تفسير القرآن
النساء / من الآية 74 إلى الآية 76

 من الاية 74 الى الآية 76

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بالآخرةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً*وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً*الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}(74ـ76).

* * *

معاني المفردات

{يَشْرُونَ}: يبيعون. يقال: شريت، بمعنى بعت، واشتريت، بمعنى ابتعت.

{وَالْمُسْتَضْعَفِينَ}: وهم الذين استضعفهم الحاكم المستكبر لأنهم لا يملكون مقومات القوة الذاتية، فيعيشون معذبين مقهورين، مما يفرض على الذين يملكون القوة والفرصة لإنقاذهم أن يتحركوا في هذا الاتجاه ليخلصوهم من ضغط المستكبرين.

* * *

إطلاق الدعوة الى الجهاد

{فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخرةِ} وتنطلق الدعوة إلى الجهاد، في نداءٍ حاسم يدفع المؤمنين إلى القتال في سبيل الله، من خلال الأجر العظيم الذي ينتظرهم عند الله، لأن الإيمان الحق يمثل ـ في عمق معناه ـ أن المؤمن يبيع نفسه لله ولا يرى الدنيا لنفسه ثمناً، بل يشتريها بالآخرة، فتكون هي الهدف الذي يستهدفه من كل أعماله ومواقفه، وهي المقياس للسعادة والشقاء في الجانب الإيجابي والسلبي منها. ولهذا جاءت الآية لتثير هذه الحقيقة الإيمانية في ذواتهم، ليشعروا بأن القتال في سبيل الله يمثل الوجه الحقيقي لحركة الآخرة في وعي الإنسان وموقفه؛ {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} فإنّ الله قد أعدّ للمجاهدين الذين يقتلون في المعركة أو الذين ينتصرون على عدوّهم الأجر العظيم. ولم يتعرض القرآن لحالة الهزيمة، للإيحاء بأن ذلك ليس وارداً في أجواء المؤمنين الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ويقاتلون في سبيل الله، لأن طبيعة الهدف تمنعهم من ذلك في أية حالة من الحالات.

* * *

الأهداف الواقعية للجهاد

وتتابع الآيات حديثها عن الأهداف الواقعية للجهاد بطريقة الإثارة، فتتوجه إلى المؤمنين بأسلوب يوحي بأن الأوضاع القلقة التي يعيشها المستضعفون تجعلهم لا يجدون لديهم ولياً ولا نصيراً إلا الله، وذلك من خلال حالة الاستضعاف التي يعيشونها أمام حالة الاستكبار في كل ما يملكه الأعداء من قوىً مادية ومعنوية لا بدّ أن تفرض حلاً حاسماً لتغيير هذا الواقع من خلال الموقف، فكيف يواجه المؤمنون الذين يحملون لواء الدعوة إلى الله، لتتساقط كل الأصنام الحجرية والبشرية على الأرض ولتتحطم كل القوى الظالمة الباغية أمام قوة الحق والعدل؟ كيف يواجهون الموقف، وهم يشاهدون كل هذه المآسي التي تتمثل في المظالم التي يقوم بها المستكبرون ضد المستضعفين، من جلدهم بالسياط وقتلهم وسجنهم وإخراجهم من ديارهم، لا لذنب جنوه، بل لأنهم رفضوا عبادة الأصنام وقالوا ربنا الله بكل صدق وصراحة وإيمان، ووقفوا في حالة اشتداد القهر والألم والظلم أمام الله، ليستغيثوا به ويبتهلوا إليه أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها، وأن يجعل لهم من لدنه ولياً ونصيراً. إن الله يأمرهم بالقتال من أجل تحقيق الأهداف التي انطلق الإسلام ـ وكل رسالات الله ـ من أجلها، وهي إقامة العدل في كل أرض، ورفع الظلم عن كل إنسان، وتوفير الأمن والطمأنينة للحياة على أساس حكم الله وكلمته. وتلك هي أهداف القتال في الإسلام، فإنه لم يدع إلى القتال للسيطرة الاستعلائية التي تريد أن تحكم لتحقق للحاكم شهواته في العلو والاستكبار، أو لتفسح المجال للإفساد من خلال القوة الغاشمة التي يهيئها القتال للحكّام، بل دعا إليه من أجل أن يحقق للحياة رسالتها، وللإنسان إنسانيته، ولهذا جاءت الآية لتثير في داخل المؤمنين إيمانهم وعاطفتهم ومسؤوليتهم عن الناس والحياة.

* * *

معنى القتال في سبيل الله

{وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الذي حدّد لكم أهدافكم في رسالته التي تدعوكم إلى إقامة حكم الله في الأرض وتشييد الحق والعدل وهدم الباطل والظلم، فينبغي لكم أن تنطلقوا بكل الوسائل التي تحقق للإسلام حريته في الدعوة إلى الله في كل مناحي الأرض، {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ} الذين يتعرضون لأبشع أنواع الظلم والقهر والاستبداد {الَّذِينَ يَقُولُونَ} تحت وطأة الوضع الذي لا يطاق، في ابتهالٍ خاشع مستغيث: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ} مكة {الظَّالِمِ أَهْلُهَا} لكل الناس الذين لا يخضعون لهم من الضعفاء الذين لا يملكون مقومات القوة الذاتية، فيلجأون إلى الله ليجعل لهم السبيل إلى القوة حيث لا قوة، وإلى النصرة حيث لا نصرة. {وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} وأيّ دور أعظم من هذا الدور الذي جعله الله للمؤمنين، وأي تكريم أفضل من هذا التكريم الذي منحهم إياه، في ما أراده منهم من القيام بشؤون الولاية والنصرة للمستضعفين، باعتبارهم القوة المؤمنة العادلة التي تعمل لتنفيذ إرادة الله في الأرض، وفقاً لسننه في مسيرة الحياة التي جرت على أن النصر الذي يمنحه الله لعباده لا بد أن يتم بالأسباب الطبيعية التي وضعها بين أيديهم.

وهكذا نفهم، من خلال هذه الآية، رفض الفكرة التي يوجهها أعداء الإسلام للإسلام بأنه دين العنف والقتال، فإن العنف لم يكن إلا لتدمير العنف الظالم الذي يتمثل في القوى الغاشمة التي تضغط على إرادة المستضعفين، أمّا ما عدا ذلك، فإن الإسلام دين الرحمة والمحبة الذي يحتوي الحياة كلها بكل وداعة وتسامحٍ واطمئنان.

* * *

الخط الفاصل بين قتال المؤمنين وقتال الكافرين

ويختم الله هذا النداء بتقرير الحقيقة الإيمانية، في الخط الفاصل بين قتال المؤمنين وقتال الكافرين؛ فإن المؤمنين يقاتلون في سبيل الله، فليس لهم أيّ هدف يتصل بالحالة الشخصية للمقاتل، أو بالنوازع الذاتية التي تربطه بعلاقاته وشهواته وأطماعه، أو بالأشخاص الذين يمثلون خط الطاغوت في الفكر والعمل والموقف، بل كل ما هناك، أنه يقاتل في سبيل الله الذي هو الوجه المشرق لسلامة الحياة والإنسان. أما الكفار، فإنهم يقاتلون في سبيل الطاغوت، بما يمثّله من الفكر الباطل والحكم الطاغي والشريعة المنحرفة والأهواء الضالة والفريق الظالم والفئة الشريرة الكافرة، وهذا ما يوحي للمؤمنين دائماً بتحديد الساحة التي يقاتلون فيها، من خلال تحديد القيادة التي تقود الساحة، والحكم الذي يحكمها، والأفكار التي تسيطر عليها، والأهداف التي تستهدفها، والجبهة التي تعمل معها، أو تحاربها...

فذلك هو الذي يحقق له مصداقية شخصيته الإيمانية من جهة، ويمنح موقفه الشرعية الإسلامية؛ فلا يمكن للمؤمنين أن يقاتلوا أولياء الله، مهما كانت الظروف والنتائج، لأن ذلك يعني الحرب على الله بشكل غير مباشر. وقد نحتاج إلى التدقيق في تطبيق هذا الخط على مسيرتنا الإسلامية، في مثل هذه العصور التي فقد فيها المسلمون الحكم الذي ينطلق من مواقع الشرعية الإسلامية، واختلفت ـ في الوقت ذاته ـ الأوضاع التي تتحرك في أكثر من صيغةٍ سياسية في حياتنا، مما يمكن ـ معه ـ أن يلتبس على الإنسان الحق والباطل، ويشتبه عليه المخلصون من المنافقين.

{الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} لأنهم الذين يمثلون الطاغوت في كل جوانب حياتهم الفكرية والعملية؛ ولا تخافوا من كيدهم وشرّهم وطغيانهم، لأنهم يستمدّون قوتهم من الشيطان الذي يملك قوة محدودة تتحرك من خلال الوسائل المادية التي يقدمها لأتباعه، ولكنها سرعان ما تتهاوى أمام الموقف الصلب الذي يقفه المؤمنون، انطلاقاً من قوة الله المطلقة التي لا تقف عند حد {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}.