من الاية 60 الى الآية 70
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـلاً بَعِيداً* وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً * فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً * أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً * وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً * فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً * وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِراطاً مُّسْتَقِيماً * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً * ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً}(60ـ70).
* * *
معاني المفردات
{يَزْعُمُونَ}: الزعم في أصل اللّغة: القول حقاً كان أو باطلاً، ثم كثر استعماله في الظنّ والاعتقاد اللَّذين يعتقد ببطلانهما، أو يشك بصدقهما. ولم يستعمل في القرآن إلاّ في الكذب والباطل، فمن استعماله في الباطل قوله تعالى: {هَـذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ} [الأنعام:136]، ومن استعماله في الكذب قوله: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ} [التغابن:7].
{الطَّاغُوتِ}: ذو الطغيان، على جهة المبالغة في الصفة، فكل من يُعبد من دون الله فهو طاغوت، وقد يسمّى به الأوثان كما يسمى بأنه رجس من عمل الشيطان، ويوصف به أيضاً كل من طغى بأن حكم بخلاف حكم الله.
{ضَلالاً}: الضلال: الهلاك بالعدول عن الطريق المؤدي إلى البغية لأنه ضد الهوى الذي هو الدلالة على الطريق إلى البغية.
{تَعَالَوْاْ}: أصله من العلو، فإذا قلت لغيرك: تعالوا إليّ، فمعناه ارتفعوا إليّ.
{صُدُوداً}: إعراضاً، صددت، الأصل فيه أن لا يتعدى، تقول: صددت عن فلان أصدّ بمعنى أعرضت عنه، ويجوز: صددت فلاناً عن فلان بالتعدي لأنه دخله معنى منعته عنه.
{يَحْلِفُونَ}: الحلف: القسم، ومنه الحليف لتحالفهم فيه على الأمر.
{إِحْسَاناً}: إلى الخصوم.
{وَتَوْفِيقاً}: جمعاً وتأليفاً وقطع المشاجرة.
{بَلِيغاً}: يبلغ من نفوسهم مبلغاً حسناً يوضح لهم أبعاد موقفهم الخاطىء وعواقبه السيّئة. وأصل البلاغة البلوغ، يقال: بلغ الرجل بالقول يبلغ بلاغة فهو بليغ إذا صار يبلغ بعبارته كثيراً ممّا في قلبه. ويقال: أحمق بَلغٌ وبِلغٌ، إذا كان مع حماقته يبلغ حيث يريد، وقيل: معناه قد بلغ في الحماقة.
{شَجَرَ}: التبس واختلط من قضايا وآراء وأحكام. والشجور الاختلاط، وشَجَر اختلط، ومنه التشاجر والمشاجرة، كأن الدعاوى أو الأقوال اختلط بعضها مع بعض، وتداخل الكلام بعضه مع بعض كتداخل الشجر بالتفافه.
{حَرَجاً}: ضيقاً وامتعاضاً، وأصل الحرج مجتمع الشيء وتصوّر منه ضيق ما بينهما، فقيل للضيق حرج وللإثم حرج.
{تَثْبِيتاً }: ترسيخاً واستقراراً لنفوسهم وقلوبهم.
{وَالصِّدِّيقِينَ}: الذين لا يكذبون قط، فلا يفعلون إلاّ ما يرونه حقاً، فهم يشهدون الحق، ويقولون الحق، ويفعلون الحق، فهم شهداء الحقائق. والصدّيق: المداوم على التصديق بما يوجبه الحق، وقيل: الصدّيق: الذي عادته الصدق، وهذا البناء يكون لمن غلب على عادته فعل، يقال لملازم السكر سكّير، ولملازم الشرب شرِّيب.
{وَالشُّهَدَآءِ}: جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل الله، وليست الشهادة في القتل الذي هو معصية، لكنها حال المقتول في إخلاص القيام بالحق لله مقراً وداعياً إليه، وقيل: الشهادة هي الصبر على ما أمر الله به من قتال عدوّه، فأما الصبر على الألم بترك الأنين، فليس بواجب، وليس الأنين بممنوع عنه، بل هو مباح إذا لم يقل ما يكرهه الله تعالى.
{وَالصَّالِحِينَ}: الصالحون: الفاعلون للصلاح، الملازمون له، المتمسكون به، الذين لم تبلغ درجتهم درجة النبيين والصديقين والشهداء.
{رَفِيقاً}: الرفيق: الصاحب، وهو مشتق من الرفق في العمل، وهو الارتفاق فيه، ومنه المرافقة، والمرفق من اليد بكسر الميم لأنه يرتفق به، وقوله: {وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقًا } [الكهف: 16]، أي رفقاً يصلح به أمركم.
{الْفَضْلُ}: الفضل ـ في أصل اللغة ـ هو الزيادة على المقدار، وقد استعمل في النفع أيضاً. وأفعال الله كلها فضل وتفضل وإفضال لأنه لا يقتصر بالعبد على مقدار ما يستحق بمثل عمله في ما بين الناس، بل هو يزيد عليه زيادات كثيرة ولا يجري ذلك على طريق المساواة.
* * *
مناسبة النزول
جاء في أسباب النزول ـ للواحدي ـ عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أبو بردة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود في ما يتنافرون إليه فتنافر إليه أناسٌ من أسلم، فأنزل الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} إلى قوله {رَفِيقاً}. وعن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت في رجل من الأنصار يقال له قيس، وفي رجل من اليهود في مماراة كانت بينهما في حق تدارآ فيه، فتنافرا إلى كاهن بالمدينة ليحكم بينهما وتركا نبي الله(ص) فعاب الله تعالى ذلك عليهما وكان اليهودي يدعوه إلى نبي الله، وقد علم أنه لن يجور عليه، وجعل الأنصاري يأبى عليه وهو يزعم أنه مسلم ويدعوه إلى الكاهن، فأنزل الله تعالى ما تسمعون وعاب على الذي يزعم أنه مسلم وعلى اليهودي الذي هو من أهل الكتاب[1]. وهناك روايات أخرى بالمضمون نفسه مع اختلاف في التفاصيل.
وجاء في أسباب نزول آية {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} قال: نزلت في الزبير بن العوام وخصمه حاطب بن أبي بلتعة، وقيل: هو ثعلبة بن حاطب. وجاء عن عروة بن الزبير عن أبيه أنه كان يحدّث: أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً إلى النبي(ص) في شراج الحرّة، كانا يسقيان بها كلاهما، فقال النبي(ص) للزبير: اسق، ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتلوّن وجه رسول الله(ص) ثم قال للزبير: أسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، فاستوفى رسول الله صلى الله عليه وسلّم للزبير حقه، وكان قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعةً للأنصاري وله، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله(ص) استوفى للزبير حقه في صريح الحكم، قال عروة: قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية أنزلت إلا في ذلك{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}[2].
* * *
وجاء في أسباب نزول آية {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} قال الكلبي: نزلت في ثوبان مولى رسول الله(ص) وكان شديد الحب له، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن، فقال له: يا ثوبان ما غيّر لونك؟ فقال: يا رسول الله ما بي من ضرّ ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك، لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين، وإني وإن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة، فذاك أحرى أن لا أراك أبداً؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية[3].
ولنا ملاحظات:
1 ـ في الروايات الأولى، حديثٌ عن أن بعض المسلمين كانوا لا يلتزمون القضاء الإسلامي الممثِّل لحكم الله المتمثل بالنبي محمد(ص)، فيلجأ في خلافاتهم مع الآخرين إلى كاهن جاهلي لأنهم يرون أن بإمكانهم أن يصلوا إلى ما يريدونه بحكم الجاهلية، باعتبار أن حكم الله ـ في الواقعة الفعلية الخاصة ـ لا يمنحهم الحق، لأن الحق للخصم الذي قد لا يكون مسلماً بل يهودياً ـ كما جاء في الرواية ـ إذ أراد التحاكم إلى النبي محمد(ص) لا إيماناً بالإسلام، بل لأنه يمثل العدل الذي يحكم للكافر على المسلم إذا كان الحق معه، ويشير ذلك إلى أن البعض من المسلمين لا يعيشون الإسلام من خلال الالتزام بالحق المتحرك معه، بل ينطلقون بعيداً عنه، إذا لم يتوافق مع مصالحهم الخاصة التي لا تلتقي بالحق.
2 ـ وفي الرواية الثانية، قد نتحفظ على ما نقله الزبير عن رسول الله(ص) من رد فعله على كلام الأنصاري، في أمره الزبير بأن يحبس الماء عن الأنصاري الذي أراد النبي محمد(ص) التوسعة عليه، في الوقت الذي لا يملك حقاً فيه، لأن خُلق رسول الله(ص) العظيم لا يلتقي مع ذلك، فإن بالإمكان توبيخ الأنصاري أو إرشاده إلى طبيعة المسألة من حيث الحق الشرعي.
إن ملاحظتنا هذه لا تنبع من أن هذا الموقف يتنافى مع العصمة، لأن النبي(ص) ـ إذا صحت الرواية ـ لم يفعل شيئاً على خلاف الحق في رد فعله، ولكنها تنبع من أن الأسلوب النبوي في أخلاقه العالية يرتكز على الدفع بالتي هي أحسن، بحيث يحوّل العدوّ إلى صديق، وعلى أنه لا يخضع لسلطان الغضب عليه وهو نبيّ العفو والرحمة، مما يجعلنا نشك بما روي عن الزبير، لأنه لا يتناسب مع طبيعة الواقع الأخلاقي الرفيع للشخصية النبوية العظيمة، مع التنبيه أن الزبير ـ في هذه الرواية ـ يتحدث عن اجتهاد شخصي في نزول الآية لتأكيد هذه القصة في قوله: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك.
3 ـ وفي الرواية الثالثة التي تتميز بالصورة العاطفية المتمثلة في عشق هذا الإنسان المسلم (ثوبان) للنبي(ص) وذوبانه فيه، لا نجد انسجاماً بين خصوصياتها الحوارية في حواره مع النبي محمد(ص) وبين مضمون الآية الذي يعبّر عن القاعدة العامة للمطيعين لله ولرسوله في منزلتهم الرفيعة التي تجعلهم مع النبيين والصديقين والشهداء، لأنهم يلتقون معهم في خط الاستقامة على السير في رضوان الله في إطاعة أوامره ونواهيه، لأن ذلك هو الأساس الذي ارتفع به أولئك عند الله، فليس هناك في الجنة حواجز بين الناس على المستوى الطبقي، بحيث تتميز كل طبقة عن غيرها في مجال اللقاء أو في الجو الاجتماعي للجنة، حتى لو تميزت الدرجات عند الله في مستوى الإيمان والطاعة والجهاد، ولكن امتيازات الجنة تختلف في طبيعتها عن امتيازات الدنيا، فقد يحصل عليها أصحاب الدرجات الرفيعة والمنازل العليا في الأجواء الروحية في رضوان الله في النعيم الروحي الذي لا يعرف مداه إلا الربانيون في مواقع القرب من الله، والله العالم.
إننا نحاول التدقيق في روايات أسباب النزول، لأنها تمثل تصوراً ثقافياً قد يخطىء في إعطاء الصورة الدقيقة الحقيقية للتصور الإسلامي وللمضمون القرآني، لأن الكثير من هذه الروايات ليس موثقاً بما يضمن الوثوق بها، كما أن البعض منها يعبر عن اجتهاد الرواة والمفسرين من خلال ذهنياتهم المحدودة الخاضعة لبعض المؤثرات الثقافية المتخلفة؛ الأمر الذي يفرض علينا مناقشة ذلك كله، لأننا نخشى أن تفرض هذه الروايات ـ بما فيها من التصورات ـ نفسها على المفاهيم القرآنية لتبتعد بها عن صفاء الفكرة وإشراقة الصورة وانفتاح التصور.
* * *
الخط الفاصل بين الإيمان والنفاق
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} وهذا حديث عن بعض نماذج المنافقين الذين انحرفوا عن الخط الإيماني الذي عرضت له الآية السابقة، فلم تتوافق دعواهم إلى الإيمان برسالة الرسول محمد(ص) والرسالات السابقة التي جاء القرآن وأكّد على الإيمان بها كجزءٍ من الإيمان بالإسلام، مع السلوك العملي من خلال ما يقبلون وما يرفضون من الأشياء، وما يواجهونه من مواقف عملية في التزامهم بأحكام الله عندما تقترب من مصالحهم، وتؤثر على ما هم فيه من أطماع وشهوات. وقد حدثتنا هذه الآيات حديثاً وافياً عن ملامحهم الحقيقية، فها هم يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، لأنهم يزعمون أنهم يؤمنون به وبالكتب المنزّلة قبله، ولكنهم يرفضون الانصياع إليه، لأنه لا يؤمّن لهم رغباتهم المنحرفة، {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ} الذي يمثل الحكم القائم على الطغيان، في ما يرتكز عليه من التشريعات المنحرفة الباطلة؛ {وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} في الوقت الذي أراد منهم الإسلام ـ الذي يزعمون الإيمان به ـ أن يكفروا به فكراً وشريعةً وعملاً، فقد رأوا في حكم الطاغوت ما يؤمّن لهم أطماعهم وشهواتهم، وعاشوا الحياة من أجل هذه الأطماع والشهوات بعيداً عن خط الإيمان الحق، انطلاقاً من الخضوع لإرادة الشيطان في ما وسوس لهم وما خطط لحياتهم، {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضلالاً بَعِيداً} ليضلهم ضلالاً بعيداً ويبعدهم عن الارتباط بالقاعدة الفكرية والروحية التي تحدّد لهم ما يفعلون وما يتركون، من موقع المصلحة الحقيقية للحياة والإنسان، بعيداً عن القضايا الذاتية، لأنه إذا ابتعد الإنسان عن القاعدة الثابتة في حياته لم يجد لحياته أساساً من الهدى، مما يدفعه إلى الابتعاد كثيراً عن الخط المستقيم ويسلمه إلى الضياع الفكري والروحي والعملي، ليغرق في الرمال المتحركة مع الرياح في الصحراء، حيث لا أرض صلبة يقف عليها، ولا علامات واضحة تحدّد له ملامح الطريق.
وقد ذكر صاحب مجمع البيان أنه «كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى محمد، لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة ولا يجور في الحكم، فقال المنافق، لا، بل بيني وبينك كعب بن الأشرف، لأنه علم أنه يأخذ الرشوة»[4]. ولعلّ جوّ الآية يوحي بمثل هذه القصة. وهذا ما نواجهه عند كثير من المسلمين الذين يتحاكمون إلى القوانين والشرائع الكافرة، التي استطاع الكافر المستعمر أن يخطط لها في البلدان الإسلامية وينفذها بقوة الدولة، وذلك لإبعاد التشريع الإسلامي عن حكم المسلمين كأسلوب شيطاني لإبعادهم عن دينهم، عندما تتحرك حياتهم العملية اليومية في اتجاه غير الاتجاه الإسلامي. وقد تتمثل نماذج هؤلاء المسلمين في فريقين:
الأول: الفريق الذي يرفض التحاكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ويفضِّل الرجوع إلى حكم القانون المدنيّ، عندما يوازن بينهما بالنظر إلى ما يتحقق له من أطماع وغايات شخصية، فيجد ذلك لدى حكم الطاغوت، فيعمل به ويدعو إليه.
الثاني: الفريق الذي يرفض العمل من أجل إقامة حكم الله، ويعمل على محاربة السائرين في هذا السبيل، لأنه يستريح إلى الأوضاع القائمة التي تجلب له الراحة، وتؤمّن له سبل العيش الرغيد، فيحاول تبرير التخاذل والتقاعس بكل ما أوتيه من قوّة، ويشتد على المؤمنين العاملين في هذا الاتجاه أكثر من اشتداده على الكافرين، بل يبرّر لهؤلاء العذر في بعض ظلمهم بما لا يبرره للمؤمنين في جهادهم، وذلك هو الضلال البعيد الذي يريد الشيطان أن يوقعهم فيه.
إن هذه الآية تحدد للمؤمنين الخط الفاصل بين الإيمان والنفاق؛ فالمؤمن هو الذي يلتزم بحكم الله وينطلق نحوه مهما كانت الظروف والنتائج؛ أما المنافق فهو الذي يلتزم بمطامعه وشهواته، فهي التي تحدّد له الالتزام بالقوانين الموجودة حوله، سواء كانت قوانين الله أو قوانين البشر؛ وفي ضوء هذا، لا يمكن للمؤمن أن يعطي الحكم الكافر ـ الذي هو حكم الطاغوت ـ أي نوع من أنواع الشرعية، بعدما أمر الله أن يكفر به جملةً وتفصيلاً؛ مما يدفعنا إلى إعادة النظر في كثير من الممارسات التي يمارسها البعض ممن يتولون المهمات الدينية الرسمية في بلاد المسلمين، فيبررون للحكم أوضاعه وخططه، ويتحدثون عن شرعيته، تماماً كما يتحدثون عن شرعية الإسلام؛ مما يجعلنا نتحفظ أمام هؤلاء، لنتعرف في ملامحهم هذه ما تؤكده الآية من ملامح النفاق والمنافقين.
* * *
الله يكشف باطن المنافقين
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} وكان المسلمون يقولون لهؤلاء: {تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} ليحكم بينكم، فذلك أقرب إلى خط الحق، وأبعد عن خط الضلال {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً}، ولكنهم لا يستجيبون لذلك ولا يسمحون بالدخول في مناقشة حوله، لأن القرار لم يكن صادراً عن خلل في القناعة، بل هو عن عناد وإصرار على التمرّد، ولذلك تراهم يصدون عن رسول الله صدوداً غير عابئين بكل النتائج على مستوى الدنيا والآخرة.
ويمتد بهم المجال في سعة من العيش وراحة في البال، حتى {إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، ورأوا أن السير في بعض مراحل طريق الضلال قد أتعبهم وأوقعهم في مشاكل كثيرة، لجأوا إلى تبرير ما فعلوه، ليمكّنهم ذلك من نيل شيء من الثقة من الرسول(ص) ومن المؤمنين، ليحصلوا من ذلك على بعض مكاسب الإيمان وامتيازاته... {ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} جاؤوا إلى النبي يقولون: {إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} إننا لم نرد من خلال ما فعلناه السوء والشر لمن حولنا أو للإسلام، بل أردنا الإحسان والتوفيق؛ فتلك هي نوايانا الحقيقية، وتلك هي مقاصدنا في كل التحركات التي قمنا بها. وربما خيّل إليهم أن الحيلة قد تنطلي على المجتمع المسلم الذي يتمتع أفراده بطيبة الإيمان وطهارته، فيحملهم على الخير إذا كان محتملاً للخير والشر، {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} ولكن الله يعلم ما في قلوبهم ويكشفه لنبيّه وللمسلمين، ليعرفوا كيف يتعاملون مع هذه النماذج بطريقة واقعية، وكيف يردّون كيدهم في نحورهم دون أن يثيروا أية سلبيات على مستوى العلاقات العامة{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ}؛ وهكذا أراد الله لنبيه أن يعرض عنهم ولا يبالي بهم، فهم لا يستطيعون أن يضروا الإسلام والمسلمين شيئاً {وَعِظْهُمْ}، ولكنه أراد له ـ في الوقت ذاته ـ أن يعظهم ويبيّن لهم حقائق الأمور، ويكشف لهم باطن أمرهم {وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً}، فربما كان هذا الأسلوب باعثاً لهم على التراجع والإقبال على حقائق الإيمان في أفكاره ومواقفه، وتلك هي الطريقة الإسلامية في التعامل مع المنافقين والمنحرفين، فلا مجال للتهاون والإهمال، ولكن مع استمرار الرسالة في مخاطبة الجانب الطيب في الإنسان، فربما استطاعت أن توقظه من غفوته، أو ترفع عنه الركام الهائل من الأوضاع القلقة، التي حجبت عنه الرؤية الصحيحة للحقيقة.
* * *
طاعة النبي من طاعة الله تعالى
ثم يتابع القرآن تأكيد الفكرة في الدور الذي أراده الله للرسول، فلم يرسل الله رسله ليكونوا مجرّد شخصيات مقدسة، يقدّم لهم الناس فروض الاحترام والتقديس والتعظيم في مظاهر عبادية واحتفالية، دون أن يكون لهم أي أثر عملي في حياة الناس، كما يفعل الكثيرون من العوام في علاقتهم بالأنبياء والأولياء، عند زيارتهم لهم في قبورهم ومشاهدهم، فليس هناك إلا تقديم مراسيم الخضوع والنذور والقرابين، من أجل العلاقة الذاتية التي تتوسّل إلى رغباتها بالوسائل التي يحاول الناس بها الوصول إلى أغراضهم من بعضهم البعض، ثم لا شيء بعد ذلك مما يتصل بالخط الذي يتبناه هذا النبي أو الإمام أو الوليّ؛ فذلك أمر لا علاقة له بالدور الذي يتمثله الناس في الحضور العاطفي لهذه الشخصيات في حياتهم.
وهذا ليس هو الدور الذي جعله الله للأنبياء في علاقة الناس بهم، بل هو دور الاتباع والطاعة لهم {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ} فإن الله لم يرسل أي رسول {إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} لتكون طاعته ـ في ما يأمر به أو ينهى عنه ـ طاعةً لله، فنحن نطيعه لأن الله أذن لنا في ذلك، لا من خلال صلة شخصية أو عاطفية. وهذا خط إسلامي يرسمه الله لنا في حركة الطاعة للأشخاص في حياتنا؛ فإن الله لم يجعل لنا حرية الطاعة لأيٍّ كان، لئلا تختلط علينا الأمور في مسيرتنا العملية، تبعاً لاختلاط أشكال الطاعة وأوضاعها في علاقاتنا العامة والخاصة، بل لا بد لنا من أن ندرس حالة أيِّ شخص يطلب منا أن نطيعه، فإن كان يؤدي عن الله بحجة شرعية ثابتة، فلنا أن نطيعه من خلال أن الله أراد لنا ذلك؛ وإن لم يكن ممن يؤدي عن الله في ما يؤدّيه من شؤون الفكر والحياة، أو لم نستوثق من ذلك من خلال ما يثبت لنا من وسائل الثقة، فإن علينا أن نتوقف أو نتحفّظ لئلا نقع في أحابيل الشيطان، من حيث نريد أو لا نريد.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} ثم يثير القرآن أمام موقف هؤلاء المنافقين المنحرفين الذين يحاولون أن يبرّروا أعمالهم بالباطل، إمكانية أن يتراجعوا ويصحّحوا مسارهم الطبيعي، من دون حاجة إلى اللف والدوران؛ {جَآءُوكَ} وذلك بأن يقفوا أمام الرسول(ص) بعد أن ظلموا أنفسهم بمعصيتهم لله، وتمرّدهم على الرسول، {فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} ليستغفروا الله ويتوبوا إليه مما عملوه حتى يستغفر لهم الرسول، ليؤكّد قبوله لهم ومسامحتهم في حقه، فيدعو الله لهم بالمغفرة، كما يدعونه ليغفر لهم، {لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} وسيجدون الله عند حسن ظنهم فيتوب عليهم إذا عرف منهم صدق التوبة، ويرحمهم بمغفرته وعفوه ورضوانه، وبذلك يمكنهم أن يتخففوا من ثقل الذنوب التي أرهقت نفوسهم وظهورهم، وينطلقوا إلى الحياة خفافاً من كل وزر، أطهاراً من كل رجس.
* * *
ميزان الإيمان الحق: الانصياع المطلق لحكم الله ورسوله
ويعود القرآن ـ من جديد ـ ليحدّد للمؤمنين الحدّ الفاصل بين الإيمان وعدمه، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} بكلمة الإيمان التي يقولونها، أو بمظاهره وشعائره التي يحملونها، بل لا بد من الموقف الصعب الحاسم الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح {حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}؛ فإذا اختلفوا في أية قضية من قضايا الحياة، وتعدّدت الاراء التي يدلي بها هذا الفريق أو ذاك، فإن علامة إيمانهم أن يجعلوك الحاكم في ما يأخذون أو يدعون، وذلك من خلال صفتك الرساليّة، ليكون رجوعهم إليك وتحكيمهم لك رجوعاً إلى الرسالة وتحكيماً لها في جميع أمورهم التي يختلفون فيها. فإن معنى ذلك أنهم لا يجدون لأنفسهم الحق في الاستقلال في رأي ما، بعيداً عن الرسول والرسالة، ولا يتطلعون في جميع قضاياهم الحياتية إلى أي شخص آخر، أو أي فكر آخر، وذلك هو معنى الإيمان الذي يلتزم بالقاعدة ولا يلتزم بأية قاعدة غيرها. فإذا حكمت بينهم بأمرٍ، مما يلتقي برغباتهم الذاتية أو مما لا يلتقي بها، فإنهم سيرتفعون ـ عند ذلك ـ عن الخضوع لمشاعرهم الخاصة، فلا يقومون بأيّ عمل سلبي ضد هذا الحكم، ولا يتعقّدون في داخلهم من أجله، بل يتقبلونه برحابة صدر ورضا نفس، ويستسلمون لحكم الله في دعةٍ واطمئنان، لأنه يملك منهم ما لا يملكونه من أنفسهم. وهذا هو معنى قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}.
* * *
من علامات إيمان المؤمن
وقد نستوحي من هذه الآية، أن من علامات إيمان المؤمن أن يقف أمام المراحل الصعبة التي يقطعها في مجالات الجهاد والدعوة إلى الإسلام، ليحدّد موقفه من خلال حاجة المرحلة؛ فقد تفرض عليه أن يكبت انفعالاته ويجمّد حماسه عندما تقتضي مصلحة الإسلام ذلك؛ وقد تفرض عليه أن يتقدّم في بعض المواقف ويقف في بعضها الآخر، فلا يخضع لهوى نفسه ولرغبة مزاجه، بل يجعل الإسلام نصب عينيه من خلال ما يفرضه عليه حكم الله ليسير على هدى ذلك، باعتبار أنه الحكم العدل الذي لا ينحرف ولا يزيغ.
* * *
الآية وعصمة النبي(ص)
وقد نستوحي من ذلك التأكيد على عصمة النبي محمد(ص) من خلال التسليم الكلي لحكمه، سواء أكان الحكم متصلاً بالخط التشريعي الذي يشرعه الله في أحكام الناس في قضاياهم العامة، أم كان متصلاً بالجانب القضائي في منازعات الناس في أمورهم الخاصة أمامه، أم كان متحركاً في تفاصيل الواقع كله، لأنه يمثل الحقيقة التي لا مجال فيها لأيّ ريب أو لأية شبهةٍ مما قد يدور في خاطر الأوهام من احتمالات الخطأ، لا سيّما أن الله ربط ذلك بالإيمان بحيث يفقد المرء إيمانه إذا ابتعد عن هذا الخط المستقيم، فلو كان النبي معرّضاً للخطأ في أيّ شيء من ذلك أو واقعاً تحت تأثير احتمالات الخطيئة، لكان للناس الحق أن يراجعوا أحكامه في حسابات النقد التحليلي الذي يمكن أن يثير السؤال أو يبحث عن الوضوح في أجواء الغموض.
إذا كان النبي(ص) يمثل الحقيقة البيضاء الناصعة، فلا مجال لأيِّ اجتهاد خاص أو عام في مقابل أي حديث صادر عن النبي(ص)، وليس هناك أية فرصة للاراء الشخصية المتنوعة من أية جهةٍ أو من أيّ شخص.
ومن الطبيعي أن ذلك مختص بما صدر عن النبي محمد(ص) بطريق اليقين أو الاطمئنان المستقر، أمّا إذا لم يكن موثّقاً بطريقةٍ حاسمة، فبإمكان الباحثين من العلماء الذين يملكون سعة الاطلاع واجتهاد البحث أن يناقشوا ويدققوا في مضمون هذا الحديث أو ذاك في مقارنةٍ دقيقة مع القرآن، أو يلاحقوا علامات الاستفهام في سنده، لأن القضية هي قضية الإسلام الذي لا بد أن تكون العقيدة والمفهوم والشريعة فيه منطلقةً من المصادر الموثوقة الخاضعة لموازين النقد العلمي الواسع العميق.
* * *
القرآن يخاطب المواقف الحقيقية للمنافقين
{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} وماذا بعد ذلك؟ إن القرآن يخاطب مواقفهم الحقيقية، ليحرّك أعماقهم بما تختزنه من رواسب التمرّد ومشاعر الانحراف، فلو كانوا مؤمنين كما يزعمون، لانطلقوا مع خط الإيمان في مواقعه المطلقة التي تعبر عن الاستسلام لله في كل شيء، ولكنهم ليسوا كذلك، فلو أن الله دعاهم إلى أن يقتلوا أنفسهم في ساحات الجهاد أو بطريقةٍ ذاتية، أو طلب منهم أن يخرجوا من ديارهم لأي هدف كان، لما أطاعوه في ذلك، إلا قليل منهم ممن انفتحت آفاقهم على الله فرجعوا إليه. وهذا دليل عدم الإيمان، لأن الإسلام يعني التسليم الذي تمثل في موقف إبراهيم وولده إسماعيل، كما حدثنا الله عنه {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْي قَالَ يبُنَىَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يإِبْرَهِيمُ *قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ} [الصافات:102 ـ 106].
{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ} من الخير والعمل الصالح، {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} لنفوسهم وقلوبهم بالإيمان، لأن الإيمان يثبت بالموقف الصلب والعمل الصالح، ولحصلوا من الله على الأجر العظيم، ولهداهم إلى الصراط المستقيم، لأن الله يهدي الإنسان الذي يطلب الهدى ويتحرك في سبيله {وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِراطاً مُّسْتَقِيماً}.
* * *
جزاء المطيعين
وفي ختام هذا الفصل، تحدثنا الآية الأخيرة عن الجو الذي أعدّه الله في الآخرة للطائعين الذين يطيعون الله ورسوله، وعن الدرجة الرفيعة التي يضعهم الله فيها {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ} الذين أخلصوا لله الإيمان والعمل، {وَالشُّهَدَآءِ} الذين أرادهم الله أن يكونوا شهداء الأعمال يوم القيامة، {وَالصَّالِحِينَ} الذين ساروا في خط الصلاح والفلاح... {وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً}، وأي رفقةٍ أعظم من هذه الرفقة الروحية في الجنة، حيث الكرامة الإلهية في رضوان الله ومغفرته {ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً} بعباده العاملين المخلصين.
ـــــــــــــ
(1) أسباب النزول، ص:89.
(2) (م.ن)، ص:91.
(3) البحار، م:8، ج:22، باب:37، ص:87، رواية:41.
(4) مجمع البيان، ج:3، ص:102.
تفسير القرآن