الآية 85
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيـــة
{مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيء مُّقِيتاً}(85).
* * *
معاني المفردات
{يَشْفَعْ}: يساعد ويعاون ويحرِّض. وأصل الشفاعة من الشفع الذي هو ضد الوتر، فإن الرجل إذا شفع بصاحبه فقد شفعه، أي صار ثانيه، ومنه الشفيع في الملك، لأنه يضم ملك غيره إلى ملك نفسه.
{كِفْلٌ}: نصيب من الشرّ، وكأنه متكفل بوزره، «والكفل ـ في اللغة ـ النصيب، وأخذ من قولهم: اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساءً وركبت عليه، وإنما يقال ذلك لأنه لم يستعمل الظهر كله وإنما استُعمل نصيب من الظهر، وقال الأزهري: الكِفل الذي لا يحسن ركوب الفرس وأصله الكَفَل وهو ردف العجز، ومنه الكفالة بالنفس والمال، والكفل المثل»[1]، وقيل: إن الكفل والنصيب بمعنى واحد ولكن كلمة النصيب تستخدم حين يكون الحديث عن حصة من الربح والفائدة والخير، أما الثانية فتستخدم إذا كان الكلام عن الخسارة والضرر والشرّ.
{مُّقِيتاً}: مقتدراً، يعطي القدرة ويمنح الرزق، وقد قيل: إن المقيت بمعنى معطي القوت. وهذا الإعطاء يستدعي المقدرة، فاستعير اللفظ لذلك.
* * *
أجر المحسنين وجزاء المسيئين
إن الله ـ سبحانه ـ قد جعل للعاملين أجراً في عملهم الصالح، وعقاباً على عملهم السّيء، كما أعدّ لمن يسعى في سبيل ذلك حصته من العمل؛ فمن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، والشفاعة مأخوذة من الشفع، وهو أن يصير الإنسان شفعاً لصاحبه أي ناصراً له، لأنه كان أحد الأسباب في حصول هذا الشيء، وذلك لما سعى فيه من تشجيع العامل للخير على عمل الخير؛ ومن يشفع شفاعة سيئة، بأن يساعد الذين يعملون السيئات بتشجيعهم على ذلك، يكن له كفل منها، والكفل النصيب والحظ، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتاً } أي مقتدراً.
وفي هذا الجو الذي توحيه الآية، يقف المؤمنون ليعملوا على الإرشاد والتشجيع والدعوة إلى الخير، بنفس الروح التي يتحركون ــ من خلالها ــ لعمل الخير نفسه، لأن الإنسان الذي يؤمن بالخير يحاول أن يملأ الحياة به من خلال عمله، ولأن الثواب الذي يستهدفه من عمله، يمكن أن يحصل على بعض منه، من خلال التشجيع عليه؛ وهكذا ينطلق في الاتجاه المعاكس، لنبذ الشر من نفسه ومحاربته في عمل الآخرين بإبعادهم عنه ما أمكنه ذلك؛ وهكذا تتحول الفكرة الخيّرة أو الشريرة، في وعي الإنسان المؤمن إلى موقف إيجابي أو سلبي يتمثل في خطين: خط الدعوة، وخط العمل، ليتحول المسلم إلى عامل في خط الدعوة وداعيةٍ في خط العمل.
ــــــــــــ
(1) مجمع البيان، ج:3، ص:129
تفسير القرآن