من الآية 53 الى الآية 55
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْراهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً}(53ـ55).
* * *
معاني المفردات
{نَقِيراً}: كناية عن الشيء الطفيف وهي نقرة في ظهر النواة، وهو في الأصل من النقر وهو النكت، ومنه المنقار لأنه ينقر به، والناقور: الصور لأنه ينقر فيه بالنفخ المصوت والنقير: خشبة ينقر وينبذ فيها.
{يَحْسُدُونَ}: يتمنون زوال نعمة الآخرين من المؤمنين عنهم ويسعون في إزالتها. والحسد تمني زوال النعمة عن صاحبها لما يلحق من المشقة في نيله لها، وهو خلاف الغبطة، لأن الغبطة تمني مثل تلك النعمة لأجل السرور بها لصاحبها، ولهذا جاء الحسد مذموماً والغبطة غير مذمومة. وقيل: إن الحسد من إفراط البخل لأن البخل منع النعمة لمشقة بذلها والحسد تمني زوالها لمشقة نيل صاحبها، فالعمل فيهما على المشقة بنيل النعمة. وقد يتحول الحسد من عقدة نفسية إلى عداوة وكيدٍ ومكرٍ وتآمر، قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة:109]، وقد حدثنا القرآن عن قصة قابيل الذي قتل أخاه هابيل، لأن الله تقبل قربان أخيه ولم يتقبل، منه حسداً منه له.
{سَعِيراً} أصل السعير من السعر، وهو إيقاد النار. واستعرت النار أو الحرب أو الشرّ وسعّرتها أو أسعرتها، والسعر: سعر المتاع وسعّره تسعيراً، وذلك لاستعار السوق بحماها في البيع والساعور كالتنور.
* * *
جزاء المستعلين والحاسدين
{أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً} ماذا يملك هؤلاء؟ لماذا يستعلون على الناس؟ ولم هذا الشعور بالفوقية؟ لماذا هذا كله؟ هل هذا لأن لهم نصيباً من الملك، فلا يعطون الناس نقيراً منه ـ وهي النقطة على ظهر النواة ـ انطلاقاً من شعورهم بأنهم يملكون الدنيا وما فيها، وما قيمة ما يملكون، والملك لله يؤتيه من يشاء ويسلبه عمن يشاء؟ {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} أو أن موقفهم ينبع من عقدة ذاتية مرضية في نفوسهم، من كل الطيبين الخيّرين الذين آتاهم الله من فضله الرسالة والرفعة والدرجة العالية في الحياة؟ فهم لا يطيقون التطلع إلى الناجحين وأصحاب الدرجة الرفيعة، ولا يملكون الوصول إلى ذلك من خلال جهدهم، لأنهم لا يريدون أن يتعبوا أنفسهم أو يضحّوا أو يجاهدوا للوصول إلى ما وصل إليه الآخرون، بل كل ما عندهم أن يحصلوا على المجد من دون جهد أو معاناة، تماماً ككل الناس الذين يعيشون عقدة الحسد، فيختنقون بها في شعور مرضيٍّ بالقهر والمرارة؛ وهكذا كان موقفهم من رسول الله(ص) والمؤمنين معه، أو النبيّ وآله، كما جاءت الرواية بذلك عن أبي جعفر ـ محمد الباقر ـ(ع)[1]، في ما آتاه الله من فضل الرسالة والنبوّة، ولكن الله سبحانه يذكرهم بما أنزله على آل إبراهيم من الكتاب والحكمة وما آتاهم من الملك، {فَقَدْ آتَيْنَآ ءَالَ إِبْراهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} والله يؤتي فضله من يشاء، فماذا يريدون؟ وماذا يفعلون؟ فليموتوا بغيظهم. واختلف الناس على الوحي الذي أنزله الله على إبراهيم وآله، {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ} ممن انفتحت قلوبهم على الله وعلى رسالاته، {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} ممن انفتحوا على وساوس الشيطان وأحابيله؛ {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} لمن انطلق بعيداً في خط الشرك والكفر والضلال.
ــــــــــــ
(1) جاء في تفسير الميزان عن الباقر(ع) في حديث {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} قال: نحن الناس المحسودون. ج:4، ص:393.
تفسير القرآن