تفسير القرآن
النساء / من الآية 88 إلى الآية 91

 من الآية 88 الى الآية 91
 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً* وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً* إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً* سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً}(88ـ91).

معاني المفردات

{فِئَتَيْنِ}: طائفتين مختلفتين، الأولى: ترى قتالهم لأنهم كافرون، والأخرى تحرّض على ترك قتالهم لأنهم مسلمون.

{أَرْكَسَهُمْ}: ردّهم إلى الضلال بعد خروجهم منه، جزاءً بما كسبوا من نفاقهم وتآمرهم. والإركاس الردّ، والرَّكْس: قلب الشيء على رأسه وردّ أوّله إلى آخره.

{حَصِرَتْ}: ضاقت وصارت محُرَجة.

{سَبِيلاً}: طريقاً وحجّةً للتعدي على نفوسهم وأموالهم.

* * *

مناسبة النزول

جاء في أسباب النزول ـ للواحدي ـ أن قوماً خرجوا مع رسول الله(ص) إلى أحد، فرجعوا، فاختلف فيهم المسلمون، فقالت فرقة: نقتلهم، وقالت فرقة: لا نقتلهم؛ فنزلت هذه الآية.وفي رواية أخرى: إن قوماً من العرب أتوا رسول الله(ص) فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحمَّاها فأركسوا، فخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله(ص) فقالوا: ما لكم رجعتم؟ فقالوا: أصابنا وباء المدينة فاجتويناها، فقالوا: ما لكم في رسول الله أسوة؟ فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا هم مسلمون؛ فأنزل الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ} الآية. وقال مجاهد في هذه الآية: هم قوم خرجوا من مكة حتى جاؤوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدّوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، فبيَّن الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية، وأمر بقتلهم في قوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} فجاؤوا ببضائعهم يريدون هلال بن عويمر الأسلمي، وبينه وبين النبي(ص) حلف وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين، فرفع عنهم القتل بقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ}[1].

ونلاحظ على هذه الروايات أن النبي(ص) لم يكن من طريقته قتل المنافقين، مما يوحي بأن الآية تتحدث عن مرتدين كما تدل عليه الرواية الأخيرة، كما أن ظاهر الآية أنهم أظهروا الكفر فأصبح حكمهم حكم الكافرين، مع ملاحظة أخرى، وهي اختلاف الروايات الذي يوحي باختلاف الأشخاص والمواقع، مما يضعف اعتماد إحداها كتفسير لنزول الآية لتكون بمثابة اجتهاد استيحائي من قبل المفسرين الرواة.

* * *

القران يحدد ملامح المنافقين

كان المسلمون يختلفون في بعض المواقف التي لم ينزل الله فيها آية ولم يعط النبي رأيه بها، وكان الوحي ينزل بعد ذلك ليعطي المسألة حقها من الوضوح، وليوجّه المسلمين إلى النهج الذي يجب أن ينهجوه في فهمهم للأشياء ومواجهتهم للجوانب القلقة فيها. وقد كان من بين هذه الأمور، الموقف من المنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام في مكة في بداية عهد الدعوة، ولكنهم يبطنون الكفر؛ ولم يهاجروا مع المسلمين عندما هاجروا مع النبي(ص)، في الوقت الذي كانت الهجرة فريضةً لازمةً عليهم؛ فقد اختلف المسلمون في أمرهم بين فئتين: فئة ترى أن يعاملوا معاملة المشركين في قتالهم ونهب أموالهم، لأنهم كافرون مثلهم، فليس لهم ميزة إيمانية تخرجهم عن حكم الكفار؛ وفئة ترى أن يعاملوا معاملة المسلمين، كما هو الحال في المنافقين الذين هاجروا، أو الذين أسلموا في المدينة وعاشوا مع خط النفاق، فلا يجوز قتلهم واستباحة أموالهم. ولم يُدل النبي برأي في هذا الخلاف، وترك إعطاء الرأي فيه بانتظار الوحي، وجاءت هذه الآيات لتحسم الخلاف وتحدد ملامح الموضوع بوضوح، من خلال ما وجهته للمؤمنين من الخطاب، {فَمَا لَكُمْ} أي شيء لكم أيها المؤمنون، لتختلفوا {فِي} أمر {الْمُنَافِقِينَ} وتنقسموا {فِئَتَيْنِ} انطلاقاً من المشاعر والأفكار الذاتية التي لا ترتكز على دراسة الموضوع من جميع جوانبه، ممّا يبعدكم عن الرؤية الواضحة ويدخلكم في أبواب النزاع والخلاف {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ}، والإركاس الانتكاس، وهو تحوّل الشيء من حال إلى حال أردأ منه، وقد يكون المراد من هذه الحالة، إلحاقهم بحكم الكافرين بعد أن كانوا بحكم المسلمين في التعامل معهم، وذلك لما يترتّب على وجودهم من الضرر بالمستوى الذي قد يزيد على ضرر الكفار على المسلمين، لنفاقهم وتمردهم على الأمر بالهجرة {بِمَا كَسَبُواْ}، فإن الله لا يؤاخذ الناس في الدنيا والآخرة، إلا بسبب انحرافهم وتمرّدهم وممارستهم للأعمال الشريرة، فينبغي للمؤمنين أن ينطلقوا في إعطاء الرأي من هذا الموقع الذي يمثل القاعدة الإسلامية للحكم على الأشخاص، في ما أعطاه الله من الميزان الذي يزِن الأشخاص بمستوى العمل، ويحاسبهم على هذا الأساس.

* * *

القرآن يحسم الموقف من المنافقين

ثم ينطلق القرآن في معالجة بعض الأفكار التي كانت تطوف في أذهان المسلمين الذين كانوا يرون ضرورة مجاملة المنافقين والتعامل معهم معاملة المسلمين، فقد كان يخيل إليهم إمكانية الدخول في تجربة هداية هؤلاء، بالأسلوب الطيب والمعاملة الحسنة، فربما كان ذلك سبباً في انفتاحهم على الإسلام وابتعادهم عن الكفر والضلال، لأن الأجواء الطيبة قد تثير الأفكار والمشاعر الطيبة في حياة الإنسان الذي قد يتأثر ـ إيجاباً أو سلباً ـ بالكلمة واللفتة واللمسة وغير ذلك مما يلامس مشاعره بخير، أو يتحداها بشر، ولكن الله يعرّفهم أن ذلك مما لا سبيل إليه، لأن هؤلاء قد عاشوا مثل هذه الأجواء الخيرة المتسامحة الحميمة بأروع ما يمكن أن يعيشه إنسان، وذلك بما كانوا يعيشونه من خلق النبي العظيم ورعايته لمن حوله، وإعراضه عن كثير من الهفوات التي كانت تصدر منهم؛ مما حدّثه الله عنه من سلوكهم وتسامحه معهم، رغم معرفته من إضمارهم الكفر وإظهارهم الإسلام نفاقاً، فلم يخاطبهم بذلك، ولم يعرض لهم بسوءٍ بشكل مباشر من قبله، أو بشكل غير مباشر من قِبَل أصحابه، ثم أراد منهم الهجرة كما أرادها من المسلمين الآخرين الصادقين، للإيحاء لهم بأن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ولكنهم لم يستجيبوا لذلك، وآثروا البقاء في ديار الشرك، ليكيدوا للإسلام من ذلك الموقع، وبذلك استنفدت كل التجارب معهم، فلم يبق هناك تجربة جديدة يمكن أن يقوم بها المسلمون في طريق هدايتهم، فكان لا بد من حسم أمرهم بالمواجهة الحازمة لهم، بمعاملتهم معاملة الكفار، لأنهم كفار في واقع أمرهم، متمردون في ظاهره. وعلى ضوء ذلك، جاءت الآية لتخاطب المسلمين حول هذا الموضوع بأسلوب الاستنكار. {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ}، وهذا أسلوب معبّر يوحي بالحسم في مواجهة المسألة؛ فإذا كان الله قد أضلّهم، فماذا يستطيع العبد أن يقوم به في هدايتهم، وهل يستطيع الإنسان أن يتمرّد على إرادة الله في الناس وفي الأشياء؟

* * *

معنى إضلال الله للمنافقين

وقد يوجه سؤال: ما معنى إضلال الله لهم، وهل يعني هذا إلغاء إرادتهم في قضية الهدى والضلال؟ وما معنى العذاب على ما لا اختيار للإنسان فيه؟

والجواب؛ أننا أشرنا أكثر من مرة في هذا التفسير إلى الأسلوب القرآني الذي ينسب كل الظواهر في الكون إلى الله، سواء كانت الظواهر كونية أو إنسانية، وذلك من خلال علاقتها بالله في ما ترتبط به من قانون السببية الذي أودعه في مخلوقاته، فللضلال أسبابه كما للهدى أسبابه، وقد جعل الله من أسباب الضلال، إرادة الإنسان السير في هذا السبيل، بعد قيام الحجة عليه من الله من جميع الجهات، مما يجعل من اختياره للضلال أمراً لا مبرر له؛ وبذلك يكون الضلال حتمياً بوجود السبب الداخلي، وهو الإرادة المنحرفة، أما علاقة الموضوع بالله، فتتمثل في هذا الربط الذي جعله الله بين الإرادة وحصول المراد، كأيّة نتيجة وسبب، ولكن ذلك لا يمنع من أن يكون طرف القضية بيد الإنسان، هذا من جهة، وأما من جهة أخرى، فلأن الله يرفع عن الإنسان رعايته وعنايته التي يمنحها للسائرين في طريق الهدى، ويكل أمره إلى نفسه؛ وإذا فقد الإنسان رعاية الله، كان الضلال أمامه في طريق الحياة، وفي كلا الحالين، فإن النسبة لا تمنع من الاختيار، ولا تمنع بالتالي من المسؤولية التي تستتبع العقاب، ولكنها تحسم الموقف في اتجاه الحتميّة التي لا تترك مجالاً للتجربة.

{وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}، لأن عملية الإضلال تتمثل في إغلاق الإنسان على نفسه كل السبل التي فتحها الله له ليسير فيها باختياره، فليس هناك وضع أو رعاية إلهية غير عادية لفرض الهدى من موقع المعجزة.

* * *

أماني المنافقين

ويستمر القرآن في توضيح الواقع الداخلي الذي يعيش في ذواتهم {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً...} فهم يحملون الأماني الذاتية في أن يكفر المسلمون كما كفروا، مما يوحي بأن كل خططهم العملية في إظهارهم الإسلام وفي تقرّبهم من المسلمين تتحرك في هذا الاتجاه، فكيف يمكن أن يستسلم المسلمون لهم ويمحضوهم المودّة والإخلاص والموالاة، ويندمجوا معهم في مشاعر أخوية حميمة؛ في الوقت الذي يحملون فيه مثل هذه الأماني والأفكار؟ {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ..}، لأن ذلك يغريهم بالامتداد في خطتهم، ويجعلكم في متناول أيديهم، بما تفرضه الولاية من علاقات ومعاملات وأوضاع استرخائية يستسلم فيها الإنسان للجوّ الحميم ويفقد معها حذره.

* * *

الأمر بقتل المنافقين أنى وجدوا

{حَتَّى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ...} لأن الهجرة تمثل لوناً من ألوان الخضوع للسيطرة الإسلامية، مما يمكّن المسلمين من مراقبتهم وأخذ جانب الحيطة والحذر من جهتهم، ويوحي ـ ولو من بعض الجهات ـ باستعدادهم للانضباط الجزئي في داخل الحكم الإسلامي. وهذا هو الفرق بين المنافقين الذين هاجروا، وبين المنافقين الذين لم يهاجروا؛ فإن الإسلام قد يطمع في إصلاح حال المهاجرين منهم، لأنهم يعيشون في الأجواء الإسلامية الروحية والفكرية التي قد تنمّي لهم روحيتهم وأفكارهم على أساس الإسلام، وربما كان لوجودهم في نطاق السيطرة الإسلامية بعض الأثر في الوصول إلى هذا الهدف الإسلامي في هدايتهم إلى الحق؛ أما المنافقون الباقون في مكة، فليست هناك أية فرصة معقولة لخروجهم من ضلالهم وكفرهم، فلا مجال لإعطائهم حكم الإسلام من قريب أو من بعيد.

{فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ...} لأن هذا هو حكم الإسلام في المشركين في حالة الحرب {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }، لأنهم ليسوا من الإسلام والمسلمين في شيء، بل هم أعداؤه وأعداؤهم في كل المجالات؛ ولكنه استثنى فريقاً منهم {إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} فإنه يجري عليهم حكم المعاهدين، لأن المعاهدة تفرض عدم الاعتداء عليهم وعلى من يجيرونه من الناس {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ} هؤلاء الذين يعيشون في أنفسهم الضيق النفسي والحرج العملي في قتال المسلمين مع قومهم، أو في قتال قومهم مع المسلمين، فيحبون أن يكونوا حياديين. وقد أراد الإسلام من المسلمين انتهاز الفرصة، فيشجعوا هذا النوع من الحياد في المعركة في الفئات المحسوبة على معسكر الأعداء، لأن ذلك سوف يفقد الأعداء قوّة مقاتلة، وذلك لطف من الله بالمسلمين {وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} ونفّذوا ذلك بأمانة وصدق، {فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} لأن الله لا يريد في هذه المراحل أن يندفع المسلمون إلى قتال الذين يقفون على الحياد في المعركة، حتى لو كانوا كافرين.

* * *

الموقف ممن يقاربون أهل النفاق

وهناك جماعة أخرى قريبة من هذه الجماعة، ولكنها تختلف عنها في بعض الخصائص {سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} وهؤلاء هم الذين يريدون أن يحصلوا على الأمن من كلا الطرفين، ولكن لا عن ضيق أو حرج في نفوسهم من القتال، بل عن حب للحياة مع العمل على أن يأخذوا الحرية لأنفسهم في التحرك في الفتنة، من خلال أجواء الأمان الممنوحة لهم، {كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا}، فهم يخضعون لنوازع الفتنة، ويستسلمون لعواملها ومؤثراتها؛ فإذا حصلت لهم الظروف المساعدة، وقعوا فيها. وقد حكم الإسلام على هؤلاء بأن يقدّموا للمسلمين الدليل العملي الصادق على طبيعة الأمان التي يطلبونها في ممارساتهم تجاه المسلمين، باعتزال القتال وإلقاء السلام إليهم وكف الأيدي عنهم، وإذا تمرّدوا على ذلك وحاولوا أن يلعبوا وينافقوا بعيداً عن وضوح الموقف وصراحته، كان للمسلمين أن يعاملوهم معاملة المشركين، لوحدة الموقع في المعركة مع اختلاف في الأسلوب {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ} أي أينما وجدتموهم {وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} وحقاً ثابتاً من أجل الدفاع عن الإسلام والمسلمين ودحر الكفر والكافرين.

* * *

استيحاء الدروس من هذه الآيات

وقد نستوحي من هذه الآيات بعض الملامح العامة لمواقفنا العملية في ساحة الدعوة إلى الله:

1 ـ أن يتعمق العاملون في دراسة النماذج البشرية الموجودة في الساحة من الفئات المنافقة، ولا يستسلموا للأجواء الحميمة وتقديم التنازلات، لمجرد أن هناك هدفاً لهداية الناس ينبغي للمسلم أن يستهدفه، بل لا بد من دراسة تاريخ هؤلاء في سلوكهم العملي، والتعرف على حركتهم في الحاضر، لنعرف ـ من خلال ذلك ـ ما هي الفرص التي قدّمت إليهم في هذا السبيل، وما هي الظروف التي منعت من إقبالهم على انتهازها، وما هي الإمكانات الحاضرة والمستقبلة التي يمكننا من خلالها خلق ظروف جديدة لهدايتهم؟ إننا نؤكد على ذلك، ليخرج العمل الإسلامي من أجواء السذاجة المنطلقة من حالة الطهارة الروحية البريئة التي يعيشها العاملون، فيتحركون في الفراغ، ويبذلون الجهد الضائع، وربما يستغل أولئك المنافقون هذا الإلحاح الإيماني على هدايتهم، فيوحون للعاملين بأنهم سائرون في هذا الاتجاه، مما يفتح لهم أبواب المجتمع المؤمن من موقع الثقة، فيعبثون فيه كما يشاؤون، ثم ينقلبون إلى جماعاتهم من دون أن يحصل المؤمنون على ما يريدونه منهم.

2 ـ أن نستوحي من الفقرة الكريمة في قوله تعالى: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ} أن على المؤمنين أن يأخذوا الحذر في علاقتهم بالفئات التي تحمل هذا التفكير وتعمل لهذا الهدف، سواء كان ذلك على مستوى أحزاب الكفر والضلال، أو على مستوى الأفراد والجماعات المنافقة، فعليهم أن لا يتخذوا منهم أولياء؛ بل يعملوا على أن يعاملوهم معاملة الأعداء من حيث الحذر في الموقف والعلاقة والمعاملة، ليأمنوا شرّهم ويحفظوا الناس من الوقوع في حبائلهم.

3 ـ أن ندرس حالة الحياديين، فنميّز بين الذين يحملون الحياد كموقف ينطلق من قناعاتهم النفسية، فنحترم حيادهم تبعاً لمصلحة الإسلام والمسلمين في حالة الصراع بيننا وبين الفئات المعادية؛ وبين الذين يلعبون بالحياد كورقة يحصلون فيها على امتيازات من حيث الأمن، ويمنحهم حرية الحركة في اللعب على أكثر من حبل ـ من أجل الحصول على مكاسب مادية ـ أو في إيقاد نار الفتنة من أجل الوصول إلى أهداف عدوانية لمصلحة الكفر والكافرين، فنأخذ جانب الحيطة في موقفنا منهم، بالتأكيد على إلغاء الفرص التي تسمح لهم باللعب، وتقييد حريتهم بالوسائل العملية الواقعية؛ لنحفظ الساحة من كل دعاة الفتنة والضلال.

ـــــــــــــ

(1) أسباب النزول، ص:93 ـ 94.