تفسير القرآن
النساء / من الآية 51 إلى الآية 52

 من الآية 51 الى الآية 52
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيتـان

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَـؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلاً * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً}(51ـ52).

* * *

معاني المفردات

{بِالْجِبْتِ}: الجبت :كل ما عُبد من دون الله، وقال صاحب مجمع البيان: الجبت لا تصريف له في اللغة العربية، وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: هو السحر ـ (أو الساحر) ـ بلغة أهل الحبشة، وهذا يحمل على موافقة اللغتين، أو على أن العرب أدخلوها في لغتهم فصارت لغة لهم[1].

{وَالطَّاغُوتِ}: الطغيان في الحكم والنظام والواقع، والحاكم الظالم يسمى طاغوتاً.

{لَعَنَهُمُ اللَّهُ}: اللعنة: الإبعاد من رحمة الله عقاباً على معصيته، فلذلك لا يجوز لعن البهائم ولا من ليس بعاقل من المجانين والأطفال لأنه سؤال العقوبة لمن لا يستحقها، فمن لعن بهيمةً أو حشرةً أو نحو ذلك فقد أخطأ لأنه سأل الله تعالى ما لا يجوز في حكمته فإن قصد بذلك الإبعاد على وجه العقوبة جاز، كما جاء في مجمع البيان[2].

* * *

مناسبة النزول

جاء في أسباب النزول ـ للواحدي ـ بإسناده عن عكرمة قال: جاء حييّ بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم القديم، فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا: نحن ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العاني، ونصل الأرحام، ونسقي الحجيج، وديننا القديم ودين محمد الحديث، قالا: بل أنتم خيرٌ منه وأهدى سبيلاً، فأنزل الله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ} إلى قوله تعالى: {وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً}.

وقال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على غدر رسول الله(ص) وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله(ص)، فنزل كعب على أبي سفيان ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما، فذلك قوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ}، ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون، فنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد، ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأيّنا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق؛ أنحن أم محمد؟ فقال كعب: اعرضوا عليّ دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء، ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفكُّ العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث. فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه، فأنزل الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ} يعني كعباً وأصحابه ـ الآية[3].

ونلاحظ على هذه الرواية أن كعباً ـ وهو اليهودي المتعصب ـ يطرح على قريش أن ينطلق ثلاثون يهودياً وثلاثون قرشيّاً فيلصقون أكبادهم بالكعبة ويعاهدون رب الكعبة على قتال النبي(ص) في الوقت الذي نعرف فيه أن اليهود لا يعترفون بالكعبة ولا يقدسونها؛ الأمر الذي لا ينسجم مع الخط اليهودي الذي لا يساومون عليه في العادة، ولو في الشكل، لأنه يخلق لهم مشكلة كبيرة في مجتمعهم. هذا مع اختلاف الروايتين في بداية الحادثة.

* * *

اليهود يفضلون المشركين على المسلمين

وهذا لون جديد من ألوان انحراف هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب؛ فإذا كانوا يؤمنون بالكتاب حقاً، فينبغي لهم أن يتوازنوا في علاقاتهم على أساس قرب الناس من خط الإيمان وبعدهم عنه، لتكون المفاهيم الكتابية هي القاعدة التي ينطلقون منها في تأييد من يؤيّدون، ورفض من يرفضون، لأن صاحب العقيدة والإيمان يعمل على أساس تأكيد إيمانه في الحياة، من خلال الالتقاء ـ ولو في خط الوسط ـ بالذين ينسجمون مع مفاهيمه بعض الانسجام، في مقابل الذين يبتعدون عنها كل البعد. وعلى ضوء هذا، كان من المفروض أن تكون علاقتهم بالمسلمين هي علاقة القريب الذي تلتقي مفاهيمهم بمفاهيمه، ليقفوا معهم في معركتهم ضد المشركين، باعتبار أنها معركة واحدة يقف فيها الكفر في جانب، والإيمان في جانب آخر؛ ولكن القضية كانت على خلاف ذلك، فقد وقفوا ضد المسلمين مع خصومهم، فتحالفوا معهم وانطلقوا يدبّرون المؤامرات المشتركة ضد الإسلام والمسلمين.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} عالج القرآن المسألة على أساس أن هؤلاء لا يؤمنون بالكتاب، فقد تحول الكتاب عندهم إلى مجرد شعار يستغلونه لتضليل الناس، وسلعةٍ يتاجرون بها في أسواق الربح والخسارة، فهم يؤمنون بالجبت الذي هو تعبير عن معبود غير الله، والطاغوت الذي هو تعبير عن الطغيان في الحكم والنظام، فهم يؤمنون بذلك، في واقع الناس، عندما يتعاونون مع الطغيان والضلال، وفي ممارساتهم الخاصة عندما يمارسون الطغيان والإضلال في واقعهم الشخصي. ولهذا كان تاريخهم تاريخ الطغيان، في الفكر والعلاقات والعمل، عندما كانوا يواجهون الرسالات بالجحود، والرسل بالعدوان، والحياة الباحثة عن السلام بالحرب.

وهكذا امتد إيمانهم بالجبت والطاغوت في موقفهم الضال الجائر، في الموازنة بين المسلمين وبين المشركين، {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} فقد كانوا يقولون عن المشركين الذين يعبدون الأصنام ولا يدينون بدين الحق ولا يؤمنون بالقيم الرسالية التي أنزلها الله على رسله: {هَـؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلاً} إنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين؛ في الوقت الذي يقف فيه المؤمنون، ليعلنوا الإيمان بالله وبرسله وكتبه، ويصدقوا بالتوراة والإنجيل في كل شرائعهما ومفاهيمهما الأخلاقية والعملية. فكيف يمكن أن يصدر مثل هذا عن أناس يعيشون الكتاب فكراً وعقيدة وشريعة؟ إنه منطق الكفر الذي يتخذ الإيمان بالكتاب ستاراً يستتر وراءه ليخفي الحقد والشر والظلام، إنه إطار سقطت صورته يحتضن كل صورة جديدة باسم الصورة الحقيقية، من خلال أساليب الزيف والبهتان والضلال.

وقد نجد الكثير الكثير من هذه النماذج في الناس الذين يأخذون من المبادىء والأفكار والديانات الإطار الذي يمثل الانتماء إلى الشكل ويعزلون حياتهم عن المضمون، كما هو واقع اليهود الذين يحملون في تحركهم السياسي شعار التوراة، ولكنهم لا يؤمنون به جملةً وتفصيلاً؛ وواقع بعض الاتجاهات المسيحية السياسية التي تحاول أن تنطلق من العاطفة المسيحية كشعار، ولكنها لا تلتزم بالقيم المسيحية التي جاء بها الإنجيل في علاقاتها ومعاملاتها السياسية. وقد نجده في بعض الأوضاع السياسية الإسلامية التي تتستر بالإسلام، ولكنها تخفي وراء ذلك مطامعها الشخصية والإقليمية والقومية. وعلى هذا الأساس نجد أنهم ينطلقون في مواقفهم وعلاقاتهم من مصالحهم، لا من مبادئهم؛ ولهذا فهم قد يفضلون مصالح الكافرين على مصالح المؤمنين، تبعاً لمصالحهم الذاتية الخاصة، أو للعقد النفسية المريضة التي تواجه أي معنىً من معاني الإيمان أو موقف من مواقف المؤمنين.

وقد وجه القرآن في هذه الآية المؤمنين إلى أن يرصدوا هذه النماذج بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ..} للإيحاء بأن القضية لا تحتاج إلاّ إلى التطلّع إلى واقع هؤلاء، ليعرفوا الحقيقة القرآنية من خلال ذلك؛ كأسلوب من أساليب التربية الإسلامية التي تدفع الإنسان إلى أن يفهم الواقع، من خلال النظرة الواعية المنفتحة على الناس والأشياء، من منطلق النظرة الإسلامية إلى الحياة؛ وبذلك تتحول الحياة لدى الإنسان المؤمن إلى ساحةٍ للمعرفة الشاملة لكل ما هو حوله ومن حوله، ليبتعد بذلك عن جو السذاجة، فيتطلع إلى بواطن الأشياء كما يتطلع إلى ظواهرها.

ثم يتحدث القرآن ـ في الآية الثانية ـ عن الذين يعيشون الازدواجية بين ما يمثلون من انتماء وبين ما يمارسون في حياتهم من خطوات؛{أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} هؤلاء هم الذين لعنهم الله، وأبعدهم عن ساحة رحمته وغفرانه؛ وكيف لا يبعدهم عن رحمته وساحة رضوانه، وهم يسيئون إلى المبادىء التي يقولون إنها وحي الله وكتاب الله. فإن الله لا يقرّب إلا الناس الطيبين الذين يعيشون الخير في أفكارهم وأفعالهم ومنطلقاتهم في الحياة.

{أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} فما قيمة أن يلتفّ الناس من حوله، أو يهتفون باسمه، أو يتجمعون لنصرته؟ ما قيمة ذلك كله إذا كان الله يريد أن يخذله؟ إنه سوف يحسّ بالوحشة تفترس أمنه الداخلي، عندما يخلد إلى نفسه فيشعر بالوحدة، لأن الله هو المهيمن والمسيطر على الناس والأشياء، بيده كل شيء، أما الناس فإنهم لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضراً ولا نفعاً إلا بالله، ولا تنطلق علاقاتهم إلا من خلال الضعف الإنساني المتحرك في نطاق الطمع والرغبة والخوف، وما إلى ذلك من نقاط الضعف الصغيرة والكبيرة، فلا تمتلىء نفس الإنسان الذي يحترم نفسه إلا من خلال قوة الله التي تفيض على حياته بالقوة النابضة بالحياة، فإن الإنسان الذي يشعر أنه مع الله، أو أنه قريب إليه، يشعر بأنه قويّ كبير بالله، حتى لو لم يكن هناك من أحدٍ حوله، أو كان الناس كلهم ضدّه. وهذا ما عبّر عنه الإمام علي(ع)، الذي كان يعيش الوحدة في طريق الحق وهو يسير فيه بمفرده: «لا يزيدُني كثرةُ النَّاس حولي عزةً، ولا تفرُّقُهُم عنِّي وحشةً...»[4]، وكان يقول لولده في وصيته له: «لا يُؤنسنَّك إلا الحقُّ، ولا يوحشنَّك إلا الباطلُ»[5] ويقول للناس: «أيها النَّاسُ لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهلِهِ فإنَّ النَّاس قد اجتمعوا على مائدةٍ شبعُها قصيرٌ، وجوعُها طويلٌ»[6].

ــــــــــــــــ

(1) مجمع البيان، ج:3، ص:92.

(2) م.س، ج:3، ص:92.

(3) أسباب النزول، ص:86 ـ 87.

(4) نهج البلاغة، رسائل أمير المؤمنين، رسالة:36، ص:409.

(5) (م.ن)، خطبة:130، ص:188.

(6) (م.ن)، خطبة:201، ص:319.