من الاية 71الى الآية 73
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُواْ جَمِيعاً * وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا ليتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً}(71ـ73).
معاني المفردات
{حِذْرَكُمْ}: حَذَرَكُم وتحرَّزكم على خِيفةٍ من أعدائكم المتربّصين بكم. وقيل: ما يحذر به، وهو آلة الحذر كالسلاح، فعلى المعنى الأول مصدر، وعلى الثاني اسم، وسمى الأسلحة حذراً لأنها التي بها يُتقى الحذر.
{فَانفِرُواْ}: اخرجوا للجهاد والقتال بسرعة وأهبة. والنفر: جماعة تفزع إلى مثلها. والمنافرة: المحاكمة للفزع إليها في ما تختلف فيه، وقيل: إنما سميت بذلك لأنهم يسألون الحاكم عند التنافر: أيّنا أعزّ نفراً.
{ثُبَاتٍ}: مجموعة متفرقات، فرقة بعد فرقة، والثبة: المجموعة. وهذا مقابل النفر بصورةٍ مجتمعة (الجيش كله). ويكون ذلك بحسب طبيعة المعركة وأساليب الحرب والقتال.
{لَّيُبَطِّئَنَّ}: ليتثاقلنّ ويتأخرن عن الخروج إلى الجهاد والمعركة من دون عذر. والتوكيدات المتعددة تدل على مدى اجتهاد هؤلاء في التخلف والتبطئة. والتبطئة: التأخر عن الأمر. يقال: ما بطّأ بك عنّا، أي ما أخّرك عنا، ومثله الإبطاء؛ وهو إطالة مدة العمل لقلة الانبعاث، وضدّه الإسراع، وهو قصر مدة العمل للتدبير فيه.
{شَهِيداً }: شاهداً وحاضراً في القتال وميدان المعركة.
* * *
مناسبة النزول
قال الطبرسي في مجمع البيان: قيل: إنها نزلت في المؤمنين لأنه خاطبهم بقوله: {وَإِنَّ مِنْكُمْ}، وقد فرّق بين المؤمنين والمنافقين بقوله: {مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ}[المجادلة:14] وقال أكثر المفسرين: نزلت في المنافقين وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب لا من جهة الإيمان، وهو اختيار الجبائي[1].
* * *
القران يدعو للثبات أمام أساليب الانهزام
وهذه الآيات انطلاقة جديدة للدعوة إلى إطاعة الله والرسول، في خط الجهاد الذي فرضه على الأمة، لتكون قادرةً على مواجهة التحديات من مواقع القوة، لأن أية أمة تريد الوقوف على قدميها، لا بد لها من قاعدة فكرية تواجه بها الفكر المنحرف الضال، ومن قاعدةٍ للقوّة تواجه بها الفئات المنحرفة الضالة، لتستمر في رسالتها على مدى الزمن. ولهذا جاء النداء للمؤمنين ليأخذوا حذرهم من كل التحديات المحتملة المحيطة بهم، {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} فهناك أكثر من عدو يتربّص بهم، سواء كان من أهل الكتاب أو المشركين، وهناك أكثر من جهة تعبث بأمنهم، سواء في ذلك المنافقون وغيرهم. فلا بد لهم من مواجهة ذلك كله بالاستعداد، {فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُواْ جَمِيعاً} فإذا جاء وقت النفر إلى الجهاد، فعليهم أن ينفروا متفرّقين أو مجتمعين، حسب الخطة الموضوعة للنفر في نطاق المصلحة العليا للإسلام والمسلمين؛ فقد تكون المصلحة أن يخرجوا فرقة فرقة، وهو ما يسمى بنظام السرايا، وقد تكون المصلحة أن يخرجوا جميعاً وهو ما يسمى بنظام العسكر.
* * *
لا بد من الحذر على كل المستويات
وإذا دققنا في كلمة {خُذُواْ حِذْرَكُمْ} فإننا ننفتح من خلالها على كل ساحات الصراع التي يمكن أن يتواجد فيها أعداء الإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان، ليستغلوا كل الثغرات الموجودة في المجتمع المسلم لينفذوا من خلالها إليه، للإضرار به ليبعثوا بأمنه أو ليحشدوا القوة العاتية، ليهجموا بها على الواقع الإسلامي كله، لأن المعركة في حركة التحديات المضادة مستمرة في صراع الحق والباطل والخير والشرّ. وإذا أردنا استنطاق كلمة {حِذْرَكُمْ} فإنها تعني مواجهة كل الأوضاع والمشاكل والتيارات المختلفة والظروف المتنوعة، بالكثير من الدراسة والتخطيط للتعرف على مخططات العدو في مواقع قوته وقدرته وأساليبه واستراتيجيته، ومداه البشري والعسكري، ولتجميع كل نقاط القوة المتناثرة في الساحة الإسلامية، ولتوزيع الطاقات على مواقع المعركة بكل دقةٍ وإتقان، لأن قضية المواجهة لا تسير على نهج واحد وعلى أسلوب واحد، بل تتنوع تبعاً لتنوع قدرات العدو وأوضاعه.
ولا بد من التنبيه على أن كلمة «الحذر»، تختلف عن كلمة «الخوف» فإن الخوف يشلّ القدرة ويدفع إلى الهزيمة، أما الحذر، فإنه يوحي بالدراسة الدقيقة الموضوعية للواقع للتعرف على أفضل الوسائل للمواجهة بطريقةٍ حكيمة واعية ومدروسة.
* * *
المقابلة بين المؤمنين والمنافقين
ويتحدث القرآن عن بعض الفئات التي تعيش الضعف في الموقف، بين فئةٍ تعاني من ضعف الإيمان والإرادة، وبين فئة تعيش النفاق في داخلها، في الوقت الذي تعيش في مجتمع المؤمنين كأية فئة منهم.{وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} وخلاصة موقفهم أنهم لا ينفرون مع النافرين، بل يتباطأون متعلّلين ببعض الأعذار التي تبرر لهم ذلك، حتى يخرج الجميع وتفوتهم الفرصة التي أرادوا أن تفوتهم، {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} فإذا رجع المؤمنون من الجهاد وكانوا في موقع الهزيمة أو الفشل أو القتل ـ في ما عبّر عنه القرآن بالمصيبة ـ قال هؤلاء الناس، كما لو كانوا يتحدثون عن نعمة من نعم الله عليهم: {قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ} لأننا لم نشهد المعركة، {إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} فلم نصب بما أصيبوا به من قتل أو جرح أو نحو ذلك، من دون أن يلتفتوا إلى الآفاق الروحية التي يعيش فيها المؤمنون الصادقون المجاهدون، الذين يعتبرون القتل والجهد والجرح في سبيل الله ربحاً وسعادةً، ينالون من خلالها رضا الله في الدنيا والآخرة، وذلك جزاء المحسنين. فليست قصة الحياة لدى المؤمنين، قصة استمتاع ولذة وامتياز، ولكنها قصة مسؤولية ومعاناة وجهاد؛ فقد اشترى الله منهم أنفسهم أن يبذلوها في سبيله، في أي موقع من مواقع العمل والجهاد المرّ.
{وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يلَيتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} أما إذا رجع المسلمون بالنصر وبالغنائم التي غنموها من العدو، فلم يصابوا بأيّ بلاء مما يصيب المقاتلين، فإن الموقف يتبدل لدى هؤلاء، ويتمثل بإطلاق التمنيات الذاتية التي لا تنطلق من رغبة روحية في المعاناة مع إخوانهم المؤمنين في ما عانوه من جهد في سبيل الله، ليكون لهم فضل المشاركة في الجهاد والمؤاساة لإخوانهم، فهم لا يعيشون المودّة للمؤمنين المجاهدين ولا يشعرون بالعلاقة الإيمانية التي تربطهم بهم، لتكون قضاياهم المصيرية مشتركة في الموقف والشعور؛ بل تنطلق كل تمنياتهم من النظر إلى الأرباح التي حصل عليها المجاهدون، تماماً كأي إنسان بعيد عن المؤمنين عندما يتمنى لنفسه الفضل المادي الذي حصلوا عليه؛ فيقولون وهم يعبّرون عن الحسرة الداخلية لفوات الفرصة عليهم: يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً.
ـــــــــــــــ
(1) مجمع البيان، ج:3، ص:114.
تفسير القرآن