تفسير القرآن
النساء / من الآية 92 إلى الآية 93

 من الآية 92 الى الآية 93

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيتــان

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}(92ـ93).

* * *

معاني المفردات

{خَطَئاً}: غير متعمّد وقاصد. والخطأ خلاف الصواب، وهو هنا ما يقابل التعمد، كأن يرمي إلى غرض أو صيدٍ فيصيب إنساناً فيقتله أو يقتل شخصاً محترم الدم ظناً منه أنه مستباح الدم.

{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}: التحرير: تفعيل، من الحرية، وهو إخراج العبد من الرقّ إلى الحرية.

{مُّسَلَّمَةٌ}: مدفوعة موفّرة غير منقصة حقوق أهلها منها.

* * *

مناسبة النزول

جاء في أسباب النزول ـ للواحدي ـ أن الحارث بن زيد كان شديداً على النبي(ص) فجاء وهو يريد الإسلام، فلقيه عياش بن أبي ربيعة، والحارث يريد الإسلام وعياش لا يشعر، فقتله؛ فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً}. وشرح الكلبي هذه القصة فقال: إن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أسلم وخاف أن يظهر إسلامه، فخرج هارباً إلى المدينة فقدمها، ثم أتئ أطماً من آطامها، فتحصن فيه، فجزعت أمه جزعاً شديداً وقالت لابنيها أبي جهل والحارث بن هشام، وهما لأمّه: لا يظلني سقف بيتٍ ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتوني به، فخرجا في طلبه وخرج معهم الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينة، فأتوا عيّاشاً وهو في الأطم، فقالا له: انزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك وقد حلفت لا تأكل طعاماً ولا شراباً حتى ترجع إليها، ولك الله علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكرا له جزع أمه وأوثقا له، نزل إليهم، فأخرجوه من المدينة وأوثقوه بنسع، وجلده كل واحد منهما مائة جلدة، ثم قدموا به على أمه، فقالت: والله لا أحلّك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه موثقاً في الشمس، وأعطاهم بعض الذي أرادوا، فأتاه الحارث بن زيد وقال عياش: والله، لئن كان الذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، وإن كان ضلالةً لقد كنت عليها، فغضب عيّاش من مقاله وقال: والله لا ألقاك خالياً إلا قتلتك. ثم إن عياشاً أسلم بعد ذلك وهاجر إلى رسول الله(ص) بالمدينة، ثم إن الحارث بن زيد أسلم وهاجر إلى المدينة وليس عيّاش يومئذ حاضراً ولم يشعر بإسلامه، فبينا هو يسير بظهر قبا إذ لقي الحارث بن زيد، فلما رآه حمل عليه فقتله، فقال الناس: أيّ شيء صنعت، إنه قد أسلم؟ فرجع عيّاش إلى رسول الله(ص) فقال: يا رسول الله كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، وإني لم أشعر بإسلامه حين قتلته، فنزل عليه السلام قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً}[1].

وجاء في أسباب النزول ـ للواحدي ـ في آية {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً…} قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: إن مقيس بن صبابة وجد أخاه هشام بن صبابة قتيلاً في بني النجار، وكان مسلماً، فأتى رسول الله(ص) فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله معه رسولاً من بني فهد فقال له: ائت بني النجار فأقرئهم السلام وقل لهم: إن رسول الله(ص) يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن صبابة أن تدفعوه إلى أخيه فيقتص منه، وإن لم تعلموا له قتيلاً أن تدفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهدي ذلك عن النبي(ص) فقالوا: سمعاً وطاعةً لله ولرسوله، والله، ما علمنا له قاتلاً، ولكن نؤدي إليه ديته، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين نحو المدينة وبينهما وبين المدينة قريب، فأتى الشيطان مقيساً فوسوس إليه فقال: أيّ شيء أنت صنعت تقبل دية أخيك فيكون عليك سبّة، اقتل الذي معك فيكون نفس مكان نفس وفضل الدية، ففعل مقيس ذلك، فرمى الفهدي ٍبصخرةٍ فشدخ رأسه، ثم ركب بعيراً منها وساق بقيّتها راجعاً إلى مكة كافراً: فنزلت هذه الآية {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} الآية. ثم أهدر النبي(ص) دمه يوم فتح مكة، فأدركه الناس بالسوق، فقتلوه[2].

* * *

حكم قتل الخطأ في الإسلام

لقد أعطى الإسلام للإنسان أهمية كبيرة في مفاهيمه وتشريعاته، فاعتبر الحياة الإنسانية قيمة عظيمة في وعي الإنسان المسلم ووجدانه، مما ولّد في داخله شعوراً باحترامها على مستوى وجوب الاحتياط في حفظها وسلامتها، لكونها ملكاً لله الذي لا يبيح لأحد التصرف فيها بالقتل إلا بإذن الله، في ما وضعه الله من حدود في حالات السلم والحرب؛ فلا حرية للإنسان في التصرّف في حياة الناس حسب رغباته ومزاجه بل لا بد له من أن يجعل مزاجه تابعاً لإرادة الله. وقد بلغ الأمر بالإسلام أن جعل حفظ الحياة واجباً على كل مسلم، في الموارد التي يحترم فيها التشريع الحياة، بحيث أن الأمر إذا دار بين أن ينتهك الإنسان حدود بعض المحرمات وترك بعض الواجبات، وبين أن يترك إنقاذ المؤمن؛ فإن التشريع الإسلامي يبيح ارتكاب الحرام لمصلحة حفظ حياة المؤمن، لأنها أكثر أهمية لدى الشرع. وإذا دار الأمر بين ترك المهم والأهم تقدم الأهم.

وقد انطلق التشريع في هذا الاتجاه من أجل حفظ التوازن في حركة الحياة في العالم، على أساس أن يشعر الناس بروح السلام في حياتهم الاجتماعية، مما يبعث في مشاعرهم الثقة والاطمئنان في نطاق حدود الله، فلا يخاف الإنسان على نفسه إزاء أي تصرف انفعالي يحدث له، ولا يخشى من ردود الفعل الشديدة التي تهدد حياته، في ما لا يجيز الإسلام معه ذلك. وعلى هذا الأساس تكون المعادلة الإسلامية التشريعية أن الإنسان كلما ازداد إيماناً، كلما ازداد بُعداً عن الاعتداء على أرواح الناس واحتراماً لحياتهم؛ مما يجعل من الإيمان عنصر ضمانٍ للحياة العامة، كما هو عنصر ضمان للحياة الخاصة.

وعلى هدى هذا الاتجاه، جاءت هاتان الآيتان لتحدّدا جزاء قتل المؤمن لدى الله، في ما يكون خطأً، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} كما إذا أطلق إنسان النار على حيوان مثلاً فأصاب إنساناً على سبيل الخطأ لعدم توفر عنصر القصد لذلك؛ وجزاء قتل العمد.

ففي حالة قتل الخطأ تحدثت الآية الأولى عن حالات ثلاث؛ {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} فإن كان القتيل مؤمناً من أهل مؤمنين، فلا بد من أن يُدفع إلى أهله الدية المقدّرة في الفقه بعدة تقديرات، ويقوم بتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ، فكأن الدية تمثل التعويض المادي عما فات أهله من الانتفاع بوجوده، ولو بشكل جزئي، بينما تكون عملية عتق العبد المؤمن بمثابة إحياء لنفسٍ أماتتها العبودية في مقابل نفس أماتها القتل.

وإن كان القتيل مؤمناً من قومٍ كافرين {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} فيكتفي بتحرير الرقبة المؤمنة، لأن الكفر يمنع من إرث المؤمن، كما تمنع حالة الحرب مع الكفار من إعانتهم مادياً حتى في مثل هذه الحالة. وإن كان القتيل مؤمناً من قوم معاهدين {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ}، فلا بد من دفع الدية إليهم، {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً} انطلاقاً من احترام عهدهم بالإضافة إلى تحرير الرقبة المؤمنة، لأن حال المعاهدين حال المسلمين من هذه الجهة. فإذا لم يجد القاتل مالاً يستطيع أن يدفع منه الدية، فإن كفارة فعله صيام شهرين متتابعين، وتلك هي التوبة العملية التي يريدها الله من عباده، لأن الإنسان الذي لم يتعمد القتل، بل أخطأ فيه، يحمل بعض المسؤولية في ذلك، لأن عليه التحفظ في ما حوله ومن حوله عند إقدامه على إطلاق الرصاص؛ ولأن مثل هذا التشريع الذي يفرض الخسارة المالية في نطاق الدية والعتق، يؤدّي إلى التدقيق الشديد لدى الإنسان في كل الحالات التي يمكن أن تؤدي إلى الخطأ.

ولا بد أن نشير إلى ما أشارت إليه الآية في قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} وهو أن لأهل القتيل أن يعفوا عن الدية، باعتبار أنها حق لهم، فيكون حالها حال أيِّ حق من حقوق الناس التي يملكون أمر إسقاطها، كما يملكون أمر استيفائها.

أما قتل العمد، فلم تتعرض الآية إلى نتائجه على مستوى الجزاء الدنيوي، لأن ذلك مما تحدث عنه القرآن في سورة البقرة؛ بل تعرضت إلى الجزاء الآخروي، {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} إذ ذاك من الكبائر التي يستحق عليها الخلود في النار، لأن تعمّد قتل المؤمن يدل على نفسية خبيثة حاقدة، لا تحترم الحياة ولا تحترم الإيمان. وقد وردت في السنَّة أحاديث تدل على أن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة سبعين مرة[3]، مما يوحي بالفكرة التي قدمناها في بداية الحديث بأنَّ قيمة حياة المؤمن عند الله في المستوى الكبير من الأهمية والاحترام.

ولكن ذلك لا يمنع من قبول توبة القاتل إذا تاب لله وندم على فعله، مع الاحتفاظ بحق أولياء الدم في القصاص أو الدية، فإن الله يغفر الذنوب جميعاً ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء ويقبل التوبة عن عباده، حتى أن الشرك يمكن أن يغفرْه الله لمن تاب عنه ودخل في الإسلام.

أما قضية الحديث عن الخلود في النار للقاتل، فإنها تتصل بالاستحقاق كأية معصية كبيرة، ولا تتصل بالفعلية، كأيّ ذنبٍ من الذنوب التي يستحق الإنسان عليها العقاب، ولكن يمكن للعفو الإلهي أن ينال المذنبين إذا تابوا وإذا انفتحت عليهم رحمة الله. وعلى ضوء هذا، فلا بد من تأويل الروايات الدالة على أنه «لا توبة لقاتل المؤمن إلا إذا قتله في حال الشرك ثم أسلم وتاب» كما عن ابن عباس[4] ـ بحملها على عدم سقوط القصاص بتوبته، باعتبار أن ذلك يدخل في حقوق الناس لا في حق الله المجرد، مما يجعل القضية خاضعةً لموقف أولياء الدم، وربما تحمل هذه الروايات على سلوك سبيل التغليظ في القتل، كما روي عن سفيان الثوري أنّه سئل عن توبة القاتل، فقال: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، وإذا ابتلي الرّجل قالوا له: تب. وروى الواحدي بإسناده مرفوعاً إلى عطاء عن ابن عباس أن رجلاً سأله: أَلِقاتل المؤمن توبة؟ فقال: لا. وسأله آخر: أَلِقاتل المؤمن توبة؟ فقال: نعم. فقيل له في ذلك، فقال: جاءني ذلك ولم يكن قتل، فقلت: لا توبة لك لكي لا يقتل، وجاءني هذا وقد قتل، فقد قلت: لك توبة لكي لا يلقي نفسه بيده إلى التهلكة[5]. وقد نقل صاحب مجمع البيان عن بعض الإمامية أن قاتل المؤمن لا يوفق للتوبة[6]، بمعنى أنه لا يختار التوبة. ونلاحظ عليه أنّ هذا خلاف الواقع، لأننا نعرف الكثيرين من القتلة تابوا توبة نصوحاً، وندموا على ذلك.

ــــــــــــ

(1) أسباب النزول، ص:94 ـ 95.

(2) م.ن، ص:95.

(3) جاء في بحار الأنوار، عن أبي عبد الله(ع) قال: "المؤمن أعظم حرمة من الكعبة"، ج:64، ص:50، باب:1، رواية:35.

(4) مجمع البيان، ج:3، ص:142.

(5) (م.ن)، ج:3، 142 ـ 143.

(6) (م.ن)، ج:3، ص:143.