطعن بالرمح، ونحوه الطعن باللسان.
* * *
مناسبة النزول
وقد جاء عن ابن عباس في قوله: {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} [النساء:46]، «أنها نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب ومالك بن دخشم، كانا إذا تكلم رسول الله(ص) لويا بلسانهما وعاباه»[2].
* * *
من نماذج الأساليب اليهودية في عداواتهم للمسلمين
وينطلق القرآن إلى واقع حياة المسلمين في مجتمعهم الذي يعيش فيه غيرهم؛ من اليهود الذين أوتوا الكتاب ـ وهو التوراة ـ، ولكنهم حرّفوه عن معانيه الحقيقية، ووقفوا وجهاً لوجه أمام النبي محمد(ص) وأتباعه، ليعلنوا عليهم الحرب سراً وجهراً. وكان من بين أساليبهم استعمال التوراة كسلاح ديني، يحاولون من خلاله تضليل المسلمين وخلق أجواء الشك في داخلهم، ليبعدوهم بذلك عن حالة الإيمان والطمأنينة، فيكون ذلك سبباً في تهديم القاعدة الداخلية للإسلام في المجتمع الإسلامي.
وينطلق القرآن، ليحدد ملامح هؤلاء وليكشف أساليبهم المتلوّنة، وليخلق في داخل الوعي الإسلامي طرق المواجهة الواعية التي تعرف كيف تتعامل مع أعدائها، كما تعرف كيف تتعامل مع أصدقائها فلا يختلط عليها العدو مع الصديق، ولا يشتبه عليها أسلوب التعامل مع الأعداء بأسلوب التعامل مع الأصدقاء. فإن الله يريد للمؤمن أن ينفتح على الحياة من موقع وضوح الرؤية للناس وللأشياء، لأن الإنسان الذي يتعامل مع القضايا بوضوح سيبقى في طريق النور، ولن يضلّ السبيل في أي مجال من المجالات.
وهكذا وجَّه الله الخطاب إلى النبي، ليكون هو الذي يفتح عيون الناس على الحقيقة؛ ثم خاطب المسلمين، ليوحي إليهم بأنه يخاطبهم من خلال رسول الله، لأنه(ص) لا ينطلق معهم من خلال ذاته، بل من خلال رسالته، التي تحتويهم جميعاً.
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً} فهم لم يحصلوا على الكتاب كله، بل على نصيب منه؛ لم يعيشوا معه في أفكارهم ومشاعرهم، ولم يندمجوا مع خططه ومعانيه الروحية، بل أخذوه بأطراف ألسنتهم، ليستغلوا ذلك في أطماعهم وشهواتهم.
{يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ} وتلك هي ملامحهم؛ فإنهم لا يسيرون في خط الهدف الباحث عن الحقيقة، ليرتبطوا بها، ولينقلوا خطواتهم مع خطوات الآخرين السائرين في هدى الله، ليزدادوا هدىً بهداهم، بل إنهم يسيرون ـ على العكس من ذلك ـ في خطوات الضلال؛ فقد حدّدوا لأنفسهم هذا الاتجاه، انطلاقاً من أطماعهم وشهواتهم، وبدأوا يبحثون عن الوسائل التي تمكنهم من الوصول إلى ما يريدون، فاشتروا الضلالة بكل ألوانها ووسائلها وأهدافها، وانحرفوا عن الهدى الذي شاهدوه نصب أعينهم، ولم يقتصروا في ذلك على أنفسهم، بل عملوا على أن يضللوا الآخرين الذين اتبعوا الهدى فكراً وعملاً. وهكذا خاطب الله المسلمين وحذّرهم أن ينتبهوا إلى ذلك كله، فيعرفوا ملامحهم ويتعرفوا إلى مقاصدهم في تضليلهم.
{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً} فلا تنظروا ـ أيها المؤمنون ـ إلى ظواهر أحوالهم فتنخدعوا بها، وذلك لما يحاول هؤلاء أن يصوروه لكم من مظاهر المودّة والمحبة، لتستسلموا إليهم في أساليب خداعهم وتضليلهم، بل انظروا إلى عمق مشاعرهم وتفكيرهم، من خلال ما يظهره الله لكم من أمرهم، ويعرّفكم إياه من حالهم، فإن الله أعلم منكم ببواطن الأشخاص، لأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فهو أعلم بأعدائكم، فلا توالوهم ولا تركنوا إليهم، لأن وليكم الله الذي لا وليّ غيره، وناصركم الله الذي لا ناصر أقوى منه. ومن كان الله وليه ونصيره، فإنه يكفيه كل شيء، وينصره على كل شيء، ولا يحوجه إلى أعداء الله لينصروه وليكفوه مما يهمه من أمور الحياة.
{مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} هؤلاء هم اليهود الذين هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا. وقد حدثنا الله عنهم أنهم لا يواجهون القضايا من موقع مداليلها الحقيقية بصراحة ووضوح، ولا يستقيمون في تعاملهم مع المبادىء والأشخاص والكلمات؛ بل يعملون على تحريف الأمور ـ ولا سيما الكلمات التي توحي بالمبادىء الصحيحة ـ عن مواضعها، بما يتناسب مع شهواتهم وأهدافهم. ولهذا، فإن على المؤمنين أن يحذروا منهم، حتى في الحالات التي يتحدثون فيها بكلام الله، لأنهم سوف يستغلّون أجواء قداسة الكلمات، وشعور الآخرين بأنهم ـ أي اليهود ـ يعرفون من كلام الله ما لا يعرفه غيرهم؛ وبذلك يضلّلون الناس باسم الهدى، وهم لا يشعرون. وهذا أسلوبٌ قرآنيٌ يريد الله من خلاله ـ أن يوحي للمؤمنين بأن يدرسوا طبيعة الأشخاص من مواقع تاريخهم وانتماءاتهم وعلاقاتهم ومواقفهم، قبل الاستماع إليهم، ليعرفوا من ذلك نوعية الأساليب التي يتبعونها في الدعوة والمعاملة والموقف، ليحذروا مما يمكن أن يكون موقفاً للحذر في ذلك كله.
{وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ} تلك هي حالهم في مواجهتهم للرسول(ص)؛ فقد كانوا يقولون: سمعنا وأخذنا علماً بما تقول، ولكننا لن نطيعك في ذلك كله. فكأنهم يحاولون بذلك أن يثيروا حالةً من الاستهزاء في إقرارهم بالسماع، ويضيفون إلى ذلك قولهم: «اسمع، لا أسمعك الله»؛ وهو معنى قولهم: راعنا في لغة اليهود؛ وكانوا يستعملونها للتمويه، فهم يريدون منها المعنى بحسب لغتهم، ولكن المسلمين يفهمون منها أنظرنا ـ من المراعاة ـ حتى يستوعبوا الكلام. وكانوا يلوون ألسنتهم بالكلام، فيظهرون الباطل في صورة الحق، ويوحون بالازدراء والسخرية والاستهزاء، ويطعنون بالدين بذلك الأسلوب وبغيره... {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ...} إنهم لا يطلبون لأنفسهم الخير، فلا ينفتحون على دعوة الخير الموجهة إليهم بقلوبٍ مفتوحة وأفكارٍ واعيةٍ، لأنهم أغلقوا مسامع قلوبهم وأفكارهم عن الخير كله. ولو طلبوا لأنفسهم الخير، لكان قولهم عندما يسمعون كلام الله: سمعنا وأطعنا، ولكان قولهم بدل كلمة «راعنا»: اسمع وأنظرنا، حتى نتعرف عمق الكلام وسعته. {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} منهم، أو إلاَّ قليلاً من الإيمان، في ما ألزمهم الله به من مسؤوليات الكفر ونتائجه؛ والله العالم.
ــــــــــ
(1) مجمع البيان، ج:3، ص:83.
(2) البحار، م:4، ج:9، ص:47، باب:1.
تفسير القرآن